بالرغم من كل النظريات التي عاشت عبر العصور ، والمعادلات الاقتصادية الضرورية من أجل البقاء أولاً، وبناء الحضارة في المقام الثاني نظرياً، ولكنه عملياً ضرورة لتحقيق الهدف الأول ، لا زالت الثروة البشرية هي العامل الأعمق غموضاً ، والأوفر استثماراً من بين كل العوامل المتاحة من ناحية ، وعلى الجانب الآخر فهو المورد الذي تُعَد خسارته أفدح خَسارة ممكنة.

وبالرغم من كل الاختلافات التي تثور حول نظريات فهم الإنسان باعتباره مصدراً أو مورداً – Resource من ناحية ، واعتباره أساساً متجدداً Capital  من ناحية أخرى ، إلا أن أصحاب الاختلافات جميعاً اتفقوا على أن السبيل الوحيد للاستثمار في الإنسان ليغير ثبات المعايير الاقتصادية الأخرى هو بالتعلم باختلاف مسمياتها ما بين المعرفة والمهارة والخبرة … إلخ.

وغني عن التوضيح كل الجوانب التي تجبرنا – يومياً – على الاعتراف بأن الطرق التقليدية في التعلّم بمراحله الأساسية أو التكميلية تعاني قصوراً واضحاً ، فكان التعليم عبر الانترنت المنفذ الأمثل اقتصادياً لتحقيق متطلبات الفرد ، غير أن أية طريقة تبدو جيّدة لا تلبث أن تبدو عيوبها بتكرار الطلب عليها ، فكما أوضح جون ستيوارت مل بأن “النجاح يكشف ما لا يبديه الفشل من عيوب” ، فالمحتوى العربي للتعليم عبر الانترنت – على تشعبه – لا زال قاصراً ، لا يُسمن المُتعلِم النَهِم والذي لا يجد ضالته، إلا في مواقع التعلّم الأجنبية.

ولذلك اعتقد بأننا نحتاج خطواتٍ أولية  – بعيداً عن المحتوى ذاته – كي لا نحاول حل القصور ، بقطعة Puzzle غير متساوية الجوانب ، تسد قصوراً من ناحية ، فنرى دائرة مجوفة من الناحية الأخرى في تعبيرٍ صارخ عن استمرار القصور.

7 خطوات للحصول على محتوى تعليمي عربي فعال عبر الانترنت:

 

 

1. السفراء:

 

 

مبادرة رواق الأولى بوجود سفراء مهمتهم الأساسية تكمّن في التعريف بالمنصة ، وأهميتها ومستهدفاتها وما تقدمه ، خطوة على قدر متميز من المؤسسية ، لكن ينقصها القليل من الاستراتيجية الجيدة ، فدائماً كي تمنح المستخدم خدمة ، عليك أن تحدد جيداً ما هي الحاجة التي تنقصه على قدر مناسب من التحديد؟

فالقول بأن المستخدم في حاجة لتعليمٍ أفضل ، لا يكفي لبناء استراتيجية لضعف المعطيات ، فيجب أن تُحدد الحاجة مقرونة بما تستطيع من خلاله تحويلها لهدف ، أو ما يُختصَر بقوله “SMART” ، عليك أن تعلم تحديداً ما المواد أو المهارات المُتطلبة ؟ وما وجهة نظر الطلاب في المدة المطلوبة لإتمام محتوى مثل ذلك ؟ وما الطريقة المثلى لتدريس المادة ؟ …. إلخ

يختلف وجود السفراء قطعاً عن الاكتفاء باستطلاعات الرأي ، فالاستطلاعات والاستبيانات تقدم لك بيانات مهما بلغت قدرتك التحليلية فهي مصمتة بعض الشئ ، تختلف عن إدراك المستمع لمسموعه ، وما يمكن استنتاجه من اقتراحاته ، غني عن البيان أن وجود نموذج في كل جامعة على الأقل ، يحمل الرؤية والإيمان بالمنصة ، يمنح قدراً أفضل من التعارف – Familiarity  ، والحيوية والإطمئنان بوجود قناة تواصل فعالة بين المنصة والمستخدم.

شئنا أم أبينا فكما لاقتراح مثل هذا من مميزات ، فله الكثير من العيوب : كالأثر الشخصي السلبي للسفير عن المنصة ن وهو ما يستدعي منطقياً وجوب تأهيل السفير ببرامج من إعداد القادة والعديد من المهارات الشخصية ، سواء تم ذلك مؤسسياً من خلال تقديم مبادرات من المنصات للمبتدئين وأصحاب الخبرة على قدم المساواة ، أو تم استهداف أصحاب الخبرة مباشرةً في حالة عدم إمكانية القيام بمثل تلك المبادرات.

 

 

2. الشراكات والتكامل :

 

 

 

من المؤكد أن التعددية في تقديم الخدمة في إطار واحد ، سيمنح المستخدم جواً من الثقة ، والإحساس بالمؤسسية كما سيخلق جواً من التنافس في تطوير المادة العلمية ذاتها ، فمثلاً إن كنت ستقوم بدراسة متقدمة للمواطنة ، الفلسفة أو العلوم السياسية والإنسانية على منصة إدراك ، في ظل وجود مساقات عن مبادئ نفس العلوم على منصة رواق ، سيصبح من الملائم جداً أن يُشير موقع إدراك ضمن متطلباته إتمام مساقات المبادئ على منصة رواق ، كما تشير منصة رواق إلى أن هذا المساق يؤهلك لإتمام المساقات التالية على المنصات الأخرى مع مزامنة لمواعيد البدء والنهاية.

غير أن التكاملية لا تقتصر وحدها على مؤسسات التعليم الإلكتروني ، بل من الممكن أن تمتد للترابط مع مؤسسات العمل التطوعي والمجتمعي ، ففي حالة وجود نقص أو احتياج لدى المؤسسة لمهارة ما ، فمن خلال شراكتها مع المنصات التعليمية تستطيع طلب مساق بالمواصفات المطلوبة ، ويختلف ذلك مؤكداً عن الطلبات الفردية لأن ثِقل المؤسسة ، سيمنح للمساق أولوية مختلفة ، وسيمكن المنصة من دراسة الأولوية في ضوء معطيات أوضح فمتى تقل أولوية المؤسسة أمام الطلبات الفردية والعكس؟

وبديهياً فالتكامل يشترط العكس ، بأن مؤسسات المجتمع المدني والتطوعي لو كانت تملك أفضليةٍ في مساق ما ، فالشراكة ستسهل الأمر بأن يقوم أحد المتطوعين أصحاب الخبرة بالقيام بتدريس المساق على المنصة ، سينشئ الأمر علاقات قوية بين المنصات والمؤسسات ، وبوجود قيمة مضافة ، وإعلان يضمن انتشار أكبر تُعلن المنصة عن دعمها للمؤسسة بتقديم خدمة تعليمية معينة والعكس كذلك.

 

3. المدرسون المساعدون

 

 

 

أغلب الطلاب عبر الانترنت يجدون ثِقلاً في إتمام دراستهم لمساقٍ مُعيّن ، أمام ضغوط الدراسة الأكاديمية ، وضيق الوقت ، وضعف الحافز ، ويشكل الأخير لُب الأمر ، فمن ضمن طرق تحديد أولوياتنا العواقب المُنتظرة لأمرٍ ما ، ووجود حافز مثل تدريس المادة أو المشاركة في إعداد المحتوى ، سيخلق حافزاً ممتازاً للطالب ، كما أنه سيخلق قدراً لا بأس به من ضمان الاستدامة للمؤسسة ، فدائماً هناك مساحة للتجديد وتكوين الكوادر.

ومن أهم الملحوظات في نقطة مثل هذه ، أن على المنصات أن تهتم بتدريب المدرسين المساعدين ، على تسهيل المواد العلمية ، والتأكد من قدرتهم على إيصال المعلومة والذي من السهل تقديمه عن طريق مقترحات لمواد التبسيط – Science of facilitation  والذي – في نظري – يحتاج الكثير من الجهد لتقديم محتوى عربي ملائم ، يستطيع الاعتماد عليه ، لتقديم محتوى يختلف تماماً ويقدم فعالية أكبر عن حماقات ما نتلقاه من تعليم يُثقل كواهلنا ونلقيه عند أقرب مفترق طرق بدعوى أن العمل له تعليمه الخاص.

 

 

4. التجربة

 

 

يقول المثل الروسي “أول فطيرة لا تنجح أبداً”، ويؤكد كونفوشيوس: “قل لي وسوف أنسى … أرني ولعلي أتذكر … ضعني في مأزق وسوف أفهم” ، بالرغم من كل الاستراتيجيات التي جُرِبَت في سبيل التعليم ، لا زالت التجربة هي الأكثر نجاحاً ، سجال الحياة يجبرك أن تكون أو لا تكون ، وتجربة “لم تَكن” تمنحك الفرصة كي تكون.

ذلك هو الأمر باختصار ، تقديم أي محتوى دون توصيات بالتجربة أو ترك نصائح بالتطبيق ، مع وجود مهام واضحة لمثل ذلك الأمر ، أهم بكثير من المساق في حد ذاته ، من قال أنه يتعلم من أجل المعرفة ليس صادقاً ، وليس كاذباً كذلك ، لكنه يحاورك منطقياً ويراوغك ، كلنا نتعلم من أجل المعرفة ابتداءً ثم لنطبق معرفتنا وإن لم يكن ذلك هدفاً مباشراً ، فالقول الأعم: “أتعلم من أجل المعرفة” مقرونة بجملة لا تُذكَر إلا فيما ندر: “علها يوما تفيد”.

وتُعد تلك الخطوة بوابة هامة لنقل المُتعلم بجاهزية لسوق العمل ، مع خبرة – ولو كانت قليلة – إلا أنها ستيسر له الكثير ، وستمهد له الطريق.

 

5. الرُعاة

 

 

 

تُعد تلك الخطوة – رغم وجودها بصورة مستقلة – حلقة وصل بين الحافز والتجربة ، فعلى منصات التعلم أن تتخذ خطواتها الوئيدة نحو توفير فرص العمل بالتعاون مع رُعاتها ، من خلال تقديم المساقات المطلوبة لسد احتياجات المؤسسات الراعية، والذي سيكون ذلك أكثر وضوحاً في مسألة المهارات والجوانب المعرفي- العملية شديدة الأهمية ، فتقدم المؤسسة اقتراحاتها حول المساق بما لا يُخل بمحتواه ، وتضيف المنصة وجهتها التعليمية والتربوية ، فتضمن للمُتخرج فرصة عمل ، وتسد احتياج للشركة الراعية بما يخلق سلسلة مترابطة ، ودائرة تعلم وعمل تُخرج روتينيات علم بلا عمل خارج الحساب.

 

 

6. الترجمة

 

اللغة وليدة الاستخدام ، في كثيرٍ من المرات تجد دوماً أن المصطلح الأكاديمي الأجنبي أكثر إيفاءً لمقتضيات العمل ، وأقرب لذهنك على الدوام ، ينبع ذلك من الاستخدام المتكرر ، فهو الذي يُعرّف اللفظ بمفهومه في ذهنك ، وهو الذي يجعله مألوفاً ، وعلى الجانب الآخر فإن النشاط الحضاري المُصاحب للغة هو الذي يفرض سطوته في اختيار المسميات ، فكل تلك المسميات حق لهم ، فحيث يكون السبق يكون أهله ، والدليل أن اسم الخوارزمي لا زال متربعاً على علمه حتى اليوم.

لذلك إن أردت أن تُثري أي محتوى لُغوي حال تأخر أهله ، مفتاح البداية عند الترجمة ، فالترجمة تمنحك الفرصة كي تُكمِل حيث توقَف الآخرون فلا تكرر ما فعلوه ، تقفز بضع قفزات علمية ، بدلاً من أن تبدأ من الصفر كل مرة ، فنشاط حركة الترجمة كان مصاحباً لعصري النهضة الإسلامي والأوروبي على السواء.

يكمن دور المنصات التعليمية عبر الانترنت ، في فتح باب الترجمة – بالآليات ، والانتقاء من التراجم المقدمة وتنقيحها بالأفضل والأحدث على الدوام ، فلا يمكن الاكتفاء بمراجع أجنبية – وإن كان وجود المراجع الأجنبية واجباً – ما أقصده كي تتقدم خطواتاً أكبر ، لا تستثقل خطوة ترجمة المراجع المتطلبة لتقديم مساقك ، كي تفتح باباً أوسع من الانتشار.

 

 

7. الفعاليات

 

 

أحد العيوب الكبرى التي وجهت للتعليم عبر الانترنت ، هو أنه لا يسمح بالتفاعل بين أعضائه ، وكان الرد أن ذلك يتم تقليله بالفعل من خلال المناقشات والردود ، والمحاضرات المتزامنة بتحديد موعد والانضمام للفصل الافتراضي ، غير أن أقوى الحجج – في نظري – أن التعليم عبر الانترنت لا يستهدف استقلال الفرد عن المجتمع تعليمياً ، بقدر ما هو – في صورته الحالية – وسيلة داعمة للإطار الطبيعي لحياة الفرد وميسرة لتعلمه.

ورغم ذلك فيجب أن تحرص المنصات التعليمية أن تقوم بفعاليات علمية دورية ، ندوات أو مؤتمرات في مختلف الوطن العربي ، سيوفر لها ذلك غطاءً نقدياً ، ورواجاً مجتمعياً يستقطب فئاتاً رغم كل الخطوات الماضية لا زالت بعيدة كل البُعد عن إطار عملها ، كما أنها ستسطيع من خلالها إتمام دورها المجتمعي بشكل أفضل ، وأوقع ، يخرج عن الإطار الافتراضي ، بما يؤكد مدلولية أن العالم الافتراضي أداةٌ وليس غاية.

خطوات سبع يمكننا من خلالها تطوير المحتوى التعليمي العربي المتوافر على المنصات عبر الانترنت وهي : السفراء والشراكات والأساتذة المساعدون والرعاة والتجربة بالإضافة للترجمة والفعاليات.

الخطوات لم تتناول المادة العلمية لما للمواد العلمية من خصوصياتها طبقاً لكل مجال ، وإن كانت الخطوات ككل ستضمن تطويراً مستداماً للمادة العلمية ، كما لم نلجأ للخطوات المتواجدة بالفعل كالاستطلاعات والاستبيانات وتقييم المحاضرين ، وإنما كان التركيز على الخطوات الإضافية من خلال تطوير أفكار موجودة بالفعل أو اقتراح أخرى.

والخطوات – في نظري –  مُجرد بداية استراتيجية لخطوات أكبر مُرتكزاتها حول تلافي عيوب وأخطاء التعليم النظامي وتوفير انتشار أكبر وتواصل أعمق وقيم مُضافة تُكوّن لهذه الفئة وزناً أثقل له أثر أوقع على المُجتمَع ، وتكوين مؤسسي يسمح للمنظمات والمنصات بالخروج عن دورها القاصر بتقديم خدمات تعليمية ، بتكوين روابط أو مؤسسات هدفها تحقيق التكامل النسبي المأمول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, تعليم
عرض التعليقات
تحميل المزيد