لقد ارتبط اسم الديانة الإسلامية في عالم ما بعد 2001 بالإرهاب، والمشكلة أن مثل هذه الأحكام المعممة لا تأتي من العقول المتعلمة، بل من العقول السطحية التي تجهل حقيقة ومضامين الديانات كيفما كانت، وبأسف شديد أقر على أن عالمنا يضم أصحاب العقول السطحية والصغيرة أكثر من غيرهم، مما أدى إلى تفشي الجماعات المتطرفة والمنظمات المعادية للإسلام، أو «المتخوفة منه».

إن أصحاب هذه العقول السطحية هم الأكثر سذاجة وتأثرًا بأية أيديولوجية كيفما كانت، عقول تسير مع التيار باستسلام تام لمؤثراته دون أية مقاومة، وهذا النوع من العقول يصنفون ضمن دائرة الذين لا يدرون ولا يدرون أنهم لا يدرون، بل ويعتقدون أنهم على دراية بكل شيء، وهي المفارقة ذاتها التي تحدث عنها ذات يوم أينشتاين مؤكدًا وجود علاقة عكسية بين المعرفة والغرور، هؤلاء مع الأسف يعمي غرورهم المعرفي، أو بصيغة أخرى جهلهم، قلوبهم وعقولهم، إنهم هؤلاء الذين ينتمون لجماعات متطرفة، مؤمنة بسمو بني أجناسهم عن غيرهم، تستمد حماستها من سلطة الجماعة، أو سلطة الكتلة، حيث إن عدد المنتمين لهذه الفئة يزداد يومًا بعد يوم، مما يحسسهم بسلطتهم باعتبارهم جماعة عنصرية متطرفة معادية للهجرة والمهاجرين، متناسية الحقيقة أن أوروبا وغيرها من القارات الحاضنة للمهاجرين المسلمين، هم بحاجة ماسة لهم لضمان السير الدائم لعملهم، واقتصادهم.

وقد لاحظنا تفشي هذه الجماعات المتطرفة بكيفية كبيرة، خاصة بعد ارتفاع عدد المهاجرين العرب واللاجئين السوريين لأوروبا، وتزايد الأعمال الإرهابية المتسلسلة التي ينهجها بعض المحسوبين على الإسلام أو من يسمون أنفسهم «تنظيم الدولة الإسلامية في بلاد العراق والشام».

ومما لا شك فيه أن الجهل يعتبر محددًا رئيسيًا في تفشي الفكرين العنصري والإرهابي في العالم، وقد عبر العالم ابن رشد عن هذه الفكرة قائلًا: «الجهل يؤدي إلى الخوف، والخوف يؤدي إلى الحقد والحقد يؤدي إلى العنف».

وإن أخذنا تاران أو سفاح نيوزيلاندا مثالًا للإرهابي، المتطرف، المنتمي للجماعات المعادية للإسلام بالغرب فالرجل ليس بمريض نفساني أو حالة اجتماعية مستعصية، بل هو إرهابي سفاح لم يكمل تعليمه، لأن من وجهة نظره الخاصة فالمدرسة لن تفيده في شيء، «يعتقد أن معرفته مطلقة: لا يدري ولا يعلم أنه لا يدري»، استمد عدوانيته من قوة الكتلة، وبالتحديد من بعض الساسة الذين ينشرون خطابات معادية للإسلام، وعلى رأسهم ترامب، ومارين لوبين ومواليهم، خاصة وأنه تشبع بالفكر التطرفي بعد زيارته لفرنسا ورؤيته للمسلمين هناك، أي أنه شخص معرض للتأثر بسرعة بأية أيديولوجية في تغييب تام للعقل، يمشي مع التيار بسبب جهله، عنصري لأقصى حد، مؤمن بسيادة وتفوق الجنس الآري عن باقي الأجناس كيفما كانوا، خاصة المسلمين، ناهيك عن كونه يحمل حقدًا كبيرًا ناتجًا عن خلفية تاريخية تعود إلى زمن الحروب الصليبية وما قبلها.

عوامل كثيرة، أساسها الجهل، هي من أمدت السفاح وغيره من التنظيمات المتطرفة كتنظيم «الدولة الإسلامية» بالقوة، حيث إن هذا الأخير لا يختلف في عمقه عن الأحزاب المتطرفة المنتشرة في أوروبا، أو عن الجماعات المعادية للإسلام ببورما، فكلهم يسعون جاهدين إلى القيام بغسيل دماغي للشباب والأطفال مستغلين جهلهم بتعايش الديانات والأخلاق الإنسانية، فيقومون بإدماجهم في جماعات تتبنى الفكر التطرفي والإرهابي، وبهذه الطريقة تتم شرعنة عملية قتل الأبرياء بدم بارد دون تأنيب ضمير، أو إحساس بالذنب. إنها العملية المثلى لصناعة الإرهابي المتطرف، وسفاح المستقبل.

من هذا كله كيف يمكننا محاربة الفكر التطرفي المتفشي في المجتمعات الشرقية والغربية؟

إن أول خطوة يجب على مجتمعاتنا القيام بها هي التوعية والتعليم، فبناء الوطن المتجانس يتطلب حل أزمة الإنسان، وصناعة المواطن المتزن قبل كل شيء، وهذا البناء ينطلق من الدروس الأولى التي يتلقاها المواطن في المدرسة في الخامسة من عمره، فقليلًا ما نجد يابانيًا متعلمًا تأثر بالفكر التطرفي، لأنه وبكل بساطة تلقى تعليمه كما يجب، ودرس الأخلاق في صفوفه الدراسية الأولى، وتشبع بقيم المواطنة الحقة، وطبقها في المدرسة والشارع والمنزل، ولو رسخنا أخلاق التعايش في نفوس أطفالنا وذكرناهم كيف تعايشت الديانات عبر العصور وكيف عاصر المسلمون المسيحيين واليهوديين والبوذيين وأبرموا معهم صداقات، وجمعتهم علاقات محبة ومودة لما وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم من عنصرية وتطرف وجهل.

إن التعليم – أولًا وأخيرًا – هو الذي يضمن للدولة عدم انجراف الأفراد وراء «سيكوباتية» الجماهير، أو الاستسلام للدغات الأدرينالين التي تصور للمتطرف أنه مشروع بطل، وتعطيه بعض الرضا المؤقت عن النفس، وفي الحقيقة هو ليس سوى بطل من ورق، مجرم إرهابي سقط ضحية جهله، فلو انتشر العلم في عالمنا واندثر الجهل لانقلبت معادلة ابن رشد إلى: «العلم يؤدي إلى الطمأنينة التي تؤدي بدورها إلى المحبة، ومن المحبة ينشأ السلام والتعايش بين الأجناس داخل المجتمعات».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد