يكتسي موضوع القيادة أهمية بالغة منذ القدم، واختلف هذا المفهوم على حسب البيئة والزمان وعلى حسب الظروف الاجتماعية والثقافية، وقد ارتبط قديمًا بقيادة الجيوش وخوض المعارك والحروب، كما كان هذا المصطلح يعبر أساسًا عن المنتصر في الحروب وصاحب القوة الجسدية، الأمر الذي قد يسهم في إعطائه منصب القائد بلا منازع، وفي النقيض من ذلك ارتبطت القيادة بالحكمة والمعرفة (كسقراط اليونان، وألفيدا الهند، وكوفوشيوس الصين)، كما نجد بأنها ارتبطت في بعض الأزمنة والظروف بالسلطة الدينية، كقيادة الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمسلمين روحيًا، أو في العصور الوسطى أيام خضوع أوربا للكنيسة الكاثوليكية. فما هي القيادة؟ وما معايير القيادة الرشيدة وكيف يمكن أخلقتها؟ وهل من الممكن إيجاد نموذج تعليمي يعزز القيادة الأخلاقية؟

ويستدعي هذا الاهتمام بموضوع القيادة بحثًا دقيقًا في المعنى اللغوي والاصطلاحي لكل من مصطلحي القيادة والأخلاق:

تعرف القيادة

يعرفها ابن منظور لغة على أنها: القَوْدُ : نقيض السَّوق، يقود الدابة من أمامها، ويسوقها من خلفها، فالقًوْدُ من أمام والسوق من خلف، والاسم من ذلك كله القِيادَة. لسان العرب. أما اصطلاحًا فنجد تعريفات متعددة تعكس الاهتمام بالموضوع من جهة والاختلاف في تحديدهم مهام القائد من جهة أخرى، ويمكن أن نعرف القيادة على أنها القدرة على التأثير على مجموعة من الناس وتوجيههم فكريًا أو سلوكيًا لهدف ما، وهذا ما ذهب إليه أغلب الأخصائيين، لعل أشملهم تعريف هايمان وهيلجرت HAYMAN & HILGERT، الذي عرفها بأنها: القدرة التي يمتلكها الفرد في التأثير على أفكار الآخرين واتجاهاتهم وسلوكهم، كما يعرفها بيتر ف دراكر PETER F. DRUCKER بقوله: الارتفاع ببصيرة الإنسان إلى نظرات أعمق، والارتفاع بمستوى أدائه إلى أعلى المستويات.

تعريف الأخلاق

الخُلُق في لغة العرب: هو الطَّبْع والسجيَّة. الفيروزأبادي، المحيط، أما اصطلاحًا: فهي مجموعة من القيم والمبادئ المنظمة للسلوك الإنساني.

ومن الملاحظ في تعريفات القيادة أن أغلبها يحتوي على كلمة مفتاحية هي التوجيه؛ ما يجعل من هذا الأخير قد يسلك عدة مسالك، منها القيادة السلبية أو القيادة التي قد تحيد بالمنقاد عن جادة الطريق، وهذا ما حدث مع كثير من النماذج التي عرفها التاريخ، والتي كانت مؤثرة، ولكنها استعملت ذلك التأثير في إشباع نزعاتها التسلطية.

والجديد بالذكر أن القيادة بالمعنى المفهومي المعاصر وبعد التغيرات السريعة الحاصلة في العالم، بداية بتغير منظومة العقل وظهور الإنسان الرقمي والبيئة الجديدة التي أطلق عليها: حرائق الغابات الرقمية. تغير العقل، سوزان غرينفيلد. والتي أدت بالكاد إلى تغير نمط التفكير، وبالتالي تغير في سلم الأولويات والاهتمامات، وبالتالي ظهور نمط معين من الوعي وصحوة الضمير، وسرعة المعلومة وانتشارها، وعدم تمكن طبقة ما من احتكار الفكر والمعرفة والثقافة؛ مما أدى لسقوط صنم البروباغندا الذي طالما وجه الشعوب، وأثر فيهم؛ فأذن ذلك بانهيار الدكتاتوريات الوهمية المتسلطة في العالم، فكانت ساعة الصفر لميلاد ما أحب أن أسميه: قيادة الميادين على صعيد مختلف المستويات وفي كل المناصب والتنظيمات، مثل القيادة الأسرية والقيادة التربوية والقيادة المواطنية… ليعلو صوت القيادة التشاركية والتحويلية Transformational Leadership ويتغير المفهوم الساذج التقليدي القائد الكاريزماتي الشخص المحور، البطل… إلى مفهوم أكثر انفتاحًا: القائد هو الذي يساهم في صناعة القادة من حوله، ومن هنا يكون المجال مفتوحًا لضبط مفهوم القيادة الأخلاقية التي يتفاعل فيها ثلاثة أطراف رئيسة: القائد وأتباعه والظروف، ولكن يكون هذا التفاعل في القيادة الأخلاقية وفق اعتبارات أخلاقية قيمية تعاونية تشاركية.

ولنجاح القيادة الأخلاقية يحتاج القائد لمصالحة مع الذات ومعرفة بها، لأن القيادة تبدأ أساسًا من الداخل إلى الخارج. ستيفن بركوفي، العادات السبع للأشخاص أكثر فاعلية. فكلما تحكم الإنسان في عواطفه ومشاعره وتعامل مع المواقف الضاغطة بهدوء أكثر، كانت قدرته على القيادة أفضل.

كما تعتمد القيادة الأخلاقية على مرتكزات عديدة، تجمع بين ما هو تقني وما هو قيمي، وكل يكمل الآخر ويغذيه، ولعل أبرز المرتكزات الأساسية:

مرتكزات تقنية:

1الإقناع الرشيد: تقديم كل الحجج والبراهين العقلية والمنطقية لإقناع الآخرين.

2قاعدة المعاملة بالمثل: يتوقع القادة الذين يقدمون خدمات المعاملة بالمثل.

3كسب الحلفاء: تقديم الخدمات يعزز فرص الحصول على حلفاء.

4الوضوح: لا يسلك القائد الأخلاقي الطرق الملتوية في طلب الأشياء، يعتمد الطلب المباشر.

مرتكزات قيمية:

1- القيادة بالمصداقية: المصداقية تعزز شرعية القائد وتقويه.

2- القيادة بالحب: اعتماد مبدأ: الناس تقتنع بقول من تحب لا بقول المحق.

3- القيادة بالقدوة: التقيد بالقيم والأخلاق يعزز فرص القيادة وتسهيل الأعمال.

كما تعتبر هذه المرتكزات مكملة ومدعمة لبعضها البعض بتفاعلها مع بعضها تظهر معالم القائد الأخلاقي، والذي يمتاز بصفات ندرجها على شكل نقاط لتكتمل الصورة بشكل أوضح:

· القائد يعترف بقوة الآخر ويثمن نجاحه.

· القائد الأفضل هو من يتقن الانقياد (القائد الناجح هو مرؤوس بارع).

· القائد يقدم حلولًا للقادة الآخرين.

· القائد يترصد الوقت الملائم لتبيان قدراته.

· القائد يطلب المشورة ويتفاعل مع آراء الغير.

· القائد الناجح يمتلك الرؤية ويؤمن بفقه الأولويات.

· القائد الأفضل من يرسم طريقًا له ولغيره للنجاح.

· القائد لا يتردد وحازم في قراراته.

· القائد مبدع خلاق.

· القائد واضح.

· القائد محلل ودقيق واستراتيجي.

· القائد الحقيقي يعترف بخطئه.

· القائد الحقيقي ملهم للآخرين.

· القائد مفوض جيد.

· القائد الجيد يعزز الوحدة عن طريق التنوع.

· القائد الأخلاقي إنساني.

والجدير بالذكر أن كل هذه الصفات قد تجعل من أي إنسان قائدًا، ولكنها تفتقر لعنصرين أساسيين حتى يكتمل المشهد ويتضح مفهموم القائد الأخلاقي، وهما:

المصداقية: وهي الالتزام الضمني الذي يقدمه القائد لأتباعه، والذي يقوم أساسًا على الصدق وتحمل المسؤولية.

الموثوقية: وهي تعزيز أواصر الثقة بين القائد والأتباع عن طريق المصارحة والوضوح.

وليتحقق ذلك كله، من الأهمية بمكان الشروع في عملية تعلّم منظمة، تشجع تنمية القيادة الأخلاقية ضمن المؤسسات التي تخدم المجتمع والإنسان، خاصة على مستوى المدارس والجامعات، وصياغة البرامج والمناهج التربوية والتعليمية بما يتوافق وتعزيز القيم القيادية الأخلاقية، والتي تتجه أساسًا نحو خدمة الآخرين والبذل من أجلهم، وتطويع المهارات والقدرات الفردية لفائدة إسعاد وخدمة الجماعة، خاصة عندما أثبتت النماذج القيادية السابقة فشلها وقصورها، إن لم نقل أنها تورطت في جل الأزمات العالمية التي يعيشها العالم اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد