منذ سار الإنسان الأول على سطح هذه الأرض، السطح الذي رآه بمشيئة الله ورحمته منبسطا، وهو متكور، وأحسّ به ساكنا، وهو متحرك، أتيحت له في مرحلة هذا الابتلاء له على هذه الأرض، وتحت هذه السماء، فرصة أن يتحرك بفطرته مدفوعا مع غيره من الكائنات الحية بقانون حفظ الذات، ومعه قانون حفظ النوع، مع دوام البحث عن الأمان في سعيه، والتحري للتكيف والتوازن مع الواقع المحيط به، سواء بالتأثير فيه، أو بالتأثر به، في حين يمد سمعه وبصره إلى أقصى ما يملك، بين كل ما سخره الله له من موارد الأرض والسماء، مستمعا للهواتف، وباحثا عن الحاجات، ومتعلمًا بتجاربه المريرة والحلوة ما لم يكن يعلم.

في تلك الأيام الأولى، وقبل أن يتكاثر الإنسان فيملأ الأرض، لم يكن قد انتهى من كثرة ما كابد من المشقات، من تلخيص الكون المحيط به تلخيصا لغويا تعبيريا بأصواته، وتحت الكلمات والأسماء التي علمها الله له، وأودعها من أول الخلق في فطرته.

لم يكن هذا الإنسان الجوال، المروَّع، قد استكمل لغته أو اخترع الكتابة لهذه اللغة، لم يكن قد بنى بيتا من أشجار الغابة أو أحجار الجبل، أو أقام لأبنائه على سطح الأرض مدرسة.

في تلك الأيام الأولى كان كل ما يستطيع أن يراه بعينيه أو أن يسمعه بأذنيه أو أن يتصوره بفكره تحت قبة السماوات، وفوق أديم الارض، ونحو أضواء الأفق، وأن الله، الذي آمن به منذ أبيه آدم، هو مُرشده، وأنّ عليه أن يتقبل الابتلاء بعد الجنة التي خرج منها، ليعمر هذه الأرض بالخوف من الله، والإقبال عليه، والاستهداء به ليزداد علما وعدلا وأمنا.

رحـلـة حـول الـفـكر

ويمضي الإنسان الأول المؤمن في ضوء تفكيره النامي داخل صروح الأرض، وتحت قباب السماء، يمتحن رتوقها وفتوقها، وهو يمد إلى الأشياء القريبة منه فيكتشف العلاقة، ويمد سمعه وبصره إلى الأشياء البعيدة عنه فيكتشف المجال، وينفذ بفكره المستطلع، إلى كنه الأشياء الغريبة عليه فيكتشف الاتساق. ومن العلاقة والمجال والاتساق اكتشف ما أمكن تعميمه من ظواهر الطبيعة بغير استثناء، أي أنه اكتشف بذلك أول قوانينها، وهو يسجل من غير ضجة أول اللبنات في صرح العلم.

الغـوص فـي أعمـاق الـحيـاة

ثم يمضي هذا الإنسان المؤمن في ضوء ما أدركه من الاتساق في الكون، وما كشف عنه من أول قوانين العلم، فيفتض مساحة أكبر من حصانات الطبيعة وأسرارها، وهو يلمح بانبهار وخشوع هذا التوازن الدائم بين كل مشيدات الخلق في وحداتها ومركباتها. ولقد أخذ الإنسان المتحرك بغير أنيس سوى رؤيته العقلية يرى كل أبنية الحياة، وتدفقات العناصر، وتراكمات الجوامد، تنشأ وتتكامل، ثم تنتفض وتنحل، عابرة جسر الموت أو الانهيار، لتعود فتنشأ بنضارة الحياة من جديد دون أن تلمح عينه في هذا الموكب الزاخر بالخلق والتغير، والبزوغ والأقوى والبدء و الإعادة أية لبنة تنشز أو تسقط، أو يبقى مكانها من بعدها شاغرًا في صحوة البناء المتكامل، أو رجعة الانحلال الشامل.

لقد وقع في يقينه وهو يرجع البصر في معطيات الخلق ومشاهد السماء والأرض، وحركة الأشياء في حواراتها ومتغيراتها، أنه ليس هنا أو هناك  على مرمى بصره، أو وراء خياله، أي تفاوت أو اختلال أو فطور.

بصـيـرة الـعـقـل والـقـلـب

إن بصيرته في عقله وقلبه أخذت تلمح في مسرى الأشياء قانونا أعظم من كل القوانين.. قانونا لا تتصادم به القوانين.. إنه القانون الذي يكون به كل شيء متى ينبغي له أن يكون، وحيث ينبغي له أن يكون كما ينبغي له أن يكون.. إن بصيرته تلمح العدل في كل شيء.. ومن وراء العدل في كل شيء.. ومن وراء العدل تكتشف البرهان الحسي على الله.

بهذا التدرج في إدراك اتساق الواقع إلى أبعد مدى من الشمول، ومع التوازن معه في الحركة و الاستجلاء والاستهداف، تحدد للإنسان الذي صحت فطرته، وصحّ عقله ثمرة لصحة التفكير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد