لقد سار هذا الحظر على وحدتنا طويلا متسترًا ولا يزال وراء هذا الاستعمار الفكري. الأملس و الخفي، وابتداء من سيوف النظريات الاستشراقية في كيدها السافر، وحقدها الدفين، وهو الاستعمار المتعدد الوجوه و الضربات، والذي ما كان له أن ينظم حشوده، وأن يحشد مردته باتجاه أرض العرب، إلا بعد أن تم للصهيونية العالمية أن تمارس هذا الاستعمار العقلي نفسه على أوربا كلها، شرقا و غربا، والتي عممت من خلاله جميع فلسفاتها الخداعية على كل شعوب أوروبا في جميع المجالات العلمية، والدينية،السياسية والثقافية، والفنية، والإعلامية.

جمع وتكديس وتحريك الأموال الطائلة التي تستولي عليها لتنمية وتركيز هذه السلطة الصهيونية في قبضة واحدة خفية، من أجل السيادة المطلقة على كل العالم.

استسلام أوروبا للغزو

لقد كان استسلام الدول الأوروبية في عصر تقدمها وحتى اليوم لهذه القوى الصهيونية العنصرية العالمية هو ساحة التجارب الأولى لنجاح الاستعمار العقلي.

أو الغزو الفكري، فلقد تحولت أوروبا كلها وهي تتنازل عن طابعها اليوناني واللاتيني والجرماني القديم ومن خلال المذاهب الفلسفية المبتدعة، والمتضاربة بين ما هو بلغة العصر «مادي» جدًا، أو «روحي» جدا، وبين ما هو علمي جدا، أو خرافي جدا، هذه الفلسفات « السرابية » وغير الإنسانية التي قدمها فلاسفتها وعرّابوها!

التحولات الكبرى

لقد تحولت أوروبا وحتى ساحل الغربي للولايات المتحدة إلى كيان فكري مُصْطَنَعْ، ومتضارب، ومنفصم عن إرادته، تحت تأثير هذه الفلسفات الصهيونية التي نخرت عظامه، مع تزايد عجز هذه الشعوب الأوروبية والأمريكية عن التكيف الذاتي مع تاريخها وجذورها بطريقة تكشف لها عما هو أفضل للسيطرة على واقعها، والخروج من مأزق انهيار حضارتها، وبذلك أخذت أعراض هذا الانهيار الكبير تظهر على دعائم هذه الحضارة «الصهيو-أوروبية» المشدودة على وجهها في قبضة الصهيونية العالمية، والمتقدمة علميا وصناعيا في الظاهر، والمتخلفة سياسيا واجتماعيا في الواقع، في حين هي تتجه بتأثير القوى الصهيونية المسيطرة عليها إلى رفض ماضيها كله بمعنى محدد هو رفض الدين والمسيحية بالذات، وانكار الله إنكارا صريحا أو خفيا، ليكون هو البديل.

الأيديولوجية أو النظرية الوهمية القائمة على شكل من أشكال تصنيع الأفكار باتجاهات متنوعة في مجال الاقتصاد والسياسة.

دورة الصهيونية

دارت الصهيونية العالمية دورة خفية، وأخذت تقتات منذ فيلسوفها سبينوزا على مخلفات ما استحوذت عليه من أفكار الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، في حين هي تعيد تشكيلها وصياغتها بحيث تنتهي دائما إلى هذه الأيديولوجيات، أي الفكريات، وهي من كلمة idio يعني: الفكر.

 كما توصل إلى اختراعها ذلك الفيلسوف الفرنسي المغمور ديتوت دي تراسي (1754-1832) وهو الاختراع الذي استغلته الصهيونية لكي تجعل من  تصنيع الأفكار، أو من صناعة الأيديولوجيات، مجالا لترويج الفلسفات الظنية في حين ينشأ  وراء هذه الفلسفات السرابية آلهة من البشر يخضعون بدورهم لقبضة هذه القوة الخفية للصهيونية العالمية التوسعية.

نزيف الوطن العربي الأيديولوجية

ولقد كان من الطبيعي أن يكون الوطن العربي هدفا لهذه الحرب الأيديولوجية التي تقودها الصهيونية للسيطرة على العالم المتقدم والمتخلف على السواء، على أنه بالنسبة للعرب بالذات، والذين هم القوة الأقوى في العالم لو أنهم توحدوا مرة أخرى على لغتهم ودينهم ومقوماتهم، فإن الصهيونية العالمية التي تعلم ذلك كل العلم، وتخشى من وقوع هذا التوحيد في هذه الصحوة أشد الخشية – تنظر إلى هدف القضاء على وحدة الأمة العربية نظرة أكثر تحفيزا وتركيزا، لأنها قد قررت طوال مراحل نشأة الصهيونية أن تكون بداية التحقق لأحلام أحبارها الوهمية بإقامة.

الدولة الوحيدة في الأرض، رهنًا بعملية الاستيلاء على أرض فلسطين، التي ترتبط في نفس الوقت ببداية ظهور التحقيق العملي لدولة إسرائيل الكبرى فوق أنقاض العرب من النيل إلى الفرات، وحيث تقوم عاصمة هذه الدولة الخرافية على أطلال وأنقاض القدس العربية، التي ستكون حسب معتقداتهم وخرافاتهم أنها عاصمة أبدية للدولة الصهيونية الوهمية الكبرى!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد