أنطون تشيخوف في حوار مع مكسيم جوركي:

”لو كان لدي نقود كثيرة أقمت هنا مصحة للمدرسين الريفيين. آه لو تعلم مدى حاجة الريف الروسي إلى المدرس الجيد الذكي المثقف. ينبغى علينا فى روسيا أن نحيطه بظروف خاصة، ويجب أن نفعل ذلك بأسرع ما يمكن إذا كنا ندرك أنه بدون شعب مثقف ثقافة واسعة ستنهار الدولة كالبيت المشيد من طوب لم يحرق جيداً. فالمدرس ينبغي أن يكون فنانًا، ومصورًا، متيمًا بعمله. أما عندنا فهو عامل يدوي، شخص قليل الثقافة، يمضي الى تعليم الأولاد في الريف بنفس الرغبة التي قد يمضي بها إلى المنفى. انه جائع، مقهور، خائف من أن يفقد كسرة الخبز. بينما ينبغي أن يكون في وسعه الإجابة على كل أسئلة الفلاح، ينبغى أن يرى فيه الفلاح قوة جديرة بالاهتمام والاحترام، وحتى لا يجرؤ أحد على الصياح فيه وعلى إذلال كرامته.

من الحماقة أن تدفع ملاليم لرجل مدعو لتربية الشعب.. أتفهم؟ تربية الشعب! لا يجوز أن نسمح بأن يسير هذا الشخص ويرتعش من البرد في المدارس الرطبة المتهدمة. عار علينا هذا“.

تذكرت هذا الحوار الغاضب عندما رأيت صورة لأحد الفصول في أحد القرى وفيها يتكدس الطلبة بعضهم فوق الآخر في مشهد لا يسمح بالتعلم والتعليم على الإطلاق. في بداية هذا العام وقبل بدء العام الدراسي صرّح وزير التعليم – الذي لا يجيد اللغة العربية – بتوقع التكدس فى الفصول نظرًا للظروف الاقتصادية التي لم تسمح بزيادة ميزانية التعليم. نفس الظروف الاقتصادية سمحت بالعديد من صفقات السلاح مع كل من ألمانيا وروسيا وفرنسا. نجد طائرات الرافال الفرنسية صفقة سوخوي 35 وطائرات مقاتلة ومروحيات التمساح الروسية ومدمرة كورفيت الفرنسية والميج 35.

الله أعلم كم هو حجم الإنفاق الحقيقي على هذه الصفقات وما هي نسبته من الدخل القومي أو الموازنة العامة. هناك أرقام متاحة بالتأكيد، ولكن التأكد من صحتها هو أمر غير مجدي بالمرة. السؤال المجدي هنا هو ما هي القواعد التي تحدد أولويات الإنفاق؟

أو لما جنون التسلح فى دولة نامية اقتصادها متهالك لا تواجه مخاطر أي حروب؟ هل نحتاج هذا السلاح في الوقت الراهن بعد لقاء السيسي مع نتنياهو في نيويورك والتسريبات المعلنة بلقاء ولي العهد السعودي مع نتنياهو فى إسرائيل. ثم أخيرًا السماح لمواطني البحرين بزيارة إسرائيل دون أي عائق!

هناك مثل شعبي يقول (إن اللى معاه قرش محيّره، يشتري طير ويطيره)، لكنك لا تملك قرشًا، خلال الأربعة سنوات الماضية لم نسمع سوى الشكوى من الفقر وضيق الحال والحاجة والإلحاح بالتبرعات وجمع الفكة. لماذا لا ننفق ربع ثمن هذه الأسلحة على التعليم مثلًا؟

نشر الموقع الرسمي World Economic Forum تقريره بشأن مصر والذي تضمن ترتيبها رقم 134 من حيث جودة التعليم من إجمالي 138 دولة. هذا الترتيب المهين يتماشى مع سياسة الدولة متمثلة فى تصريحات الرئيس عندما قال على الهواء مباشرة (هيعمل إيه التعليم في وطن ضائع) لماذا لا يقول: (هيعمل إيه السلاح الحديث مع جندي مريض وشعب يتم إفقاره وتجهيله عنوه). هل الرئيس يؤمن بعدم أهمية التعليم؟ بالتأكيد هو كذلك، وإلا لماذا يغلق 38 مكتبة في شهور!

تتابع الأخبار وتتحسر على عجز بعض التلاميذ عن دفع مصاريف المدرسة التي لا تزيد عن 70 أو 90 جنيه! الكثير من التلاميذ لا يستطيعون توفير الأدوات المدرسية من أقلام ودفاتر. العديد من الحملات الخيرية على السوشيال ميديا التي تدعو الناس للتكفل بدفع مصاريف طالب أو طالبة! هل هذا وظيفة الشعب أم وظيفة الدولة؟ ترى كم عدد التلاميذ الذي يتكفل بتعليمها ثمن طائرة وكم عدد الجامعات التي يمكن بناؤها بثمن غواصة؟

قال نيلسون مانديلا :”أن التعليم هو السلاح الأعظم لتغير العالم”. أية دولة نامية وتريد أن تنافس وتتطور لا تنفق أموالها في أي شيء آخر سوى التعليم. تحضُر الدول وتقدمها مرتبط بنسبة الإنفاق على التعليم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد