لا يميل أهل التعليم إلى العنف، لا لأن ذلك من طبعهم، بل لأنهم لا يرغبون بالخسارة، يطمحون تحقيقَ أقصى الأرباح بأقل الخسائر أو في الحد الأدنى عدم تحمل أي كلفة أو مشقة، فأنى لهم ذلك؟

أيها المُعرِض عنا حسْبُك اللهُ تعالى للحوار والنقاش، هو المفترض أن تنحاز إليه الدولة والوزارة كما هو الحال مع أول دفعة من أهل التعاقد.

التعليم يحرس البلاد أفضل من جيش عرمرم منظم يبني العقول ويربي الأجيال، يُكسبها الثقةَ في الأنفس والغيرةَ على الوطن، توفَّر الظروفُ اللازمة للمدرِّس وتصرفُ ميزانيات مهمة على هذه المنظومة باعتبارها رافعة من روافع الرقي بالمجتمع، إلا أن المغرب جرى عكس التيار ووقف في وجه الأساتذة وما يطلبون، أما والحال هذه فقد برزت مشاكل جديدة تؤجل الغرض والمتوقع من الرؤية الاستعجالية للمجلس الأعلى للتربية والتكوين.

كل يُغَنِّي وفق مصالحه، التنسيقية من جهة والدولة من جهة ثانية وطرف ثالث واقع بين نارين «التلميذ».

الخطاب البلاغي المتدهور لأهل السياسة في التعليم تحكُمه استعارة مجازية بليغة وهي البيع والشراء والتخلص من أعباء وتكاليف الموظف المستنزف للدولة حسب أهل الحل والعقد في الوظيفة العمومية، وليس الإبلاغ والإفهام والإيضاح والبيان، يقابله في كل ذلك طمع غلاَّبٌ وهوى متبع وسلوك طاغ، تتجلى منه الرغبة في الإدماج وضمان كرسي الوظيفة حتى بلغ من الكبرِ عتيًا ومن حقهم ذلك دستوريًا وأخلاقيًا، رغبة عنوانها الطغيان لدى الطرفين يغمرها ويخامرها فلا تكاد تتخلص منه إلا قليلٌ منهم.

وفي المعركة طرف ثالث تائه لا يكاد يُبِينُ حالُه من أمره شيئًا، ذلك أنه أُقحم في المعركة ويستعمله الأساتذة سلاحًا وإذا ما قُورِنوا بأوليائهم زاد الطينَ بِلة، ويعمل الكل على استقطابهم لترجيح كفتهم على ما يعتقد الجميع، أولياء التلاميذ والأساتذة يشكلون قوة تجرها التنسيقية وتسُوسُها النقابة في سوق السياسة والمكاسب ولَيِّ الأذرع.

يتجمع الأساتذة في الرباط وفي شتى المدن أمام الأكاديميات وأحيانًا في الشوارع العامة، فيغنون «في بلادي ظلموني» أسوة بما غنته جماهير إحدى الفرق الرياضية، ويصيحون أن لا منطق في فرض التعاقد عليهم، يفترشون الأرض في الليالي ويبيتون في العراء، يأملون من الحكومة إيجاد حل لأزمتهم أو أقله طمأنتهم بمستقبلهم الذي بحسبهم بات مرهونًا بمراهقة بعض الأشخاص في الأكاديميات إذ جرة قلم فقط تودي بالأستاذ فترجعه سنوات عجافًا للوراء، يقول لسان حال هؤلاء نُضرِب عن العمل ونُضرب في الشوارع فما أنتم فاعلون؟ تجيب الحكومة فتهدد وتتوعد وتتزايد عليها الضغوط، ومع ذلك بل رغم ذلك لا حل يلوح في الأفق والأساتذة مع عصي العسكر وخيلهم ورجلهم إلا أنهم ما هانوا ولا وهنوا ولا استكانوا.

أن تطأ أقدام العسكر الأساتذة وينهالوا عليهم بالعصي وخراطيم المياه فهي مشاهد تقشعر لها الأبدان، إلا أن طرفًا من هؤلاء المعتصمين يغالون في القول ويشيعون أن الدولة ماضية في إلغاء مجانية التعليم، غير مدركين أن الدولة على عِلَّاتها لن تجازف وتستعدي الشعب الذي ألِف وتربى ونشأ على المجانية في التعليم، وفي سبيل السخرية روى أحد هؤلاء المعتصمين حديثًا أشار إلى ضعفه ومتنُه: «التعاقد رواه الخلفي عن أمزازي عن العثماني عن صندوق النقد الدولي».

ويستمر مسلسل تدهور الحالة الصحية للمدرسة العمومية ذلك أنها ما تعافت بعدُ من تكدسات المشاكل القديمة لِتضافَ إليها عقدة ومشكل التعاقد الأخير ليسوقها ويزيدها تغولًا في الحضيض وإغراقًا في القاع، وفي ظل الرؤية الاستباقية التي باشرها المجلس الأعلى للتربية والتكوين «رؤية 15/30» والتي كادت تلحق بنظيرتها السعودية «20\30».

ذات يوم نشرت إحدى المواقع الإعلامية صورة لتحدي العشر سنوات، تظهر معلمًا سابقًا في ورزازات إلى أستاذ جامعي بكندا عنونه الموقع “تشالنج ديال بصح” إذ شكل قفزة نوعية وفريدة، يُعطَف على هذا ما قيل عن تبني إحدى الجامعات البريطانية للفتى إيدر مطاع العبقري الذي لم ير منه المغاربة فجوة لينفذوا منها إلا ما كان من أمر اللهجة وجعلوها معيارًا للسخرية لطغيان لهجته الأم الأمازيغية على الدارجة المغربية.

أسلوب ذهب بالمغاربة كلَّ مذهب وبالرغم من ذلك فلو حُمِيت عبقرية هذا الغلام قبل فسادها، من يغذوها بالتربية ويتعهدها بالنصح ويحدوها إلى أنْموذج أعلى، لبقي منها أساس صلب يبنى عليه ويحمي الأهلَ به عاديات الدهر ومحن الأيام والليالي، والدولةَ هنا أعني أضاعوا قبل ذلك أدمغة وأطلقوا عنانها نحو الغرب ومراكز البحث هناك لتبدع وتبتكر، إذ تشير أحدث الإحصائيات إلى أن العرب يحتلون حيزًا مهمًا في مراكز الغرب للبحث العلمي، ويتبجح السياسي المغربي بأنه درس في أوروبا وقفل راجعًا لخدمة بلاده في حين أنه لا يطبق إلا ما تريده مدرسته التي درج فيها على الأراضي المغربية، كل ذلك في سياق واقع مرير يُراد به التعجيل بموت المدرسة المغربية.

رغبة الدولة في إيجاد «معجزة الأستاذ لا الأستاذ المعجزة» يرضخ لشروطها ويرتد على عقبيه راضيًا بما أُعطيَ ويحمد الدولةَ أن انتشلته من مكامن القهر والجوع والتسكع في الأسواق لاهثًا وراء لقمة العيش وهانئًا المأكل والمشرب.

عذرًا أيها الأستاذ فلدي شغل آخر يقول شق من الإعلام المغربي فهو منشغل بالمسلسلات التركية التي لها بداية ولا نهاية لها، وشقه الثاني عاكف على المديح لأطراف معينة وبث معاناة السوريين ومعاناة الجزائريين مع نظامهم، ومنشغل كذلك ببث أغاني وآخر منتجات السينما، وما أعجبني غير طرف ثالث تمثل في أحد الصحفيين المغاربة المحسوبين ضمن قائمة «العياشة» قوله في تدوينة له على الفايسبوك جاء فيها: «لو سمِع الأساتذة المتعاقدون ما يقوله عنهم «مساندوهم» لانتبهوا إلى أنهم مجرد حطب في معركة لا علاقة لها بملفهم» في إشارة واضحة إلى سياسة «فرق تسد».

ينشد أحد هؤلاء الأساتذة شعرًا وهو الأستاذ حمزة العبار في قصيدة رائعة جاء فيها:

لاخير في أمة أستاذها ضُرِبا … وشُج رأسه يا قومي وقد عُذِّبا
لا خير في أمة أستاذها تركا … لرحمة القمع والرفس وقد سُحِبا
لاخير في أمة وِزرةُ أستاذها … قد لُطِّخت بدم الأحرار واعجبا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد