مشكلة التعليم الديني من بين المشكلات التي يشكوها المسلم اليوم، خصوصًا وأن المناهج التعليمية المتبناة في بلدان العالم الإسلامي، غالبيتها مناهج علمانية بحتة، لا تولي الدين أي قيمة، بناء على أسلوبها القائم على فصل الدين عن الدولة، وعلى الفوبيا العلمانية تجاه الدين، وهذا ما يفسر سر الانتشار الواسع للجهل بالمعلوم من الدين بالضرورة لدى السواد الأعظم من المسلمين شيبًا وشبانًا، كما يبرز أسباب الإلحاد والانسلاخ عن كل ما له بالدين أدنى صلة.

إن الأمة الاسلامية كغيرها من الأمم تمتاز بخصال وخصائص تنسجم مع ثقافتها وفكرها، غير أن هاته الخصال بدأت بالتلاشي مع الهيمنة الغربية التي استولت على كل الحصون والمعاقل المتجذرة في الأعماق، نظرًا لامتلاكها أسلحة التأثير على الشعوب وتمرير رسائلها إلى الرأي العام، والتي من نتائجها شيوع الكتب ذات النزعة الترفيهية فقط مع العلم أن هناك ثغرات تشكوها الأمة وليس لها من يهتم بها من شبابنا.

فهل ترانا نصل إلى مرحلة انتشار كتب مفادها تعليم الدين في سبعة أيام؟ كتلك المنتشرة في الشوارع والمكتبات مستغلة جهل الجاهلين، وغفلة الغافلين، واعدة إياهم بتعليم اللغات في ظروف قصيرة غير معقولة!

قد يبدو الأمر مبالغًا فيه، ولكن بالنظر إلى المجال التداولي العربي اليوم يتبين حجم الكارثة: شبان حاصلون على مراكز عليا في مختلف الفنون، لكن إذا تعلق الأمر بالدين تجدهم يتذرعون بذرائع تافهة يحتمون بها من اللوم الذي قد يتعرضون له بسبب جهلهم المطبق بالدين والتاريخ والتراث عمومًا.

غير أن الذي لا ينبغي لنا أن نقوم به هو الاستمرار في توجيه اللوم لهؤلاء الشباب، لأنهم لا يتحملون مسؤولية ما هم عليه من جهل بالدين نظرًا لاعتبارات معينة، على رأسها هشاشة التعليم، وضعف المؤسسات التعليمية العربية التي تعتبر مخترقة من قبل تيارات أديولوجية لها منافعها وأغراضها.

وقولنا هذا لا يصل إلى حد الاستسلام لنظرية المؤامرة ولكن الأمر بين واضح، لو لم يكن له من حجة سوى ما انتشر أيام الثورة المصرية من تلقي زوجة حسني مبارك ملايير الدولارات لأجل تزييف المناهج التعليمية ودس أفكار تطبع مع الاحتلال وتزور حقائق ثابتة لغرض التشكيك في ثوابت الأمة، لكفى.

هناك مؤسسات دينية في العالم الإسلامي تعمل على تدريس الدين وعلومه، بالإضافة إلى تدريس علوم حديثة تساهم في تنمية القدرات وفتح آفاق جديدة تبصر المسلم الناشئ بما يقع عليه من واجبات، لكن الأمر لا يعدو أن يكون تضييعًا للطاقات وهدرًا للموارد، وتدريس مواد ولى زمانها وانقضى، حيث معظم المتخرجين من هاته المؤسسات يعيشون زمانًا غير زمانهم وواقعًا غير واقعهم، فما إن تستفتي واحدًا منهم حتى تجده يستظهر عليك سيلا من الفتاوى والأحكام التي قيلت في زمان غير زماننا وواقع غير واقعنا، فتصاب بالدهشة والحيرة لما تجده من تناقض بين واقعك وما ألقي إليك من أجوبة متجاوزة.

إن العالم الاسلامي في حاجة ماسة إلى تعليم قوي يجمع بين تراث أصيل خال من شوائب الخرافة والتطرف، وبين علم راسخ يوصل الناس للحقيقة التي ينشدون.

وذلك نظرًا لإملاءات تمليها الظروف الراهنة والتحديات المحيطة بالمسلم من كل الجوانب، إذ تظهر مع توالي الأيام مدى الحاجة الملحة لإعادة النظر في كثير من المعارف والعلوم الإسلامية، بغية صياغتها صياغة تلائم الظروف المعاشة وتنسجم ضد الإكراهات والمخاطر المحدقة بالإنسان، كانتشار التطرف والغلو في الدين المفضي إلى الإرهاب والإقصاء والتمييز بأنواعه.

ليس دور التعليم إذن بهين ولا بخيس، بل هو دور مهم وفعال، له تأثيراته ونتائجه في تغيير المجتمعات ورفع درجتها في الأمم، فمتى أعطي حقه وعرفت رسالته كان حريًّا بالمساهمة في ازدهارها وجعلها مميزة بين العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد