كِن روبنسون هو كاتب وتربوي بريطاني، مهتم بقضايا التعليم والإبداع. اشتُهر في العالم بأسره منذ عام 2006 وذلك من خلال مداخلة له على منصة TED العالمية، تحت عنوان: «هل المدرسة تقتل الإبداع؟» إذ تعتبر المداخلة الأكثر مشاهدة على TED أكثر من 44 مليون مشاهدة وتمّت ترجمتها إلى 60 لغة.

يجد القارئ الكريم أهمّ النقاط الواردة في مداخلات كن روبنسون على TED إذ تعتبر ذات أهمية كبيرة خاصة للمهتمين بقضايا التربية والتعليم.

1) هل المدرسة تقتل الإبداع؟

كل الأطفال لديهم قدرات خارقة واستثنائية على الإبداع، لكن نحن من يبدّدها بلا رحمة.

لديهم كذلك ميزة مشتركة فهم يجازفون، إن لم تكن لهم معرفة بسؤال ما فتجدهم يجازفون ولا يخشون الخطأ، وهذا بحدّ ذاته مبدأ أساسي للإبداع، فإن لم تكن مستعدًّا للخطأ؛ فلن تأتي بأي شيء مبتكر. وبمرور السنين يفقد الأطفال هذه المقدرة فيصبحون خائفين من الخطأ، ولهذا أسباب متعددة، ففي النظم التعليمية الأخطاء هي أسوأ شيء يمكن اقترافه؛ وبهذا تكون هذه النظم مكانًا لتعليم الناس خارج حدود قدراتهم الإبداعية.

لا تختلف النظم التعليمية حول أنحاء العالم في كونها تكرّس نفس الهيكل الهرمي للمواضيع المدروسة: تتربّع الرياضيات واللغات على القمة، ثمّ الإنسانيات والفنون في القاع.

هذه الأنظمة تقوم على فكرة القدرة الأكاديمية، فقبل القرن التاسع عشر لم تكن هنالك نظم تعليمية عامة، جاءت هذه الأنظمة لتلبية احتياجات الثورة الصناعية، لذا فنجد المواضيع الأكثر أهمية ومناسبة لمتطلبات العمل، نجدها في قمة الهرم (كالرياضيات…) فيتمّ توجيه التلاميذ على هذا الأساس، ويبعدون في المدرسة عن مواضيع يحبونها لسبب واحد ألا وهو أنّ هذه المجالات لن يجدوا فيها عملًا مستقبلًا، والنتيجة تكون أنّ العديد من الموهوبين والعباقرة والأذكياء يعتقدون أنّهم ليسوا كذلك؛ لأنّ مجالات نبوغهم لم تكن ذات قيمة في النظام الدراسي.

من الحريّ بنا إعادة التفكير في نظرتنا نحو الذكاء؛ هنالك ثلاثة أمور حول الذكاء. الأوّل: الذكاء متنوّع؛ نحن نخبر العالم بصريًا، وسمعيًا، وحركيًّا، وبشكل مجرّد. ثانيًا: الذكاء ديناميكي: بتفاعل أجزاء الدماغ البشري بشكل رائع، والذكاء والإبداع هو حصيلة لهذا التفاعل بين طرق متنوّعة لرؤية ومعالجة الأمور.

الأمر الثالث بالنسبة للذكاء هو أنّ: الذكاء بارز وظاهر وجليّ. فبمتابعة الأشخاص الذين اكتشفوا مواهبهم وكيف اكتشفوها يتبيّن لنا في نهاية المطاف أنّه كانت هنالك مجالات بحدّ ذاتها بارزة وتثير اهتمامهم أكثر ممّا سواها، بعضهم يمكن أن ينمّيها ويطوّرها ويصل بها إلى أبعد حدّ، بينما يقبع البعض الآخر في مكانه أو توصف لها وصفة علاج لأنّ ذكاءه ومواهبه لم تتوافق مع النظام المدرسي.

يتحقق أملنا الوحيد في المستقبل بتبنينا لنظرة جديدة للطاقة البشرية، من حيث ثرائها وتنوّعها، علينا أن نعيد التفكير في المبادئ الأساسية التي يقوم عليها التعليم الحالي لأبنائنا، علينا أن نتنبّه لثراء القدرات الإبداعية لهم وكيف نستثمر كلّ ذلك في إعدادهم لمواجهة مستقبلهم.

2) من أجل ثورة تعليمية

هنالك أزمة موارد بشرية، فمعظمنا لا يستفيد جيّدًا من مواهبه، تمضي الحياة بالكثير من الناس دون أدنى معرفة منهم بالمواهب التي يمتلكونها، ويوجد الكثير من الناس كذلك يعتقدون أنّهم لا يصلحون لعمل شيء.

من الناس من لا يستمتع بما يقوم به، ويتحمّل ما عليه القيام به عوض أن يستمتع به. ومنهم كذلك من يحبّ عمله ولا يستطيع تخيّل القيام بأيّ شيء آخر، عملهم هو جزء لا يتجزّأ من ذواتهم ويعبّر عن ذواتهم الحقيقية، وهذه أقلية من الناس.

لهذه التقسيمات عدة أسباب، أوّلها: التعليم، فالموارد البشرية مثل الموارد الطبيعية تكون مدفونة في الأعماق، عليك أن تحفر بعمق كي تستخرجها، عليك أن تخلق الظروف التي تظهر هذه المواهب، وهذه وظيفة أساسية للتعليم، بينما التعليم الحالي لا يقوم بذلك.

التعليم الحالي عبر العالم يمرّ بالعديد من محاولات التقويم، لكنّ ما يحتاجه هو ليس التطوّر (evolution) بل الثورة (revolution)، يحتاج إلى ابتكار من الأساس، والابتكار شيء صعب إذ هو يعني تحدّي ما نراه مسلّمًا به والأمور التي نعتقد أنّها واضحة.

أصبحنا مهووسين بإدخال الناس في الكلية التي تعتبر الهدف الرئيسي من نظام التعليم الحالي، ليس على كل الناس الذهاب إلى الكلية، وليس عليهم الذهاب الآن، ربما عليهم الذهاب في وقت لاحق.

المجتمعات البشرية تقوم على مجموعة متنوّعة من المواهب وليس على مفهوم واحد عن القدرة، وعلينا إعادة التفكير في مفهوم القدرة والذكاء. لقد تمّ بناء الأنظمة التعليمية على غرار الوجبات السريعة حيث كلّ شيء موحّد وهذا ما يفقر طاقاتنا وأرواحنا كما تقوم الوجبات السريعة بإبادة أجسادنا.

المواهب البشرية متعددة، وكذلك مسألة الشغف وما يثير أرواحنا وطاقاتنا، فعندما تقوم بفعل شيء تحبّه بشغف، يكون للزمن حساب مختلف، فتشعر كأنّ الساعة هي بمثابة خمس دقائق والعكس صحيح. والتعليم الحالي لا يغذّي هذه الطاقات وهذا الشغف.

علينا أن ننتقل من النموذج المصنّع للتعليم الذي يقوم على مفهوم الخط المستقيم (مراحل دراسية تنتهي بالدخول إلى الكلية على شكل خط مستقيم) وتقسيم الناس، علينا أن نذهب إلى نموذج يستند إلى مبادئ الزراعة، فعميلة ازدهار الإنسانية ليست عملية ميكانيكية بل عملية عضوية، فكما يفعل الفلاح، على النظام التعليمي أن يقوم بخلق ظروف تسمح ببدء الازدهار، فالأمر يقوم على تخصيص التعليم ومناسبته لظروف المتعلّمين.

تشجيع إنشاء حركة جديدة في التعليم حيث تمكّن الناس من إيجاد حلول خاصة بهم مع الدعم الأساسي المبني على منهج متخصص حيث بإمكان كل مدرسة أن يصبح لها غد مزدهر.

3) كيف يمكن أن نتحرّر من وادي الموت التربوي؟

توجد ثلاثة مبادئ تساهم في ازدهار حياة الإنسان وهي تتناقض مع ثقافة التعليم الحالية:

– المبدأ الأول: البشر متنوعون ومختلفون بطبيعتهم فالإخوة من رحم واحد تجد لكل منهم شخصية مستقلة ومختلفة، والتعليم الحالي لا يرتكز على التنوع بل على المطابقة. أحد آثار التعليم الحالي هو التركيز على تخصصات بعينها كالعلوم والرياضيات على أهميتها لكنها لا تكفي، لكن التعليم الحقيقي هو التعليم الذي يعطي أهمية متكافئة ومتوازنة كذلك للفنون والعلوم الإنسانية والبدنية.

الكثير من التلاميذ (المضطربين) في المدارس يتمّ تشخيص حالتهم تحت عنوان: اضطراب نقص الانتباه أو فرط النشاط ونقص الانتباه. هذا لا يعني تجاهل مثل هذه الحالات لكن أن يكون الاضطراب وباء يوصف به معظم الأطفال، فثمة خلل ما. إذا أجلست التلاميذ في القسم ساعة بعد ساعة لحل الواجبات فهم في النهاية لا يعانون من فرط النشاط ونقص الانتباه بل هم يعانون من الطفولة، وكل من مرّ بمرحلة الطفولة يعي جيّدًا هذا.

الأطفال يزدهرون بشكل أفضل في ظل منهج تعليمي واسع يحتفي بمواهبهم المختلفة.

– المبدأ الثاني الذي يدفع بازدهار الحياة البشرية هو: الفضول، إذا استطعت إضاءة شرارة الفضول في طفل فسوف يتعلّم دون أية مساعدة إضافية، الأطفال مجبولون على التعلّم؛ الإنجاز الحقيقي في التعليم هو إخراج تلك المقدرة الخاصة فيهم، إذ الفضول هو محرّك الإنجاز. فالمعلّمون الذين يصلون إلى هذا الإنجاز هم شريان الحياة لنجاح مدارسهم والتعليم مهنة إبداعية، هو ليس نظام تلقين، المعلمون العظام يقومون بالتلقين لكنهم يقومون كذلك بالإرشاد والإثارة والتوجيه والمشاركة، فهدف التعليم في النهاية هو التعلّم وجعل الناس تتعلّم، ودور المعلّم يتلخّص في تيسير التعلّم وهذا كلّ شيء.

لكنّ الثقافة التعليمية المهيمنة لا تركّز على التدريس والتعليم، بل هي تركّز على الاختبار. الاختبارات مهمّة لكنها لا ينبغي أن تكون الثقافة المهيمنة في التعليم، ينبغي أن تكون تشخيصية ومساعدة. وينبغي أن تدعم التعلّم لا أن تعيقه.

من هذا ينتج لنا عوض الفضول؛ ثقافة الامتثال التي لا تشجّع الأطفال على إثارة قوة الخيال والفضول لديهم.

– المبدأ الثالث: الحياة البشرية بطبيعتها إبداعية، إنها السبب في كوننا نمتلك سيرًا ذاتية مختلفة، نحن نخلق حياتنا ويمكن أن نعيد إنشاءها ونحن نمضي خلالها، إنها العملة المشتركة بين بني البشر، ولهذا السبب نجد أنّ الثقافات الإنسانية متنوعة ومثيرة للاهتمام ومفعمة بالحيوية مقارنة بعالم الحيوانات. نحن نخلق حياتنا الخاصة من خلال هذه العملية التي لا تهدأ من تخيّل البدائل والاحتمالات وأحد أدوار التعليم الرئيسية هو إيقاظ هذه القوى من الإبداع. بدلًا من ذلك لدينا ثقافة توحيد التدريس والاختبارات.

فنلندا كنموذج تأتي في المراتب الأولى عالميًا بالنسبة للرياضيات والعلوم والقراءة، لكن لا يتركون هذه المجالات تستحوذ، بل المجالات الأخرى لها نفس القدر من الاهتمام، ولا يوجد اختبار قياسي موحّد في فنلندا، ربما يوجد القليل لكن ليس السبب لجعل الناس يستيقظون باكرًا وليس عندهم مشكلة الانقطاع الدراسي.

ما يفعلونه في التعليم هو كالآتي: يجعلون التعلّم فرديًّا، يقرّون بأنّ التلاميذ هم من يتعلّم، وأنّ على النظام أن يشركهم ويشرك فضولهم وتميّزهم وإبداعهم، بهذه الطريقة يحفّزونهم للتعلّم. وهم كذلك يولون أهمية كبيرة لمهنة التعليم بانتقاء أفضل الناس لهذه المهنة وتكوينهم باستمرار. والأمر الثالث هو: تطوير حسّ المسؤولية لدى المدارس لتقوم بمهمتها على أكمل وجه دون اللجوء إلى أوامر تصدر من سلطة عليا لا علاقة لها بالمدرسة والمدرسين والتلاميذ، لأنّ التعليم نظام إنساني محوره الأفراد.

– كل تلميذ ينقطع عن المدرسة لديه سبب:

ربما قد وجد المدرسة مملة، أو غير ذات صلة، أو مخالفة للحياة التي يعيشها خارج المدرسة… وأسباب أخرى لكن القصة تبقى دائمًا واحدة.

في الأخير يشبّه كِن روبنسون هذه الأنظمة التعليمية التي تعجز عن احتواء طاقات الإنسان وتنوعه وتعجز كذلك عن توفير جوّ من المتعة لا يمكن الانفكاك عنه؛ يشبّهها بوادي الموت، الذي يوجد بأمريكا، هو وادٍ قاحل لا حياة به بسبب الحرارة الشديدة والجفاف الذي يكسوه. لكنه في شتاء 2004 نزلت أمطار غزيرة به، ثمّ بعد مدة افتُرشت أرضية الوادي الميّت بالزهور، هذا يعني أنّ وادي الموت ليس بميّت بل كان في سبات، وتحت سطحه مباشرة كانت هنالك بذور الممكن تنتظر الظروف الملائمة للنموّ والازدهار وهذا ما يمكن أن يحدث بالضبط للمدارس والأنظمة الجرداء إذا ما توفرت لها الظروف الملائمة ستزهر وستزدهر.

يقول ألبرت أينشتاين: «كل إنسان عبقري. ولكننا إذا حكمنا على عبقرية سمكة عن طريق قدرتها على تسلّق شجرة، فستظل السمكة طيلة حياتها معتقدة أنها غبية».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد