المجتمع الجزائري اليوم يمر بخاض عسير جدًا يتمظهر في تحولات تلامس أبعادًا عدة إلا أن الذي يعنينا في المقال بحول الله التغير الذي طرأ داخل منظومة القيم التي توجه سلوكه فما كان عيبًا أو قلة مروءة في الماضي القريب أصبح أمرًا مستساغًا وعاديًا جدًا زاد من حدة هذه التحولات السلبية سياسة كسر التابوهات داخل الفضاء الإعلامي الخاص الذي طرأ جديدًا في المشهد الجزائري.

فعلًا الأحداث تتسارع وحال التربية في المجتمع الجزائري تحتاج اليوم إلى سياسة جديدة تحاول تدارك الأخطار التي تهدد الكينونة الذاتية الوطنية. طبعًا هذا الكلام ليس مبالغة وليس جلدًا للذات بل على العكس هو دق لناقوس جديد للخطر سبق بنواقيس كثيرة جدًا ومحاولة إعادة بوصلة التربية في البلد إلى قبلتها الأصلية بعد أن غلب عليها النزاع المطلبي وهو أمر محق وبعد أن تحولت ساحة لتصفية الحسابات السياسوية وهو أمر ينبغي تحييد المشهد التربوي عنه.

إني أحاول في هذا المقال إن شاء المولى تبارك وتعالى أن أستمد نموذجًا ناجحًا إلى حد ما. يلمسه كل من خبر حال التربية في مجتمعنا الجزائري إنه النموذج الميزابي. فالمكون الميزابي الكريم داخل المجتمع الجزائري يتميز بالحرص الشديد على الحفاظ على البعد الأصالي المتمظهر في اللباس التقليدي الميزابي بين أبنائه عكس بقية الشرائح التي تجد في ناشئتها ميولًا إلى التمظهر بمظهر السائد الحضاري الغربي، أضف إليه شيئًا من الثقافة الدينية المتوسطة أو الممتازة في بعض الأحيان عكس بعض الناشئة من الشرائح الأخرى التي تجد أنها تفتقد إلى معلومات تعد من ضروريات الدين. كذا إن السلوك الراقي في ناشئة المكون الميزابي ظاهر فضلًا عن المستوى الممتاز في التحصيل المعرفي.

هذا الكلام ليس من قبيل المبالغة بل هي حقيقة يمكن لأي معالج للشأن التربوي في الوطن لحظها على اختلاف الأطوار من الابتدائي إلى الإعدادي إلى الثانوي وصولًا للمستوى الجامعي. والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو السر الذي استطاع الإخوة الميزابية صناعة نموذجهم التربوي الناجح من خلاله وسط ركام الفشل الذي نعاني منه في مشهدنا التربوي الجزائري.

أولًا/ المكون الميزابي ذو بعد خاص في الجزائر فهو مكون يتميز مذهبيًا عن عموم المجتمع ببعده الإباضي حيث إن التاريخ يشهد أن سقوط دولة الرستميين الإباضية في الجزائر عام 269هـ بسقوط وتدمير عاصمتها تيهارت على يد الداعية أبي عبد الله الشيعي فخرج غالب الرستميين الإباضية إلى وادي ميزاب في منطقة غرداية جنوب الجزائر واستقروا هناك وفي تلك الفترة تميز مجتمعهم بشيء من الإدراة الذاتية حيث أنشئت ما تعرف وطنيًا بمجالس العزابة، وهي أشبه بلجان تضم شيوخ الأحياء وأعيانهم في وادي ميزاب هدفها فض الخصومات وعقد القران وغير ذلك من تنظيم أمور المجتمع الميزابي وهكذا تكونت في ظل تلك الفترة نزعة الذاتية التي حافظ عليها الميزابيون حتى أيام الاستعمار الفرنسي.

ثانيًا/ تطوير اقتصاد محلي عبر تدوير الأموال داخل المجتمع الميزابي عن طريق احتراف التجارة والتميز فيها والصناعات المختلفة واحتراف الزراعة في منطقة وادي ميزاب والتي تكثر فيها الواحات، وهكذا تكونت خلال القرون المنصرمة من استقرار الميزابيين ثروة ضخمة لها دور كبير جدًا في صناعة النموذج التربوي الناجح الذي نعالجه في مقالنا حيث إن رؤوس الأموال الميزابية تنفق بسخاء جدًا على المشاريع التربوية التي سنفصلها في المقال بحول الله.

ثالثًا/ التربية لا يمكن أن تتجرد من الثقافة الذاتية لأي مجتمع وهذا ما تفطن له الإخوة الميزابيون بذكاء شديد حيث حافظ المجتمع الميزابي على لباسهم التقليدي المتمثل في السروال العربي والقبعة البيضاء التي تعتمر على الرأس والتي يطلق عليها في الدارجة (العراقية أو الشاشية) كذا الحفاظ على اللهجة الميزابية والتي هي فرع من فروع الأمازيغية بينما حافظت المرأة الميزابية على لباس (الحايك) و(العجار) الذي يعتبر مطابقًا للمقاييس الشرعية بالنسبة للباس المرأة لكنه بنكهة جزائرية. إلا أن الملاحظ أن هذا اللباس والحال هنا (الحايك) تراجع في عدة مناطق من الجزائر إلا أنه بقي مشاهدًا محافظًا على وجوده في منطقة وادي ميزاب ولك أن تتخيل أيها القارئ الكريم هذا النمط من البيئة الأصالية كيف تؤثر في لاوعي الطفل الميزابي خصوصًا إن علمنا أن القيم ونمط التفكير المؤثر على السلوك يتكون في المراحل العمرية المتقدمة.

رابعًا/ التشبع بالثقافة الشرعية فغالب أولاد الميزابيين يحفظون أقساطًا متقدمة من القرآن الكريم والكثير منهم يختمه ويستظهره بينما غالبهم يضبط أحكام الصلاة والطهارة والصوم قبل سن البلوغ وهذا راجع لاهتمام الأسرة الميزابية بالثقافة الدينية وتربية أولادها على فقه المعلوم من الدين ضرورة، فلا يواجه الشاب في مراحل متقدمة إشكاليات فيما يتعلق ببعده الروحي وبشيء من المقارنة البسيطة تجد أن شريحة الشباب الميزابي تقل فيها نسبة تعاطي المخدرات أو الإجرام أو العلاقات المحرمة مقارنة مع بقية الشرائح الأخرى بسبب أن تلك الثقافة الشرعية تعمل عملها في التحصين الذاتي للشاب في المستقبل بأثر رجعي دون وعي منه.

خامسًا/ الانتقال من النظري إلى العملي حيث غالب أبناء الميزابية يشتغلون أوقات فراغهم مع أوليائهم في الواحات أو المتاجر فالفتى الميزابي يتعلم معالجة واقعه في شعاب الحياة في وقت مبكر قبل ولوجه ميدان العمل وهذا أكبر عامل لرشده والنضوج المبكر أكبر ملامح الناشئة الميزابية.

سادسًا/ العمل الكشفي والنشاط الجمعوي فتجد أن الفروع الكشفية والجمعيات الشبانية تنتشر كثيرًا في منطقة وادي ميزاب وغالب كوادرها هم من الإخوة الميزابيين فتؤمن تلك المجالات الحيوية للفتى والفتاة الميزابية نفس النمط الذي تربى عليه في أسرته ثم مدرسته فيما بعد وعليه فإن الناشئة لا تعاني من ازدواجية بين نظام الأسرة والقيم التي تلقاها هناك وواقعه الذي يعالجه في المدرسة أو الجمعية أو المسجد أو العمل، وهكذا يسعى الميزابيون للحفاظ على قدر من التناسق في نمط الحياة والذي يساعد على عدم اهتزاز الشخصية الذي يعاني منه كثير من الناشئة الجزائريين اليوم بسبب قوة النمط الغربي المفروض عليهم حتى في أدق تفاصيل حياتهم.

سابعًا/ وأخيرًا ربما يكون أهم شيء في المقال التجاءهم إلى فكرة المدارس الخاصة فغالب الأسر الميزابية ميسورة ونظامها الاقتصادي الذاتي يؤهلها للاستغلال الأمثل وحال المدرسة الجزائرية الحكومية اليوم سيئ ومتردٍّ جدًا، ولأن الأب والأم الميزابيين لا يفكران في التحصيل المعرفي إلا بقدر ما يفكران في ما سيتلقاه الابن أو البنت من قيم ستؤثر على سلوكه المستقبلي فتجد أنهما يصرفان الأبناء إلى المدارس الخاصة والتي يديرها ميزابيون أيضًا فيعملون على تنشئتهم التنشئة المطلوبة، فغالب تلك المدارس تتبع نظامًا تربويًا صارمًا يوجه ويرشد السلوك ويغرس القيم قبل التلقي العلمي والذي هو أيضًا نظام ممتاز، وهكذا نجد أن التميز الذي استطاع الإخوة الميزابيون تكوينه أهَّلهم لصناعة نموذج ناجح إلى حد كبير جدًا مقارنة مع النماذج التربوية السيئة الأخرى.

ينبغي على المهتمين بالشأن التربوي في الوطن الاستمداد من النموذج الميزابي الإباضي خصوصًا في هذا الفترة التي يتم فيها إعادة المناهج التي ترسم نموذجًا حداثيًا غربيًا منفصلًا عن أصالته ومعرفة أفضل الطرق الممكنة والمتاحة للالتفاف على هذه الخطة التي تريد سلخ أبنائنا عن هويتهم ودينهم قبل أن تفرغ مناهجهم من القيمة المعرفية التي يحتاجونها في مستقبلهم، والله الموفق والمستعان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد