في الجزئين الأول والثاني قد ناقشنا بعض الأمور الهامة، وأعتذر إن كنت قد بدوت هجوميًا؛ فهجومي ليس على أشخاصكم بذاتها، وإنما على أفعال نقوم بها عسى أن ننفضها عنا ونغيرها، فكلامي نابع من شعوري وشعوركم بالرغبة في مساعدة الأبناء وتكوين أسرة ذات حال أفضل.

في هذا الجزء سوف أبدأ بـ«لا»، تلك الكلمة البالغة الأهمية في التربية تنقسم لجزئين شديدي الأهمية.

هل نحن نُعلم أبناءنا أنهم لهم الحق في كلمة «لا»؟ في أن يرفضوا في أن يكون لهم أولويات فوق ما يُطلب منهم في أنهم لهم حياة خاصة.

في أن الناس عمومًا من حقها أن تقول كلمة «لا»؟

لا أقول لك أن تُعلمه رفض طلبات أهله، وعدم المساعدة والتكبر، وإنما تعلمه أن من حقه ومن حق الجميع الرفض عندما يتعلق الأمر بحياتهم الخاصة.

ما أهمية ذاك الأمر؟

حسنا أعتقد أنك لاحظت أنى أحب قص القصص القصيرة؛ لذا دعني أقص عليك قصة بسيطة: في يوم من الأيام تقدمت لخطبة إحداهن، وكانت إجابتها القاطعة «لا»، وقد أخبرت به صديقًا لي، فقال لي: هل تعتقد أنه من حقها أن تخبرك «لا»؟، أجل عزيزي القارئ إذ لم أخرج من بيت يعلمني أنه من حقي ومن حق الآخرين الرفض، فلن أتفهم حقًا حق تلك الفتاة في رفضي، وحق صديقي في رفضه الخروج للعب لأنه مشغول، وحق صديقي في رفض طعام أهديته إليه لأنه مريض، على الجميع أن يخلقوا مبررات لكي يرفضوا، ثم مع ذلك سوف أشعر بغصة في صدري نتيجة رفضهم، بل قد أكرههم، وقد أقطع صداقات وأكره إخوتي لمجرد أنهم أخبروني بـ«لا»، قد أتعمد أذية تلك الفتاة لأنها رفضتني، كما نرى ونسمع في كثير من الأحيان.

 

حسنا هذه «لا» الأولى دعونا نتحدث عن «لا» الثانية..

هل تُكثر من رفض طلبات ابنك؟ هل أكثر ما يسمعه هو «لا»؟  في الحقيقة إن هذا الأمر يولد لدى الابن الكثير من الاضطرابات النفسية والتساؤلات: «هل أنا سيئ؟ هل يكرهني؟ ماذا عليّ أن أفعل؟، بل وقد يضطره للكثير من السلوكيات السيئة كالسرقة في حالة رفض الأمور المادية، كما أنه يجعله سريع الغضب ذا طابع حاد، وفي بعض الحالات يؤدى به إلى ضعف الثقة بالنفس، أو خشية طلب حقوقه من الآخرين في العمل في بيته وأسرته من بعد، وبين أصدقائه خشية أن يتعرض للرفض؛ لذا علينا أن نراعي الاعتدال في توفير احتياجات الابن مع عدم الإسراف في التدليل والعدل، أو المساواة بين الإخوة.

والآن هناك شيء كثيرًا ما أراه، وكثيرًا ما يحرق قلبي، فأرى ابنًا، بل والله رأيت طفلةً ذات مرة تأخرت أمام البيت قليلًا، فأغلقت أمها البيت في وجهها، والفتاة تبكي أمام باب البيت بالخارج، راجيةً إياها أن تفتح لها الباب، والأم تصر أن تبيت الفتاة في الشارع، وكثيرًا ما رأيت هذا الموقف وأعرف أن أغلب الآباء يفعلونه بداعي عقاب الابن قليلًا من الدقائق قبل فتح الباب لابنه، والموقف الآخر هو أن يخبر الوالد ولده في سن لا يستطيع فيها ذلك، أن يوفر لنفسه طعامه وشربه وسكنه، لا لحاجة الوالد للمال أو لضعف حال الأسرة المادية لذلك، ولكن باعتباره نوعًا من عقاب الابن أو البنت على بعض الأفعال.

والآن دعوني أناقش هذه الأمور أخبرني بالله عليك أي الأماكن هي أكثر أمنًا للإنسان؟ أليس البيت، حيث يشعر بالأمن والدفء الداخلي؟ وما هو أساس حياة الإنسان؟ أليس الطعام والمشرب والملبس والمأوى؟ والآن أخبرني ماذا ستشعر إن كنت مهددًا بفقدان كل هذه الأشياء، كيف سيكون شعورك؟ في الحقيقة إن هذا ما يولد بالأساس الرغبة بداخل الأبناء في إيجاد مصدر دخل في وقت مبكر، وفي ترك أسرتهم، ثم إنه ما يولد قسوة لدى الأولاد في التعامل مع بعضهم ومع أهاليهم، بالإضافة إلى أنه يشعل كراهية غريبة في قلوبهم، قد تتغلب على الحب الفطري للأهل، وتولد صراعات نفسية داخلية مهلكة ومرهقة للبدن والروح، لا أعتقد حقًا أن أحدًا منا يرغب بأن يتركه طفله، أو يغادر، أو يتمنى موت طفله حقًا؛ لذا أدعوكم أن تحسنوا معاملة أبنائكم بما هو أكثر من ذلك يا سادة.

 

وقبل أن أنتهي هناك شيء أود الاستفسار عنه: هل تعزلان أبناءكما عن مشاكلكما؟

في الحقيقة أن ينشأ الابن في بيت ممتلئ بالمشاكل، وأن يشاهد المشاكل بين الوالدين فإن ذلك يصيبه بالإحباط، والنفور من البيت، والتجمعات الأسرية، كما أنه يشعر بشيء من الذنب، لعدم قدرته على حل المشكلة، وهو شعور خاطئ بالطبع؛ فالابن ليس لديه ما يكفي من خبرات الحياة لحل مشكلات الوالدين، ليس هذا وفقط، ولكنه يشوه صورة الوالدين في نظره؛ مما يصعب عليه تقبل النصح والإرشاد منهما، ويبدأ بالبحث عن قدوة خارج أسوار البيت، وقد يقلل من رغبته في الجلوس وسط جماعات من الناس، كما أنه يصيبه بالنفور من الحياة الأسرية، والزواج مستقبلًا، ويؤثِّر على نفسية الطفل بالسلب، حيث إنه يجعل الأطفال أكثر حساسية وضيقًا، وغير قادرين على ضبط انفعالاتهم، كما أنه إذا تضمنت المشكلة بين الوالدين أي سلوكيات عدائية، فإن الأطفال يحملون هذه الممارسات العنيفة مستقبلًا إلى حياتهم الأسرية، كما أن علماء النفس المختصون أكدوا: أن مثل هذه الخلافات تؤدي إلى مشاكل نفسية لدى الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة. ومن هذه المشاكل التبول اللاإرادي، اضطرابات بالنطق مثل (التأتأة)، والقلق والفزع الدائم، وضعف الشخصية، والخجل الزائد، العدوانية كونه يتقمص سلوكيات الوالدين السلبية، ويصبح شخصًا منسحبًا اجتماعيًا، وفي المراحل الدراسية تؤثر هذه المشاكل على التحصيل الدراسي، وتقود إلى التسرب من المدارس، والعدوانية، وسلوكيات سلبية مثل السرقة والخجل والخوف والانسحاب والانطوائية. أما في مرحلة الشباب فينسحب سلوك الوالدين على الأسرة، فيطبق الشاب مفاهيم أسرية خاطئة اكتسبها من عائلته مثل العنف وعدم الاحترام؛ لذا ينصح بأن يُعزل الأبناء عن المشكلات بين الوالدين قدر المستطاع، وحلها في غرف مغلقة خاصة تلك التى تخرج عن استيعاب الأبناء، مع إشراكهم فيما قد تستوعبه عقولهم كالمشكلات المادية لتوليد شعور المسؤولية بداخلهم.

في الحقيقة مهما تحدثت في هذا الأمر فلن أوفيه حقه، فتربية الأبناء هي أمر عظيم، ومسؤولية وأمانة كبيرة، نحاول ونجتهد فيها قدر المستطاع راجين أن نوفق للخير.

 

ختامًا أريد أن أنصح كل من هو مقبل على الزواج وبخاصة من خضع لنوع التربية السابق، فتى كان أو فتاة أن يخضع لإعادة تأهيل تربوي قبل الإقبال على الإنجاب، بل قبل الإقبال على الزواج إن استطاع؛ لأنه في الحقيقة وإن أقنعت نفسك بأنك سوف تستخدم أساليب تربوية مختلفة، فليس الأمر كله أنك لا تدري هل أساليبك المختلفة صحيحة أم خاطئة؟ بل أنك أيضًا لا تضمن أنه في عقلك الباطن قد تثبت أسلوب تربية واحد ألا وهو ما شهدته أنت، حتى وإن كنت كرهت هذا الأسلوب أو نبذته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التربية
عرض التعليقات
تحميل المزيد