أخبار يومية متفرقة:
1- طالب في الثانوية العامة يكتشف خطأ نسبية آينشتاين ويتم تكريمه بمبلغ 200 ج.

 

2- مستشار وزير الكهرباء يقول لمذيعة على الهواء: ليس من حق زويل أن يتحدث عن ترشيد الاستهلاك في الكهرباء. فمعه نوبل في الكيمياء وليس في الكهرباء، وأنا معي نوبل مثله فهل أستطيع التحدث في الكيمياء؟ ترد المذيعة ببساطة: سنة كم حصلت حضرتك على جائزة نوبل؟ فيرد الدكتور الفاضل بنبرة أبسط وأكثر ثقة: 2005.

3- عميد اقتصاد منزلي المنوفية يعلن عن إنتاج فص كبدي صناعي.

 

4- وزارة التربية والتعليم تعلن بدء الدراسة بدون مواد دراسية لمدة أسبوعين لحين الانتهاء من المناهج الجديدة وطباعة الكتب.

***

إذا كان رد فعلك الأوَّلي هو التعاطي مع تلك الأخبار بطريقة “ولِمَ لا؟”، “مصر بلد المبدعين” فلا تكمل هذا المقال.

 

رغم أن نشأة الجامعات في مصر قديمة قدم الأزهر الشريف؛ إلا أن المؤسسات التعليمية بشكلها الحالي قد ظهرت مع مشروع محمد علي التوسعي في مصر.

 

الرؤية القومية للتاريخ تتحدث عن مشروع تنموي رائد لنهضة مصر الحديثة – الذي تزامن ظهوره مع إعادة اكتشاف المصريين لذواتهم المصرية القومية – أنشأ فيه الباشا مدارس الطب والمهندس خانة وغيرها كي تفجر الأمة “المصرية” طاقاتها المدفونة في التراب العثماني. إلى آخر تلك الرؤية التي تتبناها كل المناهج الدراسية بمختلف المراحل التعليمية الحكومية والخاصة. بينما الواقع يشير إلى أن تلك المدارس تم إنشاؤها بغرض خدمة جيش الباشا وبالتبعية جهاز دولته البيروقراطي الذي ظهر كنتيجة لنظام التجنيد الإجباري الذي ظهر في هذا الوقت.

 

خلال حقبة محمد علي وعائلته كانت المؤسسات التعليمية تتمتع بقدر مقبول من الاستقلال وفقا لمقاييس ذلك العصر؛ ظهرت الجامعات الأهلية وتنوعت مستويات التعليم إلى درجة ممتازة لبلد يحكمها الاحتلال في ذلك الوقت. ولكن مع وصول عبد الناصر إلى رأس السلطة في مصر كان الهدف – ستاليني الطابع – احتكار الدولة لكل مصادر المعرفة والإعلام وقولبة وإنتاج أجيال مصبوبة في أساطير مجتمعية وتاريخية وسياسية ودينية، ولم يكن هناك مكان أفضل من المدرسة لإتمام هذا المسخ الفكري الذي مازلنا نعاني من آثاره حتى الآن.

 

وهنا كان أمام المؤسسات التعليمية تحدٍ مفصلي؛ هل ستصبح مؤسسات معرفية وبحثية؟ أم ستكتفي بدورها السياسي لقولبة أجيال تصب في المشروع السلطوي للدولة باختلاف ميول حكامها؟

 

والواقع أيضا يقول أن تلك المؤسسات قد مُسخت تمامًا في دورها التربوي والتعليمي لصالح دورها السياسي. وبنظرة سريعة إلى محتوى الكتب ستدرك الأزمة المعرفية ومنظمة الضحالة التي تنتجها الآلة التعليمية المصرية¹، وبنظرة إلى الأخبار المذكورة في أول المقال ستلمس بنفسك عينة من نتاج تلك المؤسسات التي تعدل مناهجها الدراسية وفقًا لمن يملك الحكومة!

 

السؤال هنا: كيف تستطيع إيجاد منظمة تعليم مستقلة في دولة سلطوية حتى النخاع؟

 

في الغالب الإجابة مريرة. فتراث نضال استقلال الجامعات في عصر مبارك قد تبعثر تماما نتيجة العمى الأيدولوجي المسيطر على الساحة السياسية حاليا، ليس الجامعات فقط ولكن الأمر شمل النقابات أيضا. كل شيء تحطم في نزوة فاجرة لصناع القرار السياسي. ولكن التعامل مع المعادلة التعليمية بقصرها على المدارس والجامعات سيُميل الكفة بالطبع لمصلحة الدولة ورؤيتها الأحادية التعليمية.

 

في حين أن اعتبار الفضاء الإلكتروني طرف في المعادلة قد يقلل من آثار التعليم الحكومي المدمرة على الفرد، رغم قلة الموارد المالية وانهيار البحث العلمي لدرجة وصوله لمشروعات الكفتة. ولكن البدايات الموجودة بترجمة محاضرات جامعة ماساشوستس على موقع اليوتيوب كما في قناة شمس المعرفة²، رغم كونها بدايات خجولة لكنها مهمة. توجد أيضا أكاديمية التحرير التي قد تصبح خان أكاديمي أخرى.

 

الأمثلة السابقة هي بداية طريق طويل، لكنه يسير على التوازي مع استقلال التعليم عن المنظمة السياسية للدولة السلطوية طويلة الأذرع لا يستطيع على المدى القريب أن يحل محلها، ورغم ضيق الأفق السياسي الحالي وقصر الرؤية على مكاسب تنظيمية سواء تنظيمات تنتمي للدولة أو خارجة عليها لكن – مع ضحك كالبكا – يجب استقلال معركة استقلال الجامعات – والتعليم ككل – عن أي تيار سياسي يُسقِط المعركة بمجرد وصوله لقصر الاتحادية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد