لو جَلبنا المناهج المدرسية الفلندية أو الكندية، لتدريسِ طلاب الأردن – قلت المناهج ولم أقل الكتب المدرسية – أينعكس ذلك على الطلبة، ويوسع مداركهم، وإمكانيات تحصيلهم، أم أن المناهج لا يمكن القياس عليها، لكونها مُرتبطة بعنصرٍ أساسٍ سابقٍ عليها، يتعلقُ بِطرائقِ إعداد المدرسين في الجامعات ووسائل التدريسِ.

 

لا شك، الجميع أمام معضلة حقيقية، تتعلق بالنهج لا بالمنهج، بذا انتفضت الملكة وقرعت جرس الإنذار وتبنت المبادرة الوطنية للموارد البشرية، إذ ركزت على إحصائياتٍ تُظهر انهيار المنظومةِ التَعليمةِ، وهو ما يتطلب العمل على إصلاحها قبل فوات الأوان، لكن هذا لا يعني أن الملكة متخصصة في التربية والتعليم !

 

في الحقيقة ثمة فارق بين ما قالته، وتعمل من أجله الملكة، وما يطرحه وزير التربية والتعليم الحالي، بل يمكن القول إن قرارات الوزير انقلاب حقيقي على المبادرة التي حظيت برعاية واهتمام ملكي.

فهل فعليًا عملت وزارة التربية والتعليم على تغيير المناهج أم غيرت الكتاب المدرسي، بحيث تحول مشروعها إلى حفرة انهدام، جرت الشعب صوبها، وأخرجتها من إطارها التعليمي التربوي إلى مستنقعات السياسة؟

 

تَستطيُع وزارةُ التربيةِ والتعليم طرحِ مناهجٍ جديدةٍ مُشابهةٍ لتلكَ المُعتمدة في الغربِ، لكنْ من الاستحالةِ أن تكون النتائجُ مشابهةً لها، بقدرِ ما هي مختلفةٌ وسلبية، لرُبما لأن النتائج تَقفُ عِندَ السلبيات، ولكَون المُشكلة لا تنَحصُر في عنصريِ الَعمليةِ التربويةِ، المعلم والطالب، بل تمتد إلى الأسر التي تخلت عن دورها الحقيقي الَبناء في العمليةِ التربويةِ !

 

نعم، تَستطيع وزارة التربية والتعليم قيادة صِدامٍ حقيقيٍ مع منظومةِ القيمِ المُجتمعيةِ السَائدةٍ، لكنها لن تَقوى على تَخطيها

ِ

وزيرُ التربيةِ والتعليمِ أبدع في إيجادِ المَبررات لإثباتَ صِحة الأسبابِ الداعيةِ لتشويه «الدروس» وحصرها في دائرة الحذف والإضافة الخاص بكتب الثقافة الإسلامية واللغة العربية، دون تغيير المناهج كلها، ودون أن تقترب من المواد العلمية أو الثقافية أو الأدبية التي أكل عليها الدهر وشرب ولم تعد تتناسب وعقلية الطالب، أيقدر الطالب على البحث عن آخر مستجدات علم الفلك أو الفيزياء مثلاً؟ هل تتم صناعة عقل ناقد مبدع للطالب، يسأل دون خوف أو رعب !

 

الطرح هنا ليس علمانيًا بل واقعًا يحتاجه الطالب، يتطلب دراسة حقيقية، تعتمد على ما يريده الطالب قبل أي شيء، لا ما تريده الوزارة، بواسطة استطلاعات حيادية علمية، دون الاعتماد على أساليب الإرهاب التي يرفعها الوزير بوجه كل من لا يتوافق مع قراراته.

 

كنا نتمنى أن تلتفت اللجان إلى تعديل مناهج العلومِ والرياضياتِ والكيمياء والفيزياء، واستبدالها بما يوافق العصر من تطورٍ وتقدمٍ علميٍ، لا حصر هرولتها في الموادِ الدينيةِ واللغوية التي تبني هوية الطالب، باعتبارها تربة خصبة لإنِتاج الإرهابِ والتطرف وعدِم احترام الآخر، وتُسهمُ في تنشئةِ جيلٍ موقوتٍ يمكنُ أن ينفجرَ بسهولةٍ !

 

الإرهاب الذي بات سمة مميزة في تصريحات وقرارات الوزير، الإرهاب الذي يدعو إلى تخوين كل من لا يتوافق مع طروحاته ورؤيته ومشروعه، الإرهاب الذي صار ثيمة لأي قرار تعسفي ضد أي مخالف له !

 

الخلل كان ومازال في العقلية التربوية التي تتسيد ملف إصلاح الوزارة، وهي غير قادرة على إصلاح أساليب تَفكيرها، بل لنقل تَطويرها، لَربُما لكونها ترى بعينٍ واحدةٍ، ونظرتها للإصلاحِ التعليميِ لا تَختلف عن رؤيتها للسياسي، جراء اتكالها على رؤية فردية قاصرة لا جمعية منهجية، مما جعلها عاملًا مساعدًا لإفشالٍ العمليةِ التربويةِ برمتها، وزرع بذور إفشال الدولة ومستقبلها، من خلال إنتاج جيل مشوهٍ، لا يعرف من لغته وتاريخه ودينه شيئًا، ليتذكر وزير التربية أن فرنسا عندما استعمرت الجزائر حاربت اللغة العربية باعتبارها الجامع لمكونات الشعب الجزائري، من خلال إبعاد أبنائه عنها، فأطفال وشباب اليوم هم رجال وقادة الغد !

المشكلة الحالية تربوية بحته حُولت إلى قضية سياسية يتحكم في مسارها الرأي العام، كتعبيرٍ صريح لغياب الدولة عن الواقع، وفشلها في إيجاد المبررات المقنعة لسياسة الحذف والإضافة التي انتهجتها، نتيجة غياب التنسيق بين أذرعها، كما تستغلها بعض التيارات السياسية بهدف إنتاج شروط تفاوضية مع الدولة لصالحها.

 

وعليه، ما جدوى تَعديل الدروس ما دامت نسب التسربِ من المدارس عاليةً جداً، والآلاف من الطلبة لا يقرأون ولا يكتبون، والطالب يكره المدرسة، أنى يمكن رفع سوية عقل الطالب والمعلم فاقد لأهم الأدوات المعرفية والتدريبية. وكيف تُعدل الدروس والطلاب لا يجدون المرافق الصحية الحقيقية وحتى المقاعد الدراسية.

 

أخيرًا، تعديل الدروس الدينية والثقافية لا يعني إصلاحا للمناهج، بقدر ما هو قتل حقيقي لها وتجهيل ممنهج للطلبة وكأنما المناهج فقط لغة عربية وثقافة إسلامية، تراها الدولة خطرًا عليها، دون الأخذ بعين الاعتبار أهمية المناهج العلمية التي تُعتمد في قياسِ تقدمِ الدولِ التعليمي، ومدى تقدمها .

 

الخلاصة: إن أريد إنتاج طالب وعقلٍ واعيٍ ناقدٍ يُمكن استثمارهُ بشكلٍ دائمٍ، لابد من العمل بجدية على تبديلِ حقيقي في منظومةِ التربيةِ والتعليمِ أولاً، ومن ثم الالتفات إلى تعديلِ المناهج وهي تتوافق مع تسارع خطى العلم والمعرفة، خصوصًا التي تتعلق بالمواد العلمية والبحثية.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد