بعض المشكلات التي يشكو منها المعلمون تنم عن تقصير البيت في أداء دوره الذي من المفترض أن يكمل دور المدرسة، ومن أمثلة ذلك سرحان الطفل الدائم في الفصل، وعدم أدائه ما عليه من واجبات منزلية، وفي بعض الأحيان مشاكسة زملائهم، وربما التطاول على معلميهم. قد يرجع ذلك لعدم قدرة المعلم على السيطرة على الفصل بسبب هيبته التي أفتقدها بسبب أشياء عدة، منها هضم حقوقهم، وتعسف الحكومات ضدهم، وربما يرجع لعدم قدرته على جذب انتباه الطلبة إليه، وعلينا أن نعترف مع هذا بضعف تأهيل المعلمين تربويًّا بشكل سليم وعملي في بلدنا.

لكن على الناحية الأخرى يقوم المعلمون بلوم أولياء الأمور باعتبارهم السبب، ويسري القول بأننا نقوم بعملية التعليم في المدرسة، لكن على البيت واجبات مماثلة، وأنه على التربية أن تحدث في البيت أولًا. هذا الصراع بين المدرسة، والبيت وبين المعلم، وولي الأمر لا يمكن أن يؤدي بالطالب إلى خير، ولا يكون في مصلحته. بدلًا من أن يرمي كل طرف الحمل على الطرف الآخر، على كلا الطرفين أن يتكاملا باعتبارهما المؤسستين التربويتين الأكثر تأثيرًا في حياة الطالب. على كل الأطراف التعاون معًا ليؤدي كل منهم ما هو منوط به.

أظهرت الأبحاث العصبية أن 90% من نمو المخ يحدث خلال السنوات الخمس الأولى من الحياة، وأن 85% من المسارات العصبية تتطور قبل بدء الدراسة. تحدثنا عن ضعف التأهيل التربوي لبعض المعلمين، لكن بخصوص أولياء الأمور هل كلهم مؤهلون بالفعل لتربية أبنائهم؟

هل وجود أب ينفق وأم تطعم كافٍ لتخريج مواطنين صالحين؟ في واقعنا ومع صعوبة الظروف الاقتصادية قدرة كل شاب وفتاة على تكاليف الزواج المادية تفتح لهما الباب ليتزوجا، وينجبا، ويربيا. فقط لو يتم التخطيط للإنجاب والتربية من قبل الزواج، كما يتم التخطيط للفرح ومستلزمات المنزل المادية، فتربية الأبناء تتم في مجتمعنا بعشوائية، وكل والدين -غالبًا- ما يقوما بالتجريب ويخرجان كمًّا كبيرًا من العقد السلوكية والثقافية التي لديهما في أطفالهما، كما أن التربية ليست قاصرة عليهما؛ فكل شخص في المجتمع يربي أبناءهما معهما، فالإهمال سيكون خيارًا سيئًا عندها.

نعلم أن التربية والتي تبدأ من أول يوم هي أشمل من التعليم، وعليه يعتبر وليا الأمر «الأب والأم» من أوائل المربين، فهم يؤسسان -مع غيرهما- ما يمكن أن يبني عليه المعلم من قاعدة صلبة أو خواء، كما أنهما يتعاملان مع الطفل في مراحل أسبق من التي يتعامل فيها معه المعلم وباقي المسئولين، كما أن دورهما مستمر لا ينقطع في إحدى المراحل كغيره، وبما أن مسئوليتهما لا تقل عن مسئولية المعلم، فربما علينا التفكير جديًا في منح المقبلين على الزواج نوعًا من الإجازة التربوية كشرط لإتمام الزواج.

نوع من التأهيل التربوي مختلف عن الذي يقدم للمعلمين، يلائم دورهما، ويعرفهما بما هما مقبلان عليه، والمشاكل الأكثر شيوعًا -التي قد تتعرض لهما- والحلول شبه المثالية لها، ويشمل تصحيح المفاهيم، واستبدال الطرق الخاطئة بغيرها صحيحة. على أن يكون هذا التأهيل باستخدام أدوات عملية، وقصير نسبيًّا، ويتم تقديمه في مراكز منتشرة ومرنة وكفئة، تحت إشراف جهة مناسبة؛ حتى لا تصبح مجرد تأدية واجب وورقة رسمية روتينية تقدم لمن لا يؤدي حقها، مع ضرورة المتابعة الدورية مع الوالدين. وتأثير هذا التأهيل ببساطة إن صمم بشكل جيد، فقد يعمل على تكميل دور المدرسة، وبالتالي يؤدي إلى رفع كفاءة العملية التربوية بالكامل، وحماية الكثير من الأجيال القادمة.

وللعلم فإن هذا لن يمثل تعديًا على دور المعلمين، فهذا النوع من التأهيل كالخدمة العسكرية مطلوب منك أداء واجبك تجاه وطنك. لكن ليس عليك أن تصبح ضابطًا مستديمًا في الجيش لتحقق ذلك، وعليه فإن التأهيل التربوي للمقبلين على الزواج سيمكنهما من الحصول على الحد الأدنى من التثقيف، وتعريضهما للخبرة الأساسية اللازمة، لكن لا يجعلهما متخصصين في التربية. كما أنه تأهيل يعاونهم لممارسة التربية، وليس لممارسة مهنة التعليم الذي تختص به المدرسة والجامعة. أي أنه سيعاون المعلم ولن يضيره.

«التعليم المبكر هي المرحلة الأولى والأكثر أهمية للتعلم مدى الحياة». إيفا هوجال

في فنلندا يتعاون المعلمون مع أولياء الأمور والمجتمع لرعاية الطفل، وإعداده جسديًّا وعقليًّا قبل سن دخول التعليم الرسمي وهو سن السابعة، ويفضل تعلم الطفل من خلال اللعب، ومع مرور الوقت وبدخولهم المدرسة، سيصبحون حريصين على التعلم. وهناك يعطى آباء الأطفال حديثي الولادة 3 كتب، واحد للأب، وآخر للأم، والثالث للطفل المولود كجزء من حزمة الأمومة.

وأخيرًا، أود إغلاق الحديث في أمرين:

أولهما: هذا الأمر إن طبق لن يكون بدعة من القوانين، وكثير من دول العالم تفرض شروطًا معينة لإتمام زيجات مواطنيها، قد تبدو غريبة لنا، وربما بعضها يطبق مثل هذا التأهيل ولو أنني لم أقف على ذلك بنفسي. وهنا عندما يتم طلب فحوص وشهادات طبية لإتمام الزواج يكون ذلك بهدف حماية الأجيال القادمة عضويًّا، وفي حالتنا تلك الهدف هو حمايتهم من عدة أوجه أخرى.

وثانيهما: لا يعني حديثي المفصل عن ضرورة تقنين دور الوالدين في التربية أنني أعتبر أن التعليم المدرسي قد أدى ما عليه، وأنه لا غبار على ما يحدث في المدارس. لا ليس صحيحًا، ولكني أعتبر التركيز على دور المعلمين وحدهم ظلم لهم وللطلاب، كما أن البدء في إقامة تعليم مدرسي وجامعي صالح هو أمر مفروغ منه له الأولوية في الحدوث، وسيتم بشكل حتمي عندما تأتي حكومة لا ترى في التعليم خطرًا على بقائها؛ فتسمح به.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد