كيف يتم التعامل مع المنح التعليمية الفلسطينية؟

تحدثت في محاضرة أحد أستاذات القانون أمام طلابها، وكانت قد حصلت على منحة دراسة القانون في درجة الماجستير في دراسة القانون بتخصص التحكيم التجاري الدولي، فتاة متألقة ومثقفة وجميلة ومن أسرة ليست ميسورة كما يبدو، وكانت منحتها عبارة عن 80 ألف دولار ما بين مقعد دراسي وتأمين وسكن ومصروفات أخرى لا أعرفها، بعد وصولها أمريكا تم سرقة منحتها، إما بمنحها لأحد أبناء أو معارف أو أنسباء أحد المتنفذين أو بهدف بيعها ربحيًا، تم دق باب أحد كبار رؤوس الأموال الفلسطينيين الذي تذهب جزء من رواتب موظفي السلطة وأموال الشعب الفلسطيني لخزينته الخاصة لاحتكاره قطاعات خدماتية مهمة ومربحة في السوق الفلسطيني لكنه رفض، فهو لا يساعد إلا بمقابل على الأقل أن تكون المساعدة تحت الكاميرات وعلى الملأ بشكل استعراضي إن صح التعبير.

بقيت الفتاة عامًا كاملًا بلا مصروف أو نقود، وكان عامًا صعبًا جدًا على فتاة عربية شرقية في مجتمع كبير وأجنبي عدا عن تفوقه العلمي والتكنولوجي وفي شتى الميادين الأخرى، إلا أنه في نفس الوقت يتفشى فيه أنواع شتى من الجرائم والسلوكيات التي لا تتواءم مع السلوكيات والثقافة الشرقية العربية، المنحة ذهبت بلا رجعة الى أن حصلت على منحة من الأمريكيين أنفسهم، تحدثت هذه الفتاة التي أصبحت أستاذة في القانون والدموع تكاد تنهمر من عينيها وقهر داخلي وضيق بان في حنجرتها وطريقة صوتها وايماءات وجهها ولغة جسدها بالكامل، قالت أخجل من الحديث بهذا الكلام على الملأ أن أحدًا من الفلسطينيين لم يساعدني أو نظر إلى حالتي في أوج حاجتي ومحنتي.

في كل عام بعد إعلان نتائج الثانوية العامة تثار قضية المنح الدراسية الحكومية الفلسطينية في دول العالم، بات معروفًا جدًا في الشارع الفلسطيني أن هذه المنح ليست بمعزل عن الفساد الحكومي والمحاباة بأشكالها المختلفة عدا عن الواسطات والمحسوبيات لمن لا يستحق أو السرقات بهدف بيع هذه المنح، يقال في الشارع الفلسطيني فيتامين (و) في إشارة للواسطة التي تفشت في الإدارات العامة والخاصة الفلسطينية، عدا عن بعض الشركات ومكاتب الخدمات التي تجني مبالغ طائلة من الطلبة مقابل مقاعد دراسية في الخارج هنا أو هناك، كلنا تابعنا قبل عامين فضيحة المنح الحكومية للدراسة في فنزويلا وتصرفات الطلبة المختارين وهم بالمناسبة من الفلسطينيين غير المقيمين في فلسطين بل في دول عربية مجاورة، حيث تصرفوا في الجامعات بشكل غير لائق الأمر الذي شوه صورة الشعب الفلسطيني بالكامل.

كيف تنعكس سياسة سوء توزيع المنح واستثمارها على القطاعين العام والخاص والسوق الفلسطيني؟

أحد أركان الفشل العام في الأراضي الفلسطينية والذي عكس نفسه على الحالة السياسية هو الفشل في إدارة الموارد البشرية، وفشل أكبر في إدارة الموارد المالية يمكن اختصارها بكلمات بسيطة أننا نصرف حيث يجب أن لا نصرف، ولا نصرف حيث يجب أن نصرف، بإمكان السلطة الفلسطينية عمل خطة متوسطة وبعيدة المدى حول متطلبات سوق العمل الفلسطيني من النواحي الفنية والتقنية بشكل خاص، حدثنا أستاذ في الإدارة أنه يأتي خبراء  متقاعدون من الدول الأوروبية للأراضي الفلسطينية من أجل تشغيل أو صيانة ماكينات صناعية محددة، نسميهم خبراء على سبيل التفخيم وفي الحقيقة يكون الواحد منهم حاصلًا على دبلوم لكن هذا الدبلوم يكون خصيصًا لمكنة صناعية محددة، وهذا ما يسمى (التخصص).

وابتعاث طلبة لهذا الغرض بات ضروريًا، لأن ذلك سيساهم في نهضة المشاريع الصناعية الفلسطينية وتخفيف أعباء الاستيراد والبقاء تحت رحمة سلطات الموانئ الإسرائيلية ووزارة المالية الإسرائيلية، التي تجبي الضرائب للسلطة من التجار الفلسطينيين الذين يستوردون بضائعهم عبر الموانئ الإسرائيلية وتبتز إسرائيل السلطة عند أي أزمة سياسية أو أمنية، لا رؤية لدى صانع القرار الفلسطيني حول إمكانية استثمار الطاقات الشبابية التي يمكن أن ترتقي في البلد وهذه معضلة خلقت اغترابا وفجوة هائلة بين الشاب الفلسطيني وهموم شعبه، في ظل سياسات احتكار اقتصادية مقننة وتغول فئة قليلة من القطاع الخاص تستفيد منها طبقة صغيرة وقليلة.

 في الإدارة الفلسطينية خللان خطيران فيما يخص التعليم وقطاع الشباب، وخلل اقتصادي أخطر لأنه يؤسس لمرحلة من الاسترقاق الاقتصادي المقنن، لأن الاقتصاد الفلسطيني يفتقر للمنافسة والتفاعلية ومبدأ تكافؤ الفرص ووحدة المسؤولية ووحدة الهدف وتعتبر هذه المبادئ من أبجديات عمليات التنظيم الإداري في القطاع العام، لكن الخلل الأخطر هو العلاقة الجدلية بين القطاعين العام والخاص في الأراضي الفلسطينية والسؤال الأهم من في خدمة من؟ أشك أن هناك علاقة تكاملية بين القطاعين ولا يعني ذلك أن القطاع الخاص بخير أيضًا، لأن الاحتكار  وطرق توزيع شهادات الاستيراد والتصدير والوكالات التجارية غير الموزعة بطريقة عادلة يبدو أنه سيجرف الجميع في طريقه.

ما هو دور السفارات والممثليات الفلسطينية في الخارج؟

لا يقتصر خلل وفضائح المنح على الوزارت المعنية داخل الأراضي الفلسطينية، بل يطال الأمر السفارات والقنصليات والممثليات الفلسطينية المنتشرة حول العالم، الحديث عن هذه الممثليات مخجل جدًا حد الصدمة، كيف يكون هؤولاء سفراء أو ممثلين لأنبل وأعدل قضية سياسية؟ من الذي ابتعثهم؟على أي أساس؟ ما هي المعايير الإدارية والمهنية لاختيارهم؟ كيف يتم اختيار طواقم دبلوماسية لا يعرفون لغة البلد الذين يمثلون فلسطين فيها؟ أو لا يعرفون اللغة الإنجليزية على أقل تقدير؟

قال أحد عمداء كليات القانون في محاضرة أمام طلابه في أحد الجامعات الفلسطينية كثير السفر والترحال للمؤتمرات القانونية ويحمل جنسية أجنبية أنه زار أحد سفارات فلسطيني في أوروبا وكانت الاخيرة، ولم أزر أي سفارة لأن أوضاعها مروعة ومخجلة، سفارات تحول بعضها الى مكاتب عقارية أو تجارية! وأشياء يخجل المرأ من ذكرها، تحدث صديق قانوني أمام الطلبة عن حصوله على منحة في دولة أوروربية شرقية عام 1987 وعام انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، الانتفاضة التي أحدثت صخبا ومتابعة عالمية على نطاق واسع، حيث القمع الرهيب وسياسة تكسير العظام والاعتقالات الكبيرة بالآلاف، حيث سجن في سجن النقب الصحراوي وحده 12 ألف شاب فلسطيني، كيف بيعت باخرة أدوية في قبرص كانت من المفترض أن تكون تبرعًا للشعب الفلسطيني المنكوب، على يد أحد السفراء الذين  عادة ما  كانوا يسمون أنفسهم آنذاك بأسماء حركية (أبو فلان وأبو علان).

لعل الفساد إذا ما استشرى بحركات التحرر، فإن تأثيره قد يكون أشد أثرًا ووقعًا من دول قائمة بذاتها لما لذلك من أثر ووقع نفسي وأخلاقي سيئ على الشعب الذي تدافع حركة التحرر هذه أو تلك عن قضيته، ومثال ذلك منظمة التحرير الفلسطينية، وسابقًا حركة التحرر الجزائرية التي سيطر أقطابها على الحكم بعد الاستقلال وتعاملوا معه باعتباره مغنمًا ومكسبًا وكعكة لكل من له نصيب فيها، لذلك كتب الروائي الجزائري الطاهر وطار رائعته المسرحية (الشهداء يعودون هذا الأسبوع) توصيفًا لقبح الحالة التي وصلت لها الجزائر في مرحلة ما بعد التحرير وهذا ينطبق على فلسطين أيضًا، ماذا لو عاد الشهداء؟!

بماذا تخدم سفارات الدول العربية الطلاب العرب في الجامعات الأجنبية؟

تلعب سفارات الدول العربية وطواقمها في الخارج أيضا أدورا مخابراتية قذرة على طلاب هذه الدول المبتعثين للدراسة في الخارج أو الدارسين على حساب أهاليهم أو حتى المقيمين، حيث يكون الجميع تحت الرقابة المخابراتية لأي نشاط أو مؤتمر أو نشاط لأي من المعارضين أو الأحزاب العربية في هذه الدول التي تحترم قيم الديموقراطية في قوانينها الداخلية، المفارقة المضحكة في هذه الديموقراطيات أنها تتيح العمل تماما ليس للمعارضين فقط، بل لنشاطات موازية لوكلاء الأنظمة الاستبدادية الذين هم غالبا رجال أمن تحت مسميات دبلوماسية مختلفة، ويتمكنون من خلالها من رفع وكتابة التقارير الأمنية (التي قد يكون أحدها كيديا مثلما يسمى في عالم الأمن من أحد الفاشلين لأحد الطلبة المبدعين أو المتألقين) لسفاراتهم والتي ترسلها بدورها لأجهزة الأمن في البلد.

وهنا نستذكر الرواية السورية الشهيرة (القوقعة – يوميا متلصص) الذي كتبها الأديب السوري مصطفى خليفة الذي أمضى 13 عامًا في سجن تدمر الصحراوي سيئ السمعة والصيت أثناء عودته من فرنسا بعد دراسته في الإخراج السينمائي بناء على تقرير أمني سبقه إلى العاصمة دمشق، فيما كتب الأديب والناقد المصري علاء الأسواني روايته الشهيرة (شيكاجو) الذي تطرق فيها للشباب المصري المغترب في أمريكا بهدف التعليم وعن نشاطات سفارة بلاده هناك التي تركز اهتماماتها بالتجسس على الطلبة والرعايا المصريين ونشاطاتهم أكثر بكثير من كونها دولة ترعى شؤون مواطنيها المغتربين، حيث سلط الضوء على هذه القضية على شكل رواية متقنة.

هل تقف الأمور حد المنح الدراسية؟

كثيرا ما يتم تداول نكات في الشارع الفلسطيني، وكما وصفها الكاتب المصري الراحل عبد الوهاب المسيري «النكات هي التي تتحدث عن المسكوت عنه» فأحد هذه النكات أن فلانًا ضمن الوظيفة لابنه في أحد المؤسسات التابعة للسلطة قبل دخوله حتى الجامعة أي أن مقعده محجوز سلفا بوظيفة تلائم مجاله الذي سيدرسه، حدثت عاصفة إعلامية ونقابية أواسط الصيف الماضي حول تعيين دفعة في سلك النيابة العامة الفلسطينية تضمنت عددا من أبناء المسؤولين البارزين في السلطة الفلسطينية وهم من الخريجين الجدد في مجال القانون، تتحدث نكتة أخرى في الشارع أن كما لا بأس به من مسؤولي السلطة الكبار هم أبناء خالات.

من أحد المشاكل والمعضلات التي تعانيها بعض المؤسسات الفلسطينية خصوصًا البلديات والمجالس المحلية، هو التكدس الوظيفي وغياب مسميات العمل الحقيقية بسبب التعيينات الوظيفية غير المحسوبة وعلى أساس قبلي أحيانا وحزبي أحيانا أخرى واعتبارات أخرى غير علمية، منها مثلا خلق أزمة للمجلس الذي سيلي المجلس الحالي خصوصًا في أشهرهم الأخيرة، تضطر بعض هذه المجالس باللجوء للبنوك للحصول على أقراض لتسديد فاتورة رواتب موظفيها الشهرية، على صعيد آخر يدفع الطلبة من الفصائل المعارضة للسلطة الفلسطينية خصوصا من التيارات الإسلامية الثمن بعد التخرج نتيجة التقارير الأمنية التي ترفع في نشاطاتهم الحزبية في الجامعات أثناء فترة دراستهم حيث يحرمون من الوظائف الحكومية، من المواهب والمؤهلات الجيدة للحصول على وظيفة بعد التخرج قدرتك الهائلة في كتابة تقارير أمنية في زملائك الطلبة، والقدرة على التهريج و(التسحيج) والتملق والنفاق مع بعض الاستثناءات طبعا.

ماذا عن منح تعليم الأسرى المحررين الفلسطينيين؟

يشهد للسلطة الفلسطينية ويشار لها بالبنان بأنها تهتم بالأسرى الفلسطينيين على شتى انتماءاتهم من النواحي المادية والقانونية، كمرتبات تتقاضاها أسرهم حتى لا يكونوا في فقر أو فاقة، تدفع أيضا مخصصات للأسرى تصلهم داخل السجون، تدفع السلطة الفلسطينية رواتب مقطوعة دائمة للأسرى المحررين الذين أمضوا فوق الـ5 سنوات ضمن ضوابط قانونية محددة مثل عدم وجود مصدر دخل آخر، تقدر مصروفات السلطة الشهرية على الأسرى بحوالي 11 مليون دولار.

 تقوم أيضا السلطة بعمل برامج تأهيلية مثل رخص السياقة أو التعليم المهني إضافة إلى منحة تعليم جامعي لدرجة البكالوريوس ضمن أحد الجامعات الفلسطينية داخل فلسطين، أي أسير يستطيع أن يختار واحدة من هذه الامتيازات بحسب ظروف وملائمة كل أسير لهذه المنح، أهمها منحة التعليم الجامعي الباهظ الثمن في الأراضي الفلسطينية حيث تغطي السلطة 75% من قيمة القسط الجامعي، فيما تتكفل بعض الجامعات كجامعة الخليل مثلا في الـ25% الباقية مع العلم أيضًا أن أزمة مزمنة بين الجامعات الفلسطينية ووزارة التعليم العالي حول إشكالات عديدة حيث تضرب الجامعات الفلسطينية ممثلة بنقابات العاملين فيها سنويا، لا يدفع الطالب من الأسرى المحررين سوى رسوم تسجيل رمزية.

هناك مطالبات داخل الأسرى إلى الطلب من السلطة إعطاء منح للدراسات العليا للأسرى أيضا، لأن منحًا كثيرة تذهب لغير مستحقيها واضطر أحد الأسر المحررين الذين أعرفهم وهو من كوادر فتح وضباطها اللجوء إلى البنك للحصول على قرض لإكمال تعليمه في الدراسات العليا، ولا بد من الإشارة أن أزمات كثيرة تسببت فيها مخصصات الأسرى بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل والمانحين الأوروبيين والأمريكان ومورست ضغوط كبيرة على السلطة الفلسطينية العامين الأخيرين لإنهاء هذا الاهتمام، لكن الرئيس أبو مازن رفض ذلك بشدة لأن من شأن ذلك خلق أزمة داخلية فلسطينية-فلسطينية كبيرة وخطيرة ويبدو أن المانحين يدركون ذلك جيدا.

علما أن هذه الرواتب خصوصًا رواتب الأسرى المحررين تخدم الحالة الأمنية التي باتت تشكل جوهر العلاقة الفلسطينية-الإسرائيلية الرسمية، لأن قطع مثل هذه المخصصات سيكون لها ارتدادات أمنية لا تخدم نظرية الأمن مقابل السلام التي فرضتها إسرائيل والتي استبدلتها عمليًا بنظرية الأرض مقابل السلام التي طالما أطلقتها منظمة التحرير الفلسطينية كشعار عريض بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد