يحظى التعليم بمكانة رفيعة لدى الدول، شعوبًا وحكومات، فلا تكاد تتفحص الأجندات السياسية للحكومات في أقطار المعمور دون أن تجد قضية التعليم على رأس الأولويات، وقد خُصص لها النصيب الأوفر من الميزانيات، وجُندت لخدمتها موارد الدولة المادية والبشرية، وصيغت لأجلها المواثيق والقوانين بتسلسل هرمي، بدءًا من الفصول الدستورية التي تبوئها مكانة رفيعة بين الحقوق التي يضمنها الدستور للمواطنين[1]، مرورا بالمواثيق الوطنية التي تعبر عن المشترك بين مختلف الفاعلين[2] والمتدخلين، والتي يصنف بعضها قضية التعليم مباشرة بعد الوحدة الترابية[3]، والنصوص التشريعية التي تمنح الإصلاح صفة المشروعية والإلزام والقابلية للتطبيق، ووصولا إلى المراسيم الحكومية والمناشير والنصوص التنظيمية والمذكرات… وغيرها من النصوص، والتي وإن اختلفت مسمياتها، فإن الهدف منها يبقى واحدًا، ألا وهو تنزيل الإصلاحات المقيدة في الأجندات الحكومية، والتي غالبًا ما تمتح من التعاقدات الانتخابية، أو حتى من الإرادة الفردية في الأنظمة التي تطبعها شخصانية السلطة، وتغيب عنها التعددية والتداول السلمي للسلطة.

وفي الوطن العربي يعتبر إصلاح التعليم -و إن كان لكل دولة خصوصياتها التي تتميز بها عن غيرها- من القضايا الكبرى التي تحظى باهتمام الفاعلين من أعلى هرم الدولة إلى النقاشات المجتمعية التي تثار في الفضاءات العامة، وتجند لها مختلف موارد الدولة وإمكانياتها.. لكن أغلب الدول العربية ورغم ذلك ما زالت تحتل مراتب متأخرة في التصنيفات العالمية لجودة التعليم، ما يعني ضمنًا أن الإصلاحات التي نجدها حاضرة حين نسأل المؤسسات والمواثيق والقوانين… تغيب بشكل أو بآخر في الواقع، أو في أحسن الأحوال لا تطبق بالصيغة الأولية التي تم التعاقد عليها بين الفاعلين، وهو الأمر الذي لا يمكن الوقوف عليه إلا عن طريق دراسات ميكرو-سوسيولوجية للنواة أو الخلية الحية للإصلاح، متمثلة في المدرسة بعناصرها المادية والبشرية. وبصيغة أخرى فإن تحليل السياسات التعليمية عن طريق دراسة مخرجات النظام السياسي متمثلة في القرارات العمومية في قطاع التعليم، دون الأخذ بعين الاعتبار المسارات التي تقطعها هذه السياسات لتصل إلى نواة الإصلاح، لا يمكن أن يؤدي إلى فهم لماذا تنجح الإصلاحات في دول وتفشل في أخرى، رغم التشابه في الموارد المجندة، والخطابات السياسية الراعية للإصلاح.

فما الذي يجعل تحليل السياسات التعليمية إذن عاجزًا عن تفسير الإخفاقات المتتالية لإصلاح تعليمي في بلد معين، رغم كل الإمكانات التي تجند لصالحه؟

المقترب الكلاسيكي لتحليل القرار العمومي

يرتكز التحليل الكلاسيكي للقرار العمومي على مقترب تسلسلي sequential approach ذي طابع خطي ينطلق من الأعلى في اتجاه الأسفل (Top-Down)، أو ما يعرف بشبكة جونز لتحليل السياسات العمومية، والتي طورها Charles Jones لوصف مسار القرار العمومي في خمسة مراحل:[4]

1. تحديد المشكل العمومي (الحاجة إلى إصلاح التعليم).

2. بناء وتطوير السياسة العمومية (استراتيجية أو مخطط الإصلاح).

3. تنفيذ السياسة العمومية (القوانين – القرارات – تعبئة الموارد المتاحة…)

4. تقييم السياسة العمومية (مقارنة بين المخطط والمنجز فعليا).

5. إنهاء السياسة العمومية (بحل المشكل العمومي أو إعلان فشل مخطط الإصلاح).

يكتسي التحليل الكلاسيكي للسياسات العمومية طابع الحتمية والآلية، ويفترض أن الدولة تتدخل في كل مراحل السياسة العمومية، كفاعل عقلاني، يحدد الأهداف بدقة، ويوفر الموارد المطلوبة للتنفيذ، ويتخذ القرارات المناسبة لحل المشكل العمومي وينفذها باستخدام أجهزته الإدارية. وهو ما يتناقض مع الواقع، حيث تباين النتائج الفعلية والنتائج المتوقعة، يفند أطروحة عقلانية القرار العمومي، ويبين وجود عناصر خفية رسمية وغير رسمية، تؤثر في مسار الإصلاح، باعتباره قرارا عموميا، ويمكن أن تؤدي إلى تعديله أو حتى إلى إفشال تنفيذه.

دور البيروقراطية في الإصلاحات التعليمية

يبالغ عموم الناس في تقدير هامش المناورة لدى الفاعل السياسي، باعتباره يمتلك القدرة على التشخيص والتخطيط والتدخل باستخدام موارد الدولة التي توضع تحت تصرفه بمجرد توليه المسؤولية السياسية، لكن هذه الفرضية سرعان ما تتلاشى حين نستحضر الدور المركزي للجهاز البيروقراطي[5] في جميع مراحل اتخاذ القرار، والتي تم التطرق إليها آنفا، فالجهاز البيروقراطي يتصف -حسب ماكس فيبر- بالتنظيم والخبرة والتخصص والكفاءة والاستقرار الوظيفي وامتلاك المعلومة، مما يجعله قادرا على مباشرة وظيفة تشخيص وتوصيف المشكل العمومي، وتحديد مدى توافر الموارد اللازمة لتنفيذ الإصلاح. كما أن الموظفين العموميين هم من يتولون بناء وتنفيذ السياسة التعليمية وتحديد خطوطها العريضة ومراحل تنفيذها، وهم أيضا من يضطلعون بمهمة تنزيل الإصلاح وتقييم مدى تحقق الأهداف.

يظهر جليًا إذن أن الفاعل السياسي الذي يتحمل المسؤولية الفعلية للإصلاح، لا يمثل سوى القمة الظاهرة لجبل الجليد، والتي تخفي تحتها قاعدة عريضة قوامها جهاز بيروقراطي قوي ومنظم، له منطق اشتغال خاص، ويتدخل في جميع مراحل إقرار وتنفيذ وتقييم السياسة التعليمية، بل ويؤثر حتى في القرارات التي يتخذها الفاعل السياسي. وهذا الجهاز البيروقراطي يمكن أن يلعب دورًا مزدوجًا، حيث يمكنه أن ينجح الإصلاح حين يتسم بالعقلانية والموضوعية والكفاءة المهنية وسمو منطق المصلحة العامة، كما يمكن في المقابل أن يتحول إلى عائق من عوائق الإصلاح حين يتسم بسوء التنظيم وضعف الكفاءة المهنية، أو بكل بساطة حين يتعارض الإصلاح مع المصالح الفردية أو الجماعية لأفراده.

تعددية الفاعلين

لم تعد الدولة الفاعل الوحيد المحتكر للقرار العمومي، فالنقابات والجمعيات المهنية، والأحزاب السياسية والمنتخبون المحليون، والمجتمع المدني، وجماعات المصالح وغيرها من المنظمات… أصبح لها دور لا يستهان به في سيرورة الإصلاح، خصوصًا حين يتعارض هذا الأخير مع مصالح الفئات التي تدافع عنها. وكمثال على ذلك، نُذًكِّر بالإصلاح الذي شهدته مراكز تكوين المدرسين في المغرب، وقضية فصل التكوين عن التوظيف، أي أن الحصول على دبلوم المراكز المذكورة لم يعد يخول الحق في التوظيف المباشر، كما كان معمولا به في السابق، وقد اتهمت قوى المعارضة حينها الحكومة باتخاذ هذا الإجراء خدمة لمصالح التعليم الخاص (في مقابل التعليم العمومي المجاني) عبر السعي لتوفير أطر تعليمية مؤهلة على نفقة الدولة، ووضعها رهن إشارته. وقد أدت احتجاجات الطلبة المدرسين إلى التجميد المؤقت للمرسومين موضوع الجدال، والتزام الحكومة بتوظيف الفوج كاملا.

إن المثال المذكور أعلاه، يبين كيف تدخل فاعل خاص (لوبيات التعليم الخاص) في توجيه سيرورة القرار العمومي لصالحه، وكيف أدت ضغوطات فاعل آخر غير رسمي (تنسيقيات الطلبة المتدربين) مدعومة من جهات سياسية معارضة للنظام، إلى التوقيف المؤقت لتنفيذ قرار عمومي اِتُّخِذ بصفة رسمية، وهذا إن كان يدل على شيء فإنما يدل على تعقد سيرورة القرار العمومي، وابتعاده عن العقلانية في بعض الحالات، مما يجعل المقتربات الكلاسيكية عاجزة عن التحليل.

أيضا وفي إطار تعدد الفاعلين، تنبغي الإشارة إلى الدور المتصاعد للفاعلين الاقتصاديين الدوليين، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، واللذين أصبحا يتدخلان مباشرة في السياسات العمومية للدول، بما فيها السياسات التعليمية.

المقترب المعرفي Cognitive Approach

إن الإصلاح باعتباره سياسة عمومية، لا يأتي دائما لحل مشكل عمومي، فالتحليل المعرفي للسياسات العمومية يبين دور معتقدات الفاعلين وتمثلاتهم في بلورة وتوجيه الإصلاح. كيف يمكننا مثلا أن نفسر الإصلاح الذي شمل مقررات التربية الإسلامية في المغرب، دون استحضار العنصر الأيديولوجي متمثلا في الإطار المرجعي الدولي حول محاربة الإرهاب وربطه بالمنظومة التعليمية في الدول الإسلامية، ودون المعرفة المسبقة بأطروحة الإمبريالية الثقافية[6] التي تفترض ملاءمة قيم المجتمعات المعاصرة مع قيم النظام العالمي المهيمن؟[7]

من تحليل السياسات التعليمية إلى سوسيولوجيا الفعل التعليمي

يرى كل من ميني وتوينغ Meny&Thoeing أن دراسة السياسات العمومية بمثابة دراسة لفعل السلطات العمومية، كما يؤكد الكاتبان على أهمية الجانب الخفي غير المصرح به من سلوكات الفاعلين السياسيين، باعتباره عنصرًا حاسمًا في كل سياسة عمومية. إلى جانب ذلك، يؤكد ميني وتوينغ على ضرورة تجاوز المقاربة الشكلية لتحليل السياسات العمومية المعلنة، إلى ما تقوم به السلطات العمومية فعليا؛ أي تجاوز تحليل السياسات العمومية المعلنة إلى تحليل الفعل العمومي، الذي لا يمكن الوقوف عليه إلا بتحليل سلوكات الفاعلين والسعي نحو فهم ما يجعل التعاون ممكنًا بين مختلف المتدخلين في الإصلاح، والتوافقات والمفاوضات والمساومات التي تحدد المسار الفعلي للإصلاح باعتباره سياسة عمومية.[8]

إن السياسات الإصلاحية ليست مجرد إجراءات خطية آلية يتم تنزيلها من طرف الفاعلين، فهذه السياسات تقوم في الواقع بتعبئة مجموعة من الأنشطة والإجراءات العملية والموارد المختلفة، وتنفذ من خلال شبكات علاقات تضم مختلف الفاعلين الاجتماعيين المتدخلين في سيرورة الإصلاح.

إن سوسيولوجيا الفعل العمومي تعني قبل كل شيء ضرورة تبني مقاربة تتجاوز المنظور التقليدي الذي يدرس السياسات العمومية من خلال دراسة فعل الدولة وكتدخل للسلطة العمومية، إلى منظور أكثر شمولية يأخذ بعين الاعتبار الإطار المؤسساتي للفعل العمومي، إلى جانب فعل الجهات المتدخلة الأخرى، سواء كانت عامة أو خاصة، محلية أو دولية، والتي تعمل معا في إطار شبكة علاقات معقدة ولا يمكن تجاوزها بالمرة في التحليل. إن تحليل السياسات التعليمية يفترض أيضًا الانتقال من تصور هرمي-عمودي (Up-Dow) إلى تصور أفقي-دائري، والذي ستكون السوسيولوجيا قادرة على تحليله باعتبار أن الفعل العمومي يتجسد أيضًا في التفاعلات الاجتماعية، وليس فقط على مستوى هرمية الدولة.[9] كما لا ينبغي في السياق ذاته إهمال العامل السوسيوتاريخي، والقيود التي يفرضها الماضي على الحاضر وعلى سيرورة التطور ككل، فكيف يمكن مثلا تفسير السياسة اللغوية للمغرب وتشبثه باللغة الفرنسية كلغة ثانية في المناهج التعليمية، رغم ترتيبها المتدني بين اللغات الحية، إن لم نرجع إلى الجذور التاريخية لهذا الاختيار وامتداداتها لدى النخبة الثقافية الفرنكفونية التي ما زالت تمثل جماعة ضغط وازنة في المغرب؟

أخيرا فإن فهم وتفسير الإخفاقات والتعثرات التي تعرفها الإصلاحات التعليمية المتتالية في بعض الدول، يستوجب تفكيك «العلبة السوداء» للدولة متمثلة في الجهاز البيروقراطي، ودراسة كيفية تفاعله مع الإصلاح وتمثلات عناصره ومعتقداتهم وسلوكهم اليومي، والعلاقات التي تنشأ بينهم وبين مختلف الفاعلين الآخرين المتدخلين في سيرورة الإصلاح.

إن قضية إصلاح التعليم بقدر ما هي مهمة ومركزية في نهضة الأمم وبناء الحضارات، بقدر ما تتطلب من الباحثين في علم السياسة تعميق البحث وتنويع المقتربات بغية الوصول إلى نتائج موضوعية، تضع اليد على المعيقات الحقيقية لعملية الإصلاح، والتي لا تعيق إصلاح التعليم فحسب، بل تتجاوزه إلى التنمية والنهضة والحضارة ككل.


[1] الفصل 31 من الدستور المغربي مثلا.

[2] الفاعل في معجم العلوم السياسية ترجمة للكلمة الفرنسية Acteur ومقابلها بالإنجليزية Actor

[3] المادة 21 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين. المملكة المغربية.

[4] بيير ميلرPierre Muller، السياسات العموميةLes Politiques Publiques، ترجمة د.عبد المالك إحزرير ود.فريد خالد، الطبعة الأولى 2009

[5] كلمة البيروقراطية من الناحية اللفظية تعبير لاتيني مشتق من كلمتين، bureau وتعني المكتب، وcracy وتعني القوة أو السلطة أو الحكم، ويقصد بذلك أن البيروقراطية تعني تسيير إدارات ومصالح الدولة عن طريق المكاتب، وتعدد تعاريف البيروقراطية يؤدي إلى نوع من الخلط في التفسير، إلا أن أغلب المعاني المباشرة التي يستخدم فيها اصطلاح البيروقراطية تشير إلى جهاز من الموظفين أو إلى النشاط الذي يباشره الموظفون العموميون لكي تعكس نظاما إداريا محددا، وموجها بطريقة عمل المكاتب، أو تشير إلى معنى ضيق عندما تتضمن الطرق التي يستخدمها الموظفون والتي تعتمد على العمل الروتيني.

[6] السّياسة الثّقافية الأمريكية تجاه الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية،www.caus.org.lb/Home/down.php?articleID=5113

[7] Cultural Imperialism, https://en.wikipedia.org/wiki/Cultural_imperialism

[8] Christin Musslini, Approche Organisationnelle, Dictionnaire des politiques publiques, 3eme édition, Laurie Boussaguet, Sophie Jacquot, Pauline Ravinet, 2010

[9] Hugues Draelantes&Christian Maroy, L’analyse des politiques publiques un panorama, Reve de la littérature (partie1), Juin 2007.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد