لم يفلح شعب ولم تنجح أمة ولم يتقدم بلد في التاريخ دون أن يولي اهتمامًا لسؤال التربية والتعليم. فبمقدار العناية التي نوليها للتربية أولًا، وللتعليم ثانيًا تقاس القيمة الحضارية للأمم.

في المغرب يعيش قطاع التربية والتعليم أسوأ المراحل، فكل التحاليل والتقارير والوقائع واضحة وتصب كلها في نهر واحد: ضعف في التكوين، وانحدار رهيب جدًا في منسوب القيم والمواطنة.

لا أريد أن أدخل في دوامة الأرقام والإحصاءات التي تأتينا من مؤسسات دولية ومحلية، تقارير البنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة، تصنيف شنغاي للجامعات، تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين في المغرب كلها تضعنا في مؤخرة الأمم. لذلك تخجل من نفسك أن يقال عنك إنك مغربي حينما تجاور أناسًا آتوا من بلدان اهتمت بالتربية والتعليم.

ما يهمني هو الإشارة إلى أن كل الإستراتيجيات والخطط التي صودق عليها منذ 1999 مع قدوم الميثاق الوطني للتربية والتعليم مرورًا بالمخطط الاستعجالي ووصولًا إلى الرؤية الإستراتيجية 2015/2030 كلها لا نرى انعكاسًا ولا أثرًا حقيقيًا لها في الواقع، فالإصلاح الحقيقي هو ذاك الذي نرى أثره في الواقع لا في التقارير والخطابات. ماذا تغير في مدرستنا وفي جامعتنا بين 1999 و2019، ربما شيء من التحسن في البنى التحتية، سبورات مغناطيسية بدلًا عن السبورات الخشبية التقليدية، أقلام لبداية عوض الطباشير، وأشياء ثانوية أخرى. عداها بقي الحال على ما هو عليه: يخرج التلاميذ من المدرسة وهم يتعاركون ويسبون ويشتمون، يرسمون صورًا قدحية عن المدرس المربي والأستاذ، يتمنون لو أن قنبلة نووية فجرت المدرسة وخلصتهم من جحيمها. يخرج التلاميذ من المدارس بلا نظام، فوضى عارمة تؤكد بالملموس حالة اللانظام التي تطغى على منظومتنا التعليمية. فماذا تحقق كل هذه المخططات والإستراتجيات والحال كذلك؟

في البلدان المتحضرة، تكون المدرسة هي القاطرة ويكون المجتمع بكل أفكاره وردود أفعاله انعكاسًا وإفرازا لما تنتجه المدرسة. وفي المثال المغربي، يبدو بجلاء أن المدرسة فقدت هذا الدور الريادي الذي وجب أن تقوم به تجاه المجتمع، دور التوعية والتنوير وتمرير القيم التي يجب أن تعرف وتؤطر المجتمع، وهو ما يفرض سلفًا التوافق على نموذج مجتمعي بين مختلف التيارات المجتمعية حتى تستجيب لتطلعات المحافظين والتقدميين على حد سواء.

ما تشهده المدرسة المغربية هو حالة من التفكك والتذبذب: الفاعلون الإستراتيجيون من وزراء وكبار المسؤولين، أولئك الذين صدعوا رؤوسنا بالإستراتجيات والخطط في الندوات والمجالس هم أول من يرسلون أبناءهم إلى مدارس البعثات الأجنبية والمؤسسات الخاصة، حتى الفاعلون في التعليم العمومي من مدرسين ومديرين فقد قرروا منذ زمان الزج بأولادهم إلى المدارس الخاصة. معنى هذا الكلام أن الفاعلين في المشهد التربوي صاروا غير راضين عن مستواه وغير واثقين من فرضيات الإصلاح التي يموه بها السياسيون الفاشلون على المجتمع. إذًا عن أي إصلاح نتحدث؟

حينما كنت طالبًا جامعيًا في المغرب، كنت أستحيي من نفسي وأنا بين كومة من الطلاب مجتمعين بكثافة مثل الحمقى بلا نظام ولا انتظام حول باب الحافلة، كان العامة ممن يمرون من هناك يستعجبون ويندهشون ولسان حالهم يقول كيف لمن أمضى 12 عامًا بين ردهات المدارس ألا يحسن حتى الانتظام في طابور قبل ولوج الحافلة؟ هذا المشهد وحده كاف لنفهم أن المدرسة فقدت دورها التربوي.

من المحاور الأساسية التي وجب إصلاحها في نظري هو محور تأهيل وتكوين المعلمين والمدرسين، أي قيم يمررها وأي حكمة يسديها من لا يملكها، ففاقد الشيء لا يعطيه! المعلمون والمدرسون هم أبناء نظام تربوي فاشل لذلك لا عجب أن يفشلوا في تمرير أشياء لم يسبق أن اكتسبوها! لذلك فمن الضروري تأهيل المدرس المربي لأنه هو الفاعل الأساسي والمنزل المباشر لكل التقارير والخطط التي نتفنن في صياغتها.

مشكل آخر يغذي حيرتنا تجاه ما يقال عن إصلاح التعليم هو غياب الانسجام داخل الحكومات وبين الحكومات المتعاقبة، فإصلاح التعليم يستوجب مساهمة مختلف الوزارات في الحكومة التي إن غاب عنها الانسجام، فإنها لن تؤدي دورها الإصلاحي، وكذلك عمل الحكومة الذي يجب أن يرتبط بمكتسبات سابقاتها في إطار الاستمرارية التي تميز دولة المؤسسات التي ما نزال بعيدين عنها.

إن غياب البعد التنفيذي الإجرائي التطبيقي عن الخطط الإصلاحية التي ينتشي البعض بها ينسفها نسفًا، ويفقدها موضوعيتها ويدفعنا للشك في جديتها، هذا الشك يغذيه أيضًا تغييب مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي لا نرى له أي تمظهر في قطاع التربية والتعليم الذي يرهن مستقبل بلد بأكمله.

إن الخطط الإصلاحية التي يتحدث عنها الإعلام الرسمي، والتي يحاول البعض أن يقدمها كوصفات سحرية لمعالجة أمراض نظامنا التربوي، هي في الحقيقة مجرد تشخيص لواقع القطاع، ولا تقدم حلولًا عملية واقعية قابلة للتفعيل.

لست أؤمن بالإصلاحات الكرتونية التي تبقى حبرًا على ورق، فالإصلاح المنشود والرؤية الإستراتيجية الحقيقية هي التي تدخل إلى المنازل وإلى المدارس وتجد صداها في الأحياء وترى انعكاسها في الأزقة، في المدن والقرى. الرؤية الإستراتيجية لن تنجح بالمرة إن لم تتبلور على شكل آليات قابلة للتنزيل والتقييم داخل المدارس لا في العروض والمجلدات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد