لكل طفل الحق في التعليم. هذا الحق الأصيل الذي نصَّت عليه الشرائع السماوية وأكدت عليه مختلف الأعراف والمواثيق المدنية. وقديمًا قال الحكماء: «التعليم في الصغر كالنقش على الحجر». ودائمًا ما يطمح أفراد الأسرة في تميز أبنائهم الدراسي وتحقيق ما لم يستطع آباؤهم إنجازه من قبل. فالرغبة في تفوق الأبناء دراسيًّا فطرة غريزية متأصلة في النفس البشرية. ولكن تكمن المشكلة في أن هذه الرغبة بمفردها لا يمكنها تحقيق تميز أبنائنا وتفوقهم دراسيًّا؛ إذ لا بد من اتخاذ خطوات أكثر عملية مبنية على أسس علمية وقراءة لمستجدات الواقع لتحقيق هذا الهدف. لذا، سنقترح في هذا المقال أهم الوصايا التربوية من واقع بعض الدراسات والأبحاث العلمية التي تساعد في إعداد أبنائنا أكاديميًّا واجتماعيًّا وتكنولوجيًّا لبدء حياة دراسية جديدة.

أولًا: الإعداد الأكاديمي

يقصد بالإعداد الأكاديمي تجهيز الطفل للتعامل مع المواد الدراسية المختلفة وإجادة مهارات التعلم، والقدرة على التحصيل الجيد للمعلومات، وتحقيق أفضل الدرجات في مختلف الإختبارات. ومن أهم خطوات إعداد الطالب أكاديميًّا ما يلي:-

1. دربي طفلك على القراءة. تعد القراءة مفتاح التفوق الدراسي في حياة الطفل، لذا يجب أن يبدأ الطفل في القراءة مبكرًا. كما يجب على الأم اقتناء القصص المصورة ومجلات الأطفال بجانب المواد الدراسية؛ لتدريب الطفل على القراءة وتشكيل ثقافة متنوعة في مراحله العمرية الأولى. كما يجب تعزيز مهارات القراءة الجهرية (بصوت عالٍ) عند الطفل حتى يتمكن من حفظ الكلمات وإجادة النطق الصحيح والطلاقة في القراءة. ويفضل أن يبدأ الطفل بقراءة قصص قصيرة وخيالية مكتوبة باللغة العربية وباللغة الإنجليزية أيضًا. الفرق الوحيد في أن قراءة الطفل باللغة الإنجليزية يجب ألا يصاحبها معرفة معاني كل الكلمات التي يقرأها، فالهدف هنا إكساب الطفل الثقة بالنفس في القراءة باللغة الإنجليزية، والقضاء على إحساسه بالرهبة من تعلم لغة أجنبية.

2. متابعة الواجبات المنزلية. يجب أن يتعود الطفل على أداء الواجبات المنزلية أولًا بأول وعدم تراكمها أو تأجيلها. وبالرغم أن بعض الدراسات الحديثة توصي بتخفيف الواجبات المنزلية للأطفال، فإنه يجب على الأم وضع جدول زمني لأطفالها لأداء الواجبات، والتأكد من أدائها على الوجه الصحيح. كما يجب أن تنتبه الأم لخطورة حل الواجبات بنفسها بدافع الخوف على طفلها من الإجهاد أو الضغط. على العكس، هذا الأمر ينطوى على مشكلات عدة، أبرزها الفشل الدراسي، وعدم الثقة بالنفس، والاعتماد على الآخرين، فضلًا عن أداء الطفل لواجبه المنزلي بنفسه يمكِّن الأم من تقييم مدى إتقان وفهم الطفل للدرس.

3. تدريب الطفل على الاختبارات. على الرغم من أن الصفوف الدراسية الأولى من الصف الأول الابتدائي إلى الصف الرابع الابتدائي لا تجري اختبارات شهرية أو نهائية للتلاميذ، فإنه يجب أن يتدرب الطفل مبكرًا من الصف الأول الابتدائي على أداء الاختبارات. يجب أن يفهم الطفل معنى الاختبار وأنواعه، وكيف أن هذا الاختبار ليس وحشًا مفترسًا يجب أن يخاف منه، ولكن الاختبار له بمثابة جائزة وتقدير على اجتهاده ومذاكرته.

إن معظم مشكلات طلابنا في المراحل التعليمية المتقدمة تأتي من خوفهم الدائم من الاختبارات، ويحدث ذلك بسبب عدم تدريبهم منذ الصغر على إيجابيات وفوائد الاختبارات لهم. لذا، يجب على الأم أن تعلم أن تدريب الطفل منذ صغره على أداء الاختبارات سينعكس عليه إيجابًا في مراحله الدراسية المستقبلية. ويمكن للأم أن تصيغ اختبارات مناسبة للمرحلة السنية للطفل على شكل أسئلة مناسبة مثل التوصيل ووصف الصور والاختيار من متعدد، سواء أكان إعداد الأم للاختبارات يتم عن طريقها شخصيًّا أو عن طريق الاستعانة بمعلمي طفلها أو عن طريق بعض المواقع التعليمية المختلفة. ويمكن للأم تحفيز طفلها بالطريقة المناسبة له بعد حل كل اختبار مثل منح هدية أو مبلغ نقدي أو أي طريقة تشجيعية أخرى، بغض النظر عن الدرجة التي سيحصل عليها الطفل في الاختبار.

ثانيًا: الإعداد الاجتماعي

إن نجاح الطفل اجتماعيًّا لا يقل أهميةً عن نجاحه أكاديميًّا. وتكشف معظم الدراسات الحديثة العلاقة الوطيدة بين ذكاء الطفل الاجتماعي وتفوقه الدراسي. ويمكن إعداد الطالب اجتماعيًّا عن طريق ما يلي:-

1. تبني ثقافة الحوار مع الطفل. لا يقتصر دور الأم على التوجيه والإرشاد لطفلها، بل يجب أن تبني الأم ثقافة حوار وصداقة بناءة مع طفلها. وتبرز هذه الثقافة تحديدًا عند تصحيح أخطاء الطفل، فتقويم الطفل لا يعني كسره أو معاقبته أو تعنيفه، بل يشمل احتواءه وتقبله لأخطائه المتكررة، ومحاولة تصويب هذه الأخطاء بعقلانية، والنزول إلى درجة تفكير الطفل، ومحاولة إيجاد بدائل مناسبة ينشغل بها الطفل عن هذه الأخطاء.

إن نجاح الطفل اجتماعيًّا يبدأ من بيته ومن علاقاته مع أقاربه، وتشير الدراسات إلى أهمية العلاقات الأسرية في تشكيل جوانب الشخصية المجتمعية للطفل وقدرته على التفاعل الاجتماعي مع أقرانه والوسط الدراسي، بالإضافة إلى تنشيط قدراته الذهنية، وإكسابه روح المبادرة والثقة بالنفس، وحمايته من القلق والاكتئاب والرهاب الاجتماعي.

2. مشاركة الطفل في الأنشطة المدرسية المختلفة. إن النجاح الاجتماعي للطفل ليس مجرد توجيهات أو نصائح من الأسرة لطفلها، ولكنها مهارات تطبيقية واقعية يطبقها الطفل في سياقات محتلفة. ولعل الأنشطة المدرسية هي أبرز مجال يمكن للطفل أن يطبق فيه مهاراته الاجتماعية، ويطلق فيه طاقاته، ويبرز فيه مواهبه. وقد أشارت بعض الدراسات إلى دور إيجابي تلعبه الأنشطة المدرسية في تحديد مواهب الطفل وتوجيه إمكانياته، وإكسابه الاعتزاز بالنفس وثقافة الحوار واحترام الآخرين، بالإضافة إلى بناء شخصية قيادية للطفل تجذب إليه حب الآخرين.

3. التمسك بالقيم والأخلاق. إن بناء شخصية الطفل اجتماعيًّا يجب ألا يحدث بمعزل عن إطار السلوكيات والأخلاق الحميدة التي ينص عليها ديننا الإسلامي الحنيف وتقاليدنا الأصيلة. ويجب أن تتضمن هذه الأخلاق الحميدة القوة والحق والشجاعة ورد الظلم والإيجابية ومساعدة الضعفاء. فالطفل الخلوق ليس انهزاميًّا أو يفرط في حقه، بل هو ذاك الطفل الذي يدري بحقوقه وواجباته، ويثور حين التعدي على حق من حقوقه. كما أن الطفل الخلوق ليس بالطفل المتنمر، ولكنه الطفل الذي يساعد أقرانه الضعفاء، ولا يسكت عن خطأ ما، ويسعى دائمًا إلى حث الجميع على الالتزام بالسلوكيات والأخلاق الحميدة.

ثالثًا: الإعداد التكنولوجي

إن الإعداد التكنولوجي للطفل أصبح لزامًا على كل أم، سواء بسبب التحديث التعليمي المستمر الذي يعتمد بشكل جوهري على أدوات التكنولوجيا، أو بسبب التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي في الطفل. وتشير الدراسات إلى أن إجادة الطفل للتعامل مع التكنولوجيا أمر لا غنى عنه في ظل بروز مفاهيم حيوية، مثل الثورة الصناعية الرابعة، والمواطنة الرقمية، والتعليم عن بعد، والتي تؤثر في الطفل أكاديميًّا واجتماعيًّا. ويشمل إعداد الطفل تكنولوجيًّا ما يلي:-

1. تنظيم أوقات استخدام الطفل لمواقع الإنترنت. ويشمل ذلك تحديد فترة زمنية للطفل لاستخدام الإنترنت وانتقاء المحتويات المعروضة، ومناقشة الطفل في وجهة نظره حول هذه المحتويات. ويمكن للأم توجيه الطفل عن قناعة نحو تصفح محتويات بعينها، كما يمكن للأم ترشيح بعض تطبيقات الألعاب لطفلها وإبراز إيجابياتها للطفل، وتحفيزه دائمًا على التحلي بروح الفوز والمنافسة.

2. تدريب الطفل على الألعاب الرقمية التعليمية. توفر تكنولوجيا التعليم العديد من الوسائط الرقمية مثل ألعاب الفيديو والمحاكاة التعليمية، والتي تساهم في تبسيط المفاهيم الدراسية للطفل وتحفزه نحو تقبل المادة والتفوق فيها. وتشير الدراسات إلى أن الألعاب الرقمية التعليمية توفر بديلًا تكنولوجيًّا آمنا للأمهات عن إدمان طفلها لمواقع الإنترنت الخاصة بالترفيه والتسلية. وتتميز هذه الألعاب بكونها ألعابًا تكنولوجية ومجانية ويسهل تحميلها على أنظمة الويندوز أو الأندرويد.

الخلاصة

إن إعداد الطفل لحياة تعليمية جديدة ليس بالأمر الصعب، ولكنه أمر يستحق الاهتمام والمتابعة والمثابرة من جميع أفراد الأسرة. وتسليط الضوء على دور الأم في هذا المقال لا يعفي الأب أو باقي أفراد الأسرة من مسئولياتهم في هذه المهمة النبيلة. ولكن التركيز على دور الأم هنا جاء بسبب تعلق الطفل عمومًا بالأم في مراحل دراسته الأولى، وإقدامه على حياة جديدة يتطلب فيها إحساسه بالأمان والاستقرار النفسي. يبقى على الأب القيام بمسئولياته في المتابعة والتوجيه بالقدر نفسه المطلوب من الأم، ويظل الطفل في حاجة إلى الاستفادة من خبرات إخوته التعليمية والحياتية. فنجاح إعداد الطفل يتطلب تضافر كل هذه الجهود من أجل التميز والتفوق الدراسي والاجتماعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد