إسلام النجار
إسلام النجار

يناير، فصل الشتاء والبرد، أيام المطر الغائبة، أيام الثورة الحبيبة المستلبة، يناير فصل غير كل الفصول . غير أن ما يعكر صفوه هي الامتحانات والمعسكر الذي يدوم من أواخر ديسمبر حتى نهايته، فيبدأ عام وينتهي آخر، ولا زلنا في نفس المعسكر المغلق الذي من توابعه اكتئاب يصيب كثير من الطلبة الجامعيين وطلاب الثانوية – على الأخص!

كل الكلام قيل من قبل، عن فساد المنظومة التعليمية وتم تشخيص الداء من قبل وتم وضع الحلول، ولكن الحكومات المتعاقبة في الدول الفاشلة كحالنا لا تستطيع التحرك قيد أنملة.

فيما أفنيت شبابك؟ = في المذاكرة!

نحن في العام 2018، في القرن الواحد والعشرين، في زمن الإنترنت حيث أصبحت المعلومة متاحة بأقل التكاليف أو بدون تكلفة على كل المواقع الإلكترونية ومازال النظام التعليمي في مصر يعتمد بروتوكول الورقة وسياسة الحفظ اللانهائي فبداية الحفظ عند الطالب المصري تكون مع أولى سنين عمره الدراسية وتمتد حتى منتصف العقد الثاني من عمره عندما يتخرج حاملا شهادة التخرج ليرميها في الزبالة باحثا عن فرص أخرى تتناسب مع سوق العمل الذي يتنافى كما يقولون مع ما ندرسه.

ولكنه للحق، قول أسطوري سخيف، فالمعضلة الأساسية تكمن في أن نمط الدراسة الذي نتبعه من (يوم ما وقعنا) على وش الدنيا (المصرية) لا يتناسب مع أي عمل إطلاقا فعندما تجد دراستك خالية من أي تطبيق عملي – Just depending on Memory – والأسوأ أن الكليات العملية لا يوجد أيضا بها تطبيق عملي حقيقي وأصبح التطبيق العملي مرادف لسياسة الحفظ أيضا: إنها مصر العظيمة!

نحتاج إلى قنبلة تنسف نظام التعليم في مصر ونبني من البداية مشروع تعليمي يبدأ من الروضة حتى الجامعة، ولكن كيف السبيل إلى ذلك والحاكم ينظر للتعليم نظرة ثانوية مخجلة (يعمل إيه التعليم في وطن ضايع) هكذا كان يقول رئيس دولة البلح، بالطبع ماذا ستكون فائدة التعليم لمواطن أنت تريده خاملا، غير فعال، غير ثائر، اتركه جاهلا كي يفوضك أكثر وأكثر وأكثر لمواجهة التعليم، (سوري) الإرهاب!

دولة البلح لن تقدم التغيير المنشود فالتعليم لم يكن يوما من أولويات الأنظمة المستبدة، يجب أن تجعل شعبك يعيش في حالة من الجهل وحجب النور عن العقول وللأسف هي سياسة ناجحة في بلادنا وإلا ما كان يحكمنا رئيس عسكري مستبد بعد ثورة الـ18 يوم ونجد قطيع كبير من الشعب يسير وراءه نحو مكافحة الإرهاب !

لا أعلم متى وصل بنا الحال إلى هذا المستنقع من الجهل وتعفن الفكر وفساد الرأي، كتب التاريخ لا تجد فيها توصيفا لبداية عصور الانحدار الفكري في مصر، ولكن الناظر في نظم الحكم المتعاقبة على مصر سيجد أن هذا الشعب لم يجد من (يحنو عليه) ويهتم به بتعليمه وتثقيفه، فمن عصور الاحتلال إلى عصور الاستبداد كان يعيش المصري، ولم يكن يخلو كل عصر أو فترة زمنية من نموذج مستنير أو جذوة مشتعلة تكون بمثابة الثورة في وجه المستبدين والفكر المتزمت.

على سبيل المثال كان الأزهر الذي يعد بمثابة منارة العلم في العالم الإسلامي كان نموذجا للقمع الفكري في فترات كثيرة كما خرج منه أيضا نماذج ثائرة على سياسته، فمن أيام جمال الدين الأفغاني الرحالة الإسلامي الذي بث فكره المستنير في ما قبل الثورة العرابية واستكمل بعده تلاميذه ومنهم الشيخ الإمام محمد عبده – بالتأكيد لا أقصد هنا مناهجهم، وإنما أتحدث عن خروجهم في هذا الوقت عن الإتجاه المحافظ، كلنا يعرف أن مصير الأفغاني كان الطرد من مصر ليلا دون معرفة أي من تلاميذه، ومحمد عبده كان مصيره الفصل من الأزهر فيما عرفت بأزمة الأستاذ الإمام، فمناهج الأزهر كانت تعتمد أولا وأخيرا – ولا زال – على الحفظ الأعمى وكانت تقتصر على العلوم الشرعية وترى غيرها من العلوم كلاما فارغا!

وخرج في هذا الوقت قاسم أمين من عرفه التاريخ بنصير المرأة ونادى بضرورة تحرير المرأة في كتابيه (تحرير المرأة)، و(المرأة الجديدة) ونادى فيهم بضرورة تعليم المرأة على الأقل التعليم الابتدائي حتى تكون قادرة على تربية نشء جديد على حد تعبيره. وبالتأكيد لاقى هجوما أعمى من دعاة الفكر المنغلق، فكيف للمرأة أن تخرج وتتعلم كيف لها أن تساوى بالرجل؟

ثورات التفكير من داخل وخارج هذه المؤسسات لا تنقطع، وهناك دائما من ينادي بالتجديد – تجديد الفكر وسياسة التعليم – وكان طه حسين العميد من أوائل تلك الأصوات التي رفضت منطق التعليم القائم على (الأي كلام) في الأزهر وعندما عرض بشيوخ الأزهر في مقالاته، تعمدوا إسقاطه وعدم حصوله على شهادة العالمية التي تعد أرفع الشهادات في هذا الوقت، وربما كان هذا خيرا لطه حسين حتى يركز كل جهده على مشروع الجامعة الذي وللحق لم يسلم من دعاة الفكر المتزمت حيث أصر أحد الشيوخ، وهو (محمد المهدي) الذي انتدب من الأزهر لتدريس الأدب العربي – أصر على حرمانه من الدكتوراة من الدرجة الأولى عن رسالته (أبو العلاء المعري)، فكان أول خريجي جامعة القاهرة وأرسل في بعثة إلى مونبيلييه ثم فرنسا بعد ضائقات مالية مر بها مع الجامعة المصرية في هذا الوقت، كان الحظ حلثفه فيها ليكمل مسيرته، وعندما عاد إلى مصر وكتب كتابه (في الأدب الجاهلي) ولاقى صدامات عنيفة الكل يعرفها من اتهامه بالإلحاد والكفر دعته إلى تعديل في كتابه تحت عنوان جديد (في الشعر الجاهلي) بمقدمة جديدة تحسبا لأصحاب الفكر المتزمت ممن ألصقوا به في آخر الأمر أبيات في قصيدة بعنوان (كنت أعبد الشيطان) لتستقيم الادعاءات فحتى هذه اللحظة تجد من يصدق هذه الادعاءات السخيفة!

إذن، الفكر المتزمت نعاني منه منذ زمن طويل، في فترة ثورة 19 على سبيل المثال وفترة الحكم الفاروقية على الرغم من ظهور بعض الاتجاهات الإسلامية الضيقة الأفق في هذا الوقت لا نجد الحال أصبح كارثي كما نجده في ما بعد صعود التيار الجنرالي أو العسكري، فالمتأمل في تطور العقلية المصرية على مر العصور يجد أن هذا الانحراف الأقصى بدأ من فترة ما بعد انقلاب 52، عهد المشاريع الكاذبة والأحلام الضائعة، من وقتها حكم مصر النظام العسكري وتوالى القمع والتنكيل وتعطيل الحياة الحزبية التي ربما كانت ثمرة فترة ما قبل الانقلاب، إلى ظهور الاتجاه الراديكالي في الجماعات الإسلامية بعد محاولات المشروع الناصري القضاء عليها – فترة سيد قطب – وأصبحت تغذي ثقافة الشارع المصري فأصبحنا بين نارين، نار مستبد عسكري ينكل بكل من يعارضه ويحاول أن يشاركه في حكم مصر، ونار الفكر المتزمت الذي انتشر كالهشيم في النار، وأكثر مع الانفتاح الساداتي وهجرات الخليج وصعود الطبقة المتوسطة وتصدير الفكر المتزمت إلى المواطن المصري البسيط!

التعليم يجب أن يكون كالماء والهواء

هذا ما نادى به طه حسين في كتبه، ولما تولى وزارة المعارف في إحدى الوزارت الوفدية النحاسية طبق مبدأ مجانية التعليم الإبتدائي حتى الثانوي، ويقال إن في حوار مع النحاس وطه حسين كان يعرض فيه النحاس على طه قبوله منصب الوزير فرفض قبولها معللا رفضه:

(لقد قلت إن التعليم يجب أن يكون كالماء والهواء، وإذا توليت الوزارة ولم أحقق ما ناديت به لن أكون راضيا بمنصب لا أحقق فيه ما أريد بسبب أن الدولة نفسها لا تعطى التعليم الأولوية اللازمة).

من الطبيعي أن لو استمر طه حسين وزيرا للمعارف أو لم يحدث انقلاب 52، لكانت مجانية التعليم قد عممت على التعليم الجامعي أيضا.

الدولة الآن تصرف على التعليم تمام، ولكن أين نحن من كل ذلك؟ هل يتغير شيء؟ بالتأكيد لا.. الوضع كارثي، المشكلة في العقول التي تدير المؤسسات وفي الدولة التي يحكمها رئيس يرى التعليم بلا قيمة!

ربما يرى الكثير أن كل ما ذكر بالمقال مواضيع منفصلة، ولكن في الحقيقة الموضوع متصل وزاد (اللت والعجن) فيه وهو واحد من يوم ما وعينا على مصرنا!

ربما يرى الكثيرون أن كل ما ذكر بالمقال مواضيع منفصلة، ولكن في الحقيقة الموضوع متصل وزاد (اللت والعجن) فيه، وهو واحد من يوم ما وعينا على مصرنا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك