«فلسطين لن تتحقق بالعودة إلى الماضي وإنشاء كيان ضيق ومحدود يضيف إلى العالم شركة خطوط جوية جديدة وبيروقراطية وطابع بريد ملون» – إدوارد سعيد

أحق شخصية بأن نتذكرها باستمرار في أتون ما يحدث في فلسطين المغتصبة هي بلا منازع إدوارد سعيد، ليس لأن هذا الاسم أقام لنفسه نصبًا شامخًا من المجد الأكاديمي، وأصبح أحد الرموز العربية المفكرة الناجحة في أمريكا وأوروبا، من خلال إسهامه الرفيع في تفكيك العلم الاستشراقي بمركزيته الأوروبية وغطرسته وأنانيته وإلغائه للآخر، وليس لأنه أبان بتفوق لا نظير له الطابع الإمبريالي للثقافة الغربية ومآلها الإخفاق، إنما لأن هذا الاسم أحق بأن يكتب عنه ويحتفى به ويحترم لأنه يمثل وبحق نموذجًا فريدًا للمثقف النقدي الذي جمع ذاته ووعيه بين الفكر والممارسة جمعًا قلّما توافر لغيره من المثقفين العرب في القرن العشرين، جمعًا بعيدًا عن أي حساب انتهازي وعن أية دوجمائية باعتباراتها البالية حول الالتزام والانضواء إلى ألوية الأحزاب المتصلبة والسلط القمعية.

هذا الالتزام لم يكتشفه إدوارد سعيد في التخطيطات النظرية والمفاهيم المجردة، بل هو نابع من الهم الفلسطيني الذي حمله معه وهو يغادر دياره للدراسة في الولايات المتحدة، الألم الفلسطيني الذي سكن شغاف قلبه وأقطار روحه منذ أن انفتحت عيناه على فاجعة الاغتصاب والاستيطان، وقد روى ذلك في مذكراته «Out of Place» بأسلوب جميل وخيال رائع.

التزام إدوارد سعيد فعل ممتد في الزمان ونافذ في رمزية الأفكار مرتبط بفكر متوقد وروح سخية، يوسم لحظة التاريخ فيحولها إلى ما يشبه الفعل المادي المنافح عن الحق في القول والحق في الوجود والحق في الفعل، وهي حقوق أراد إدوارد سعيد أن يسجلها في ثلاث لحظات حاسمة.

اللحظة الأولى: كتاب

وسم إدوارد سعيد هذا الكتاب بـ«نهاية عملية السلام»، وفيه يبحث عن بديل آخر للنظر إلى الأشياء، وهو إدانته لاتفاقية أوسلو المجحفة في حق الفلسطينيين والتي تناست حقهم في تقرير المصير، وفضحه التعسف الإسرائيلي والغطرسة الصهيونية، وهو فوق ذلك نقد للذات الفلسطينية والسلطات الفلسطينية من الداخل، فإدوارد سعيد كان منذ العام 1977 عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني، وبالتالي فهو عارف بخبايا السياسة الفلسطينية، وعرف ياسر عرفات عن كثب والتقاه مرارًا أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، اتفق معه واختلف وكان من القلائل الذين يجهرون برأيهم دون تردد أو خوف، وظل إدوارد سعيد مختلفًا عن النخب الفلسطينية التي ذابت في أجهزة عرفات المخابراتية التي أبرمت اتفاقية أوسلو عام 1994 وما بعدها. واجه سعيد عرفات بحقيقة أطفال الحجارة التي أوقفت سيل التنازلات، واتهمه بتناسي مأساة الشعب الفلسطيني  وبـ«العبث» بمصيره، وبأنه أصبح يلعب دور الشرطي المعتمد من قبل إسرائيل لإضعاف عزيمة المنتفضين.

اللحظة الثانية: عتاب

تذكر الجزائر إدوارد بفلسطين، ولعل ذلك يرجع إلى تشابه الطابع الاستيطاني للمحتل الفرنسي والصهيوني، لذلك احتلت الجزائر حيزًا كبيرًا في فكر إدوارد سعيد، وكان إدوارد قد نشر في «لوموند ديبلوماتيك» شهادة عن لقائه بجون بول سارتر سنة 1979، الذي كان يمثل لجيل إدوارد بطلًا من الأبطال المفكرين في القرن العشرين، إدوارد كان يحب في سارتر تقديسه للحرية، وسخاءه الفكري ودفاعه عن القضايا العادلة، فحاول أن ينتزع من سارتر تصريحًا لصالح القضية الفلسطينية كما فعل مع القضية الجزائرية، لكن سارتر ظل، كما يقول إدوارد سعيد، متمسكًا بفلسفته الصهيونية الأساسية، وكان يخشى أن يتهم بمعاداة السامية وهو إحساس بالذنب أمام الهولوكوست، رفض سارتر النظر في عمق المأساة الفلسطينية.

إدوارد سعيد لم يفهم سارتر، لكنه أدرك أن سارتر لم يكن يختلف في شيخوخته عما كان من قبل، أي خيبة أمل في كل ما هو عربي باستثناء الجزائريين؟ نشر إدوارد سعيد هذه الشهادة الوثيقة ليسجل عتابه للمثقفين الذين يكيلون بمكيالين من أمثال سارتر، لكنه بكاه مدرارًا حين بلغه خبر وفاته.

اللحظة الثالثة: حجر

تحدث إدوارد سعيد في قناة «الجزيرة» مطوّلًا وملأ الشاشة بفكره المتوقد القلق، فهو الباحث الأبدي عن الحقيقة، حقيقة شعبه الذي نذر ذكاءه للمرافعة عنه في كل لحظة من لحظات عمره. ظل إدوارد سعيد كما عهدناه غاضبًا، قاسيًا، ذكيًا، لكن متفائلًا بعودة شعبه إلى أرضه، وحالمًا باليوم الذي يعود فيه هو إلى مسقط رأسه، القدس.

وقف إدوارد يواجه الأضواء والكاميرات والأسئلة الحرجة، يدعو إلى الانتقال من انتفاضة الحجارة إلى انتفاضة الوعي، من وعي ينظر إلى الماضي لوعي يستشرف آفاق المستقبل.

واجه إدوارد سعيد تهديدات اللوبي الصهيوني في عقر داره – نيويورك – وواجه عرفات الذي صادر كتبه في أراضي السلطة الفلسطينية، وواجه السرطان الخبيث الذي نهش جسده النحيل.

نحيّي في إدوارد سعيد جرأته التي كانت ضربًا من ضروب الشجاعة الفكرية المثالية ودرسه الخالد. رحل عنا يوم 25 سبتمبر 2003 وعمره 67 سنة، لكن روحه المتمردة الطاهرة ستظل ترفرف فوق أشلاء الوعي العربي الزائف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد