الذكرى الخامسة عشرة لرحيل المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد، أستاذ جامعي للغة الإنجليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا لمدة 40 عامًا، وعضو في المجلس الوطني الفلسطيني من 1977 حتى سنة 1991، وبالرغم من مغادرته فلسطين في سن صغيرة جدًا وتعليميه الغربي، إلا أن نكسة 1967 مثلت نقطة تحول في حياة سعيد لينطلق في رحلته الثقافية، متأثرًا كما قال هو في نهضة الحياة الفلسطينية معلنًا إعلانه العالمي للإنسانية محاولًا أن يحطم سرديات النخبة الغربية حول الشرق ومحطمًا لكل ثنائية بين الشرق والغرب.

وهو المدافع عن الشرق بلغة الغرب في وسط أكاديمي في تلك الفترة يعرف بالمركزية الإثنية وعقدة الرجل الأبيض ليضع سنة 1978 كتابه الاستشراق، الذي مثل ثورة كبرى حيث صنف إدوارد هذه الظاهرة كنوع جديد من الاستعمار ونعتها بما بعد الكولونيالية. أما بالنسبة للشرق فقد قام بنقد الأنظمة الكليانية والدور المخزي للمثقفين باعتبارهم راكائز ودعائم لهاته الكيانات السياسية المستبدة في قمع شعوبها.

ناهيك عن هذا الدور الفكري والثقافي كان إدوارد ناقدًا موسيقيًّا وعازف بيانو بارعًا وله عديد المؤلفات كما أن شغفه بالموسيقى يبرز تأثيره في كتابات سعيد، حيث إن لقب مثقف طباقي وطباق مصطلح موسيقى يعني تشابك والتفاعل في النوتات الموسيقية، أما في الثقافة فهو التعايش والسفر بين الثقافات مهما كان اختلافها وأبلغ من عبر عن هذا الشاعر محمود درويش في مرثيته لإدوارد بعنوان طباق حيث إنه يعيش ثنائية الشرق والغرب مثله حيث قال:

أنا من هناك. أنا من هنا ولستُ هناك، ولستُ هنا. لِيَ اسمان يلتقيان ويفترقان… ولي لُغَتان، نسيتُ بأيِّهما كنتَ أحلَمُ، لي لُغةٌ إنكليزيّةٌ للكتابةِ طيِّعةُ المفردات، ولي لُغَةٌ من حوار السماء مع القدس، فضيَّةُ النَبْرِ لكنها لا تُطيع مُخَيّلتي.

1- الاستشراق

في النشرات والصور الإخبارية فالعربي يظهر دائمًا في حشود كبيرة وينتفي باعتباره فردًا يتمتع بخصائص وخبرات شخصية، ومعظم الصور تمثل الغضب الجماهيري الجامح والبؤس أو الحركات غير العقلانية، وخلف جميع هذه الصور يكمن التهديد بخطر الجهاد أو الخوف من أن المسلمين أو العرب سوف يستولون على العالم.

سنقوم في البداية بقراءة للإطار العام الذي جاء فيه الكتاب الأشهر لإدوارد سعيد الاستشراق سنة 1978، شهد الغرب خلال هذه المرحلة بروز تيار فكري ما يعرف Postmodernism ما بعد الحداثة التي بدأت بنقد ما سمي بمرحلة الحداثة ومنظومات وأفكار كالديمقراطية وغيرها. تولدت من رحم هذا التيار ما بعد البنيوية حركة فكرية ظهر خلال السبعينيات في فرنسا.

كان سعيد أحد الجسور التي أوصلت هؤلاء المفكرين أمثال فوكو ودريدا إلى القارئ الأمريكي، تعتمد هاته المدارس على النقد والتفكيك والتمييز بين الإبستيمولوجي المعرفي والأنطولوجي الوجودي. القارئ لكتاب الاستشراق يلاحظ أن سعيدًا قام بتفكيك الخطاب الاستشراقي ونقد هذه الظاهرة وأئمتها.

لا يتسع المجال للحديث عن كتاب الاستشراق، ولكن سأحاول تلخيص أهم فكرتين رئيسيتين فيه الأولى تفسير كيفية تطور الخطاب الإبستمولوجي والهوية الأنطولوجي، فيرى مفكرنا أن بداية التطور الخطاب والهوية في الغرب بدأ مع حملة نابليون على مصر إلى أواخر القرن العشرين وأفرز هذا التطور قوى إمبريالية كفرنسا وبريطانيا. وكان الخطاب والهوية في الغرب يتغذى بخطاب وهوية الشرق أي في علاقة تفاعلية وهو ما ولد مركزية الثقافة الغربية عندم المستشرقين الذين مثلوا حسب سعيد مؤسسة استعمارية على غرار الجندي الذي يلعب دوره العسكري لعب هؤلاء دورهم الفكري (مؤرخ، فيلسوف، أنتربولوجي، فيلولوجي، سوسيولوجي …).

ومن هنا اعتبر سعيد مؤسسًا لدراسات ما بعد الكلونيالية أو الاستعمارية، الفكرة الثانية نقد المستشرقين المفكرين الذين احتقروا الشرق ونادوا باحتلاله تناول موقف ماركس مثلا من احتلال الهند ودانتي وفكتور هوغو … والدراسات الغربية  الأكاديمية للشرق والخلاصة أن مجال الدراسات الاستشراقية تحول إلى ممارسات ثقافية سياسية تشوبها العنصرية وأداة للهيمنة الاستعمارية واستغرب من تبني عدد المفكرين المشارقة لخطاب المستشرقين.

لقى إدوارد سعيد هجومًا كبيرًا من قبل كهنة الاستشراق كمونتغومري واط وإمام الاستشراق كما نعته سعيد أستاذ دراسات الشرق الأوسط برنارد لويس صاحب مخطط الشرق الأوسط الجديد ودار بينهما صراع طيلة سنوات انتصرت فيه رؤى سعيد وأفكاره، وهذا ليس انحيازًا وإنما بشهادة لويس، حيث صرح في لقاء تلفزيوني عن هيمنة من أسماهم  بالسعيديين ما بعد الحداثويين على مجال دراسات الشرق الأوسط بالولايات المتحدة، حتى أنهم سيطروا على المؤسسة أو منظمة دراسات الشرق الأوسط The MESA  التي أسسها لويس وصارت الدراسات الاستشراقية خاضعة للعقيدة السعيدية كما أسمها هو. لم يتوقف مفكرنا في نقد وتفكيك الخطاب الاستشراقي هنا بل واصل عمله في كتاب تغطية الإسلام وقام فيه بتحليل رؤية المستشرقين للإسلام.

2- الآلهة التي تفشل دائمًا

هذا الكتاب الصادر سنة 1993 عبارة عن مجموعة من المحاضرات التي ألقاها إدوارد سنة 1992 على إذاعة البي بي سي المعروفة بمحاضرات ريث، التي انطلقت مع الفيلسوف الشهير برتراند راسل سنة 1948 وحاضر فيها عديد العلماء والمفكرين مثل الفيزيائي روبرت أوبنهايمر مخترع القنبلة النووية.

ترجم هذا الكتاب إلى نسختين الأولى تحت عنوان صور والمثقف وهو المطابق لعنوان النسخة الأصلية بالانجليزية Representations of the intellectual، لكني اخترت عنوان النسخة الثانية ترجمة حسام الدين خضور للعبقرية وراء اختيار هذا العنوان، وكأنه لخص الكتاب في جملة، الآلهة التي تفشل دائمًا وهو عنوان القسم الأخير من الكتاب المقسم لستة أقسام: 1-صور المثقف 2-ضبط الأمم والتقاليد في وضع حرج 3- المنفى الفكري 4- محترفون وهواة 5-قول الحق في وجه السلطة 6-الآلهة التي تفشل دائمًا.

انطلق سعيد من تعريف المثقف من كتابات دفاتر السجن للمفكر الإيطالي الماركسي أنطونيو غرامشي الذي قسم المثقفين إلى صنفين تقليدي مثل رجال التعليم والدين تكرار والتلقين، وعضوي الفئة المبتكرة ومجددة تعمل على التغيير . انطلق أيضًا من تعريف الفيلسوف الفرنسي جوليان بيندا خيانة المثقفين الذي ذكر انحراف المثقفين ودورهم السلبي وخيانتهم للرسالة المحملة لهم باعتبارهم مثقفين. استعمل سعيد شخصيات في بعض الروايات لضرب الأمثلة وأبرزها شخصية بازارف في رواية الآباء والبنون للكاتب لروائي الروسي إيفان تورغينيف.

المثقف هو كائن منبوذ، شخص قادر على قول الحقيقة للسلطة  فظ بليغ  شجاع على نحو خيالي، وفرد غاضب الذي بالنسبة له لا توجد سلطة دنيوية كبيرة ومهيبة جدًا لا يمكن أن تنتقد وتوبخ بحدة.

بهذا عرف سعيد المثقف ودوره، كائن منبوذ من السلطة فهو ينتقد بشدة مثقفي البرج العاجي، فالدور الرئيسي للمثقف مجتمعي داخل المجتمع محطم كل السرديات ودافع نحو التغيير معكرًا لصفو السلطة لا متحالف مع السلطة كأغلب النخب العربية في أيامنا هذه، حتى أن جل الثورات المضادة في العالم العربي قادها مثقفون وكان محركها الأساسي والرئيسي الأيديولوجيا التي وصفها سعيد بالآلهة التي مآلها الفشل. لذلك على المثقف أن يتجاوز كل المقدسات والدغمائيات وأن يقوم بهدم كل لاهوت سياسي فهو لا يطمح بدوره لكسب مادي بالمعرفة، الخلاصة هي علاقة المثقف بالسلطة والمجتمع، معارضة للسلطة ورقي بالمجتمع.

إدوارد سعيد أكاديمي وناقد أدبي، مفكر وحتى فيلسوف فقد كان ضيفًا دائمًا على الفلسفة من خلال المصطلحات التي يستعملها وأنساق الفلسفية الموظفة في كتابته أيضًا مناضل من خلال دوره في القضية الفلسطينية كعضو في المجلس الوطني الفلسطيني وكتاباته، أيضًا صورته وهو يرمي حجرًا عند الحدود اللبنانية الإسرائيلية  في بوابة فاطمة، الموسيقي عازف البيانو والمعروف أن آلة العزف الوحيدة التي تعزف كل النوتات في نفس الوقت هي البيانو عكس بقية الآلات تعزف نوتة واحدة ليأخذ من هنا لقب الطباقي متشابك ومتعدد الثقافات وعلى غرار كتاباته حتى اسمه فقط يسقط ثنائية الشرق والغرب.

استعمل كل هذا الزاد والمكتسبات النقد والموسيقى والأدب في كتابته، إن كتاب الاستشراق ما زال مبحث ومحط جدل ليومنا هذا لدى الغرب ويعتبر مؤسس لدراسات ما بعد الكولونيالية. كان مستاء من تفاقم ظاهرة الراديكالية لدى الغرب والشرق، فهو صاحب رسالة الإنسانية تؤمن بالتعايش لهذا نعت هنتغتون بصدام الجهل وما زال حاملو رسالة الإنسانية والتعايش يقتفون أثر سعيد ونذكر الراحل عالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة الذي يتشابه في حد كبير مع أطروحات إدوارد سعيد.

إدوارد سعيد يقذف الإسرائيليين بالحجارة

Geplaatst door ‎Edward Said – إدوارد سعيد‎ op Maandag 20 september 2010

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد