الكلام الطيب ومراعاة المشاعر

إنَّ جارحةَ اللسانِ لها أعظمُ الأثرِ في حياةِ الإنسان دينًا ودنيا، ربطَ اللهُ عليها الفلاحَ، وعلَّقَ عليها السعادةَ أو الشقاوةَ في العاجلِ والآجلِ هي التُرجمانُ المعبِّرُ عن مستودعات الضمائر، والكاشفُ عن مكنوناتِ السرائرِ، فإِذا أردت أن تستدل على ما في قلب إنسانٍ، فانظر إلى كلماته وألفاظه. فإنَّها الدليل على ما يكنُّه في قلبه من خير أو شرٍّ شاء أم أبى. قال الإمام يحيى بن معاذٍ التَّابعيُّ: «القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مصارفها، فانظر إلى الرجل حين يتكلَّم، فإنَّ لسانه يعترف لك مما في قلبه».

وإليكم بعض المواقف التي كان للكلم الطيب فيها أفضل الأثر في تحسين العلاقات وبقاء الوُد.

كان الخليفة العباس يتنزه يومًا في حديقة قصره ومعه وزوجته، وفجأة وعندما وصلا أمام البئر وقع خاتمها الذي كان يبدو أنه كبيرٌ عليها، فلما رأى الخليفة ذلك لم يكن منه إلا أن رمى خاتمه في البئر على الفور. فسألته زوجته في تعجب قائلةً: لمَ فعلت ذلك؟ فقال لها: خِفت أن يشعر خاتمُك بالوحدة في قاع البئر، فأردت أن أجعل خاتمي رفيقًا له! تقول زوجته أنها ما نسيت طوال حياتها ما كان من حلاوة كلام الخليفة لها في تلك الليلة.

سيدنا عكرمة بن أبي جهل، والذي يتضح من اسمه أن أباه هو «أبو جهل» والذي كان في زمنه من أكثر الكارهين والحاقدين على الإسلام، ولكن لما أسلم سيدنا عكرمة، نهى النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضوان الله عليهم أن يذكروا أبا جهل بأي سوء في حُضور سيدنا عِكرمة، وقال لهم: إن السوء الذي سيذكرون به أبا جهل سيجرح مشاعر ولده سيدنا عكرمة، كما أن الكلام لن يصل لأبي جهل بأية حال فلا داعي له، فـانتقوا كلماتكم!

كان لسيدنا أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم أخ يتيم اسمه عُمير، فـأهدى النبي عميرًا طيرًا صغيرًا يلعب معه وأسماه له «النُغير». ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر كل يوم على عُمير يسأله قائلًا: ما فعل النغير يا عُمير؟ كيف حال طائرك؟ فيضحك عُمير لاهتمام النبي به وسؤاله عن طائره. وفي إحدى الليالي مر النبي على عمير سائلًا: يا عمير! ما فعل النغير؟ فبكى عُمير وقال: لقد مات النغير يا رسول الله. فجلس النبي على الأرض وراح يلعب مع عمير. فلما رآه المارة من الصحابة أخذوا يسألونه في استغراب: ماذا تفعل يا رسول الله؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مات النغير فجلست ألاعب عُميرًا. ولم يكتف النبي بذلك بل ذهب في اليوم التالي إلى منزل عمير يعزيه ويواسيه ويحادثه بالكلام الطيب ليخفف عنه ما كان به من حزن بعد موت الطائر. ثم قام رسول الله فصلى ركعتين في بيت عمير ودعا الله بأن يصبر قلبه ويهون عليه. فهل رأيتم كم مراعاة المشاعر وجبر الخواطر الذي كان من النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف!

إديسون صاحب براءة اختراع المصباح الكهربي وأحد أشهر علماء العالم. قد تم فصله من مدرسته في سن صغيرة بحجة أنه طفل غبي، كما كتبوا خطابًا لأمه يخبرونها بأن ولدها غبيٌ جدًا وأنهم يخافون أن يؤثر على زملائه ففصلوه، فبدأت أمه تمنعه من الذهاب إلى المدرسة. فسألها عن السبب؟! فقالت له لأنك أذكى من جميع أقرانك ولا تحتاج للمدرسة. أنت عظيم يا ولدي. فكما يقول إديسون بعد ذلك: أنه صدق كل كلام والدته له بأنه ذكيٌ وعظيم. كان المدرسون يرون أن عقله مظُلم ولا يصلح للتعليم من وجهة نظرهم، لكن بما كان من حُسن كلام أمه له ومراعاة مشاعره، أنار العالم باختراعاته!

كان لصديق لي أب صارم جدًا، فأقسم عليه أبوه أن يتزوج ابنة عمه، فأخبرني صديقي أنه لا يحبها وأنه سيتزوجها مضطرًا إرضاءً لأبيه لا أكثر، فتزوجها ولكن منذ بداية الزواج لم يكن لديه قبول تجاهها، متعللًا بأنها تشبه عمه. لكن لم يكن له أن يعصي إرادة والده. ولكن بعد فترةٍ وكما أقص على لسانه: أنه في إحدى الليالي وبعد أن عدت من العمل فتحت لي الباب وقامت بفعلةٍ اقشعر لها بدني، فقال: «قبلت يدي وقالت لقد افتقدتك» ثم قال فأحسست حينها أنني صغير جدًا أمام نفسي، فقررت أن أكتب لها رسائل غرامية وأعلقها على الثلاجة، أصلح لها كوبًا من الشاي، أو أن أهديها بعض الزهور. أملًا مني في إدخال السرور على قلبها ولو بكلمة حتى وإن لم أكن أحبها. فبدأت أفتقدها على ما كان منها من حُسن الكلام وطيب المعاملة. صارت تحلو في عيني يومًا بعد الآخر، وكلما أثنيت عليها في شيء ازدادت جمالًا. فصرت أحافظ على شعورها وأنتقي كلماتي معها. وكأنني أتعرف عليها من جديد وحسن المعاملة بيننا هو ما أسرني بها! فبدأت أخرج معها، وأنظر لها فلا أرى إلا قمرًا وليست ابنة عمي. ثم قال بنفسه مستنتجًا: من الواضح أن الكلمة الطيبة والمحافظة على المشاعر مفعولهم جبار كالسحر يا أخي! والله إني أحببتها، أقسم لك بالله أني أحببتها.

أتت امرأةٌ إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه تشكو زوجها فقالت: يا أمير المؤمنين إن زوجي صَوّامٌ قَوّام. فقال سيدنا عمر: بارك الله لك في زوجك. فلم ينتبه لمقصد المرأة فنبهه الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قائلًا: إنها قد أتت تشكو زوجها. فزوجها يصوم النهار كله ويقوم الليل كله ولا يلتفت لوجودها. فانتبه أمير المؤمنين للشكوى. ولم ينتبه أمير المؤمنين للشكوى في البداية لما كان من حُسن كلام الزوجة على زوجها فلم تنزل منزل الشكوى.

تبعات الكلام الطيب ونتائجه

– لا تقل لطفلك أنه ليس له مستقبل، بل اصنع له العصير أو اللبن وكن معه في دراسته، اقرأ له وأسمعه طيبًا وهو لن يكون إلا متميزًا.
– لا تقل لزوجتك غليظ الكلام لتظهر بمظهر الرجل الجاد، بل كن حنونًا عاطفيًا مقتديًا برسول الله في معاملاته لأهله.
– بين الشركاء، لا تقل إن كلامك خاطئ، بل قل أرى أن هذا الكلام يحتاج إلى الدراسة والمراجعة.

قال الله تعالى في كتابه العزيز «وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوًا مبينًا». وقال أيضًا «وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد».

إن من لوازم المؤمن انضباط اللسان وحسن الكلام، ولا يستقيم إيمانُ عبدٍ حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، كن بين الناس طيبًا وزين نفسك بحسن الكلام تدم ذكراك الطيبة، إن بقولك الطيب تصبح كالحكيم في عيون الناس يتلهفون لرؤيتك والاستماع لكلماتك وحسن حديثك. بالكلمة الطيبة يحنو لك كل قاسٍ وتحصل على مرتضاك. للكلمة الطيبة أن تؤلف القلوب وأن تداوي الأوجاع. ازرع بالكلمة الطيبة شيئًا في نفوس الناس لا يُنسى. للكلمة الطيبة أن تبهج النفس وتسر القلب وأن تؤلف بين القلوب وتقرب بين الناس وتنثر المودة والمحبة بينهم، فتجد من يتلقاها فرحًا ومن يقولها فرحًا.

أدامكم الله طيبين.

Embed from Getty Images

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد