يقول أغلب الواعظين المسلمين إن الذي لا يسلم ويصبح مع محمد النبي لن يرى الجنة! والحقيقة أن هذه مغالطة. يستدل هؤلاء الوُعّاظ على قول القرآن: «الدين عند الله الإسلام». وفي الواقع أن الإسلام الدين الوحيد، وكل الديانات الإبراهيمية الأخرى عبارة عن شرائع، وتؤمن أنّها الإسلام الصحيح. يقول القرآن: «قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين». وهذا الدليل على قولي، إن الإسلام الدين الوحيد الموجود منذ بداية الرسل، وهذا من وجهة نظر القرآن ورسالة النبي محمد طبعًا.

النبي محمد لم يأت بدين جديد، وإنما كانت رسالته إصلاحية لرسالة إبراهيم. فالحج، والصوم، وحركات الصلاة والديّة… وغيرها، كلها كانت موجودة قبيل الإسلام. يبدو أن الحساب الإلهي يكون على أساس الأخلاق والمرحمة، وحسن التعامل وفعل الخير للبشرية، لا على أساس من هو الأصح. إنّ الوُعّاظ يريدون بالعرب أن يبقوا بجاهليتهم، فعمدوا لجعل الجهل إسلاميًّا، فحاربوا حرية الرأي، وحاربوا منتقديهم.

قبل شهور، توفيّ ستيفن هوكينج، العالم والمفكّر الفيزيائي الملحد، قامت الدنيا ولم تقعد حينها، يتساءلون هل هو بالنار أم بالجنّة؟ أنا متأكِّد أن كل من قال إن ستيفن بالنار، هو بالواقع لم يقرأ عنةُ حرفًا. يذكرني هذا بالنبي محمد، يقال في كتاب الطبقات لابن سعد:

لمّا أنزلت «وأنذر عشيرتك الأقربين» صعد رسول الله على الصّفا فقال: يا معشر قريش! فقالت قريش: ما لك يا محمد؟ قال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقونني؟ قالوا: نعم، أنت عندنا غير متَّهم، وما جربنا عليك كذبًا قطّ. قال: فإنّي نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديدٍ، يا بني عبد المطلب! يا بني عبد مناف! يا بني زهرة! إنّ الله أمرني أن أُنذر عشيرتي الأقربين، وإنّي لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيبًا، إلا أن تقولوا لا إله إلا الله. فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تبارك وتعالى «تبت يدا أبي لهب وتب».

فهنا كان قد قاطع العرب محمدًا حينما أتى برأي يخالف رأيهم، فهم كانوا يصدّقوه قبيل إدلاء رأيه حتى لو قال إن خيلًا تسلّق الجبل.

إن حال العرب اليوم كلّه بسبب أغلب الوُعّاظ والمستشرفين، والمتأسلمين. لطالما قد صدعوا رؤوسنا بفتاواهم التي تجيز قتل الملحد، ولا أعلم لِمَ لا يناضروه بدل القتل؟ ألا يثق هؤلاء الوُعّاظ بدينهم؟!

أصبحت العرب أمةً غبيَّة، لكونها قد رجعت لجاهليتها التي كانت عليها قبيل محمد النبي. فرجع الصراع على القبيلة، ورجع الصراع حول الحيوانات، وصراع الديِّة قد كثر أيضًا، وخصوصًا في هذه الأيام بالعراق. لكن اليوم صار صراع العرب عامةً مختلفًا نوعًا ما. فأصبحت صراعاتهم تتم حول السياسي، كما في العراق واليمن. ففي اليمن، تتصارع القبائل الموالية للحوثي مع القبائل الموالية للنظام.

تأثير القبيلة في سياسة المجتمع العراقي

أمّا في العراق، فالوضع مختلف وعويص قليل. لأن السياسة في العراق لعبة قذرة جدًّا، فالساسة في هذا البلد يستخدمون القومية والمذهب والقبيلة ذريعة لتنفيذ مخططاتهم. وبهذا يصبح الانشقاق داخل القبيلة نفسها. على سبيل المثال الحشد الشعبي، هناك قبائل مؤيدة للحشد، وهناك قبائل معارضة للحشد، وفي الوقت نفسه هناك قبائل منشقة في أمرها بين مؤيدٍ ومعارض.

كما معلوم أن القبائل العراقية فيها عضود وأفخاذ سُنيّة وشيعية، على سبيل المثال شمّر، جبور، قريش، طيئ، السادة والأشراف، الجنابات، دليم وزبيدة عامةً، وغيرها من القبائل. كل هذه القبائل والأفخاذ، في داخلها مؤيد ومعارض بالأساس. كمسألة داعش؛ فداخل سُنّة الجبور والجنابات ودليم وطيئ وحتى بعض شيوخها كانوا دواعش أو مؤيدين لداعش، لكن بالوقت نفسه هناك من تصدى لداعش من هذه القبائل كالشيخة أمية جبّارة، الشهيدة العراقية المعروفة.

وكذلك الحكم مع مسألة دخول الأمريكان للعراق، هناك قبائل وأفخاذ شيعية أيدت دخول أمريكا، أما الأغلب فقاتلوهم. وهنا نعرف أن احتلال العراق يكون سهلًا ما إن أشعل المحتل الحرب بين القبائل والمذاهب، تتم حينها السيطرة على البلاد تلقائيًّا. وهذا ما حدث فعلًا، فالأمريكان قد فجروا مرقد الإمامين العسكريين. واختاروا هذا المرقد الشيعي عن قصد، لأنّه يقع في منطقة سُنّية وبهذا أشعلوا الكراهية.

من الجدير بالذكر، أن القبيلة في العراق بمثابة دولة وسط دولة. أصبح العراقي يعتمد على أعمامه وأخواله أكثر من الدولة، وخصوصًا بالمناطق الريفية والبدوية، فتملك القبيلة العراقية خزينة أموال، وثكنات جيوش، وكدسًا للأسلحة، وحتى محكمة شرعية، وقانونًا قبليًّا.

على أي حال، فالواضح أن الساسة في هذا البلد مستفيدون من هذا الوضع، ويبدو لي أنهم قد سلحوا القبائل وزادوا نفوذهم عن قصد، فهم يستخدمون القبيلة للترويج عنهم وعن برامجهم الانتخابية الكاذبة والسافلة. كثير من الساسة العراقيون، يمطرون على الشيوخ القبلية أموالًا طائلة، فقط لأجل سماع الأشعار التي تمدحهم والأهازيج والدبكات. فإن العملية السياسية في هذا البلد يكون سريانها على طريق القبيلة، هناك نوّاب يصلون للبرلمان لأنَهم يقنعون قبائلهم بأنهم سيمثلونهم، وهناك نوّاب آخرون وهم شيوخ قبائل، يصعدون للبرلمان بأصوات قبائلهم فقط.

وهذه الظاهرة تنتشر بكثرة في العراق. من يقوي نفوذ المذهب والقبيلة في العراق هم الوُعّاظ والخطباء أنفسهم، فهم يسيّرون السياسة على هواهم، وهم ينشرون الأكاذيب والتعصُّب تجاه الدفاع عن السياسي وحفظ كرامته الديمقراطية! أحد الأصدقاء في فيسبوك نشر منشورًا ساخرًا مفاده:

ملخص السياسة في العراق؛ حرامينا أحسن من حراميكم!

الواقع أن تلك الأفكار يروَجها الوُعّاظ، فهم 24 ساعة على منابرهم يصرخون: دمرتوا العراق يا ساسة. لكن حينما نقول إن السيّد والشيخ الفلاني مشارك في دمارنا، لقالوا: تاج راسك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد