من المهم جدًا الانتباه إلى ما يخبرنا به الشخص لفظيًا، لكن ما هو غير لفظي أخطر وأبلغ، ففي كثير من المواقف والتصرفات، تُقَدَّمُ لَنا معطيات وبيانات غير لفظيَّة، أكثر صدقًا مِمَّا يُقال بِالكلمات، وعليه فإنَّ الافتراضات؛ وهي النَّهْج الأساسي أو المفترض، في علوم البرمجة اللغوية العصبيَّة، نظرًا لتقديمها إطار نظري لعمليَّة الإدراك، بالاستناد على كيفيَّة فَهم السلوك، وطريقة أخذ المعلومات. فبصرف النَّظر عن الافتراضات المُسبقة، التي تتعامل مع العلوم والمعارف والتقنيات من خلال تغيير البرمجة الذهنية، تُحتِّم علينا الوضوح والبيان قدر الإمكان، عند الشرح والتحليل، لاسِيَّما القوانين العقليَّة المتحكمة في كيفيَّة عمل الدماغ.
أوَّلها استحالة عدم التواصل، فمعنى الاتِّصال، يتم تَنْوِيله وإفادته، فقط من خلال الاستجابة الفِعليَّة، التي تَمَّ الحصول عليها، هذا يجعلنا نستنتج لاحقًا بأن الخريطة ليست هي المنطقة، والقرار المُتَّخَذ في وقت معين، هو أفضل قرار ممكن اتِّخاده على الإطلاق، فإذا كنت مؤمنًا بقدراتك، وَمُصرًا على تحقيق طموحاتك، فإنك تستطيع، والعكس صحيح. مع الأخذ بِعيْن الاعتبار أن عقول الجميع تعمل بشكل صحيح، طبقًا لما فيها من تجارب ومعارف وإمكانيات، لاَ مكان لجينات الخطأ والانكسار فيها، فجميع السلوكات يمكن تطويعها والاستفاذة، لاسيَّما وأن وراء كل سلوك هناك دائما نِيَّة إيجابية. لكن الإصرار المبالغ فيه، على العمل في نفس الظروف، وبنفس الإستراتيجيات، رغم الاخفاقات المتكررة غير مفهوم، فقد لا تكون عن وَعْي، نظرًا لإستحالة وجود الأخطاء الذهنيَّة المقصودة، بل كل ما هناك ردود أفعال مباشرة وغير مباشرة.

لهذا نلاحظ ونسجِّل داخل أي نظام إقتصادي، أو سياسي، أو اجتماعي، أو ثقافي، مهما كان نوعه، وكيفما كانت وظيفته، وهيكلته، وأيديولوجيته، سيكون الجهاز التنظيمي الأكثر انضباطًا ومرونة، هو صاحب أكبر عدد من الخيارات والقرارات الحاسمة، هو رأس الهرم، الذي سيحكم النظام بأكمله، سيتحكم في جميع فروعه، وتفرعاته، في حاضره ومستقبله. لأن الطبيعة البشرية لديها بداخلها الموارد اللازمة للنبوغ والنجاح، والسبل الكفيلة بتحقيق التغيير المنشود، لكن حركة الإنسان هي وحدها مَن تحدد الفرق. فقد يكون هؤلاء الفاشلون معذورين، لاسِيَّما وأنهم يتوهمون في النِّسَب غير اليقينية يقينا، فيعملون ليلًا ونهارًا، على إمكانية إثبات تلك اليقين. لكنهم ليسوا معذورين أبدًا، ولا نحن معهم، في الوثوق والإيمان بظنونهم هذه غير الواقعية، التي لم تجئ يومًا بأي خير يذكر، ولا أمل يُنتظر، زد على هذا وذاك، أنهم بظنهم هذا وإصرارهم عليه، يؤسسون داخل قواعد المجتمع، لأركان جهل أسود أعْوَر، ويوثقون بأيديهم تاريخ معرفي يُزْدَر ولاَ يُأْجَر. جاهلين أو متجاهلين لقاعدة أساسية في الوجود، تستدعي ضرورة إحكام حركة الإنسان، إلى نسبة يقينية مُدَلَّلَة ومجزوم بها. ليس فيها ظن ولا شك ولا وهْم ولا تقليد ولا جهل.

بناء نماذج ناجحة في المجتمع، يقودنا حتمًا إلى التَّقدم المَنشود والتَّمَيُّز المُنتظر. إذ لا سبيل له، سوى بتربية أجيال ملتزمة بالمبادئ، قادرة على التفكير النقدي، متمكنة من أدوات العقل، وعلى علم ودِراية بأن الجهل ليس إنعدام للعلم والمعرفة داخل فكر الإنسان، بل إمتلاء للذهن بعلم ومعرفة غير واقعية وغير مُدلَّل عليها، مع الجزم بصحتها. وهو أعظم خراب من الأمِيَّة، التي تعتبر فقط مؤشر، على وجود حيز صغير فارغ، من الفكر والعلم والمعرفة داخل الأذهان. هنا يتضح لنا جليًّا، بأن خراب المجتمعات الحقيقي نابع أصلًا من الجهل، لكن تمت كَوْلَسَته لاتهام الأُمِيَّة بالجُرم، مع سبق الإصرار والترصد، قصد الاستمرار في تفريخه إلى ما لا نهاية. لأن جسم الإنسان وعقله مترابطان بشكل عجيب ورهيب، ويؤثر كل منهما على الآخر.

كل تفكير عابر، أو أي فكرة قارَّة، ستسبِّب رَدَّة فعل جسدي، بمعنى أدق؛ عِلم وظائف الأعضاء في حَدِّ ذاته وظيفة من حالتنا العقلية، والأعراض الجسدية هي الركيزة التي تُظهر عواطفنا، كتحصيل حاصل للتغيرات في أفكارنا، والمزيد من المظاهر المرضيَّة مثل الألم، الذي سوف يُظهر نفسه علانية، مع الأعراض المتعلقة بالجهاز الدوري أو جهاز الدوران، وهو الجهاز الذي يتحرّك الدم من خلاله في الجسم، ويتكون من القلب، والأوعية الدموية، والدم، حيث يتمّ نقل الدم الغنيّ بالأكسجين من الرئتين والقلب إلى جميع أنحاء الجسم عبرالشرايين، ثمّ يمر الدم بعدها عبر الشُّعيرات الدموية التي تقع بين الشرايين والأوردة، ثمّ يعود الدم غير المُشبع بالأكسجين إلى الرئتين والقلب عبر الأوردة.

أما الخوف يظهر عادة مع أعراض الجهاز التنفسي، والجهاز الهضمي وهكذا دواليك، نسبة كبيرة جدًّا لا يستهان بها مِن الأمراض البشرية المستعصية على العلاج، لها أصل نفسي وذهني، من نزلات البرد التي يعاني منها الأطفال المنفصلون عنهم آبائهم وأمهاتهم في سن المدرسة، وصولاً إلى بعض حالات السرطان، التي قد يكون لها أصل غائر في المشاعر السلبيَّة الجسدية، وما هو متوقع يميل دائمًا إلى الرغبة المُلحة، في تحقيق الرغبات والمخاوف المسببة للفكر صورًا ذهنية متكررة، يقوم اللاوعي بأخذها كأنها حقيقية، فيعمل على تحريك جميع الآليات اللازمة والمتوقعة لتحقيق ذلك. بعدها سيقول المتشائمون، بسوء الظن والتشاؤم، ويعتقد المتفائلين بحسن الظن والتفاؤل. لكن في النهاية كل واحد ونظرته إلى المستقبل، إنه تكييف إيجابي أو سلبي. يتجلَّى بوضوح في النبوءات التي تتحقق ذاتيًا، فحتى في الحالات التي حدث فيها خطأ تشخيصي، ثبت دراسيًّا أن المريض كان يميل إلى الموت، خلال نفس الفترة المتوقعة.

غالبًا ما يكون الخيال أقوى من المعرفة، أو مِن المعلومات المتوفرة نفسها؛ ولهذا السَّبب نواجه أحيانًا سلوكيات يمكن وصفها بأنها غير عقلانية، لاَسَيَّمَا عندما ينفصل الشخص عن مشاعره، ويتصرَّف في نظر الجميع بطريقة غير مفهومة. لأن الخرافات الشائعة، والشعودة المنتشرة، والمعتقدات الخاطئة، والمخاوف الموروثة، أعْمت البصائر، وألْغَت العقول، والعقلانية فينا، ومَيَّعَت مجتمعاتنا، والأخطر مِن كلِّ هذا وذاك أنها تدفعنا جميعا إلى الهاويَّة، والتخلي الفوري غير المشروط عن العمل بالأسباب، كما تحثُّنا على التصرف كما لَو أنَّنا فقدنا عقولنا وأذهاننا. فبمجرَّد قبول العقل اللاواعي للفكرة، سيبقى رهينة لها، سجينًا لَخَبيَاها، حتَّى إشعار آخر، إلى أن تحلّ محلها فكرة أخرى جديدة أقوى وأشمل وأعمق منها؛ إن الأفكار التي تعتبر صالحة، تُوَلِّدُ معتقدات، وتؤدي بدورها إلى سلوكيَّات، أما إذا عششَّت واستمرَّت، فإنها مع مرور الوقت تصبح عادات قارَّة وثابتة، في أذهاننا كنمط مُعيَّن من السلوك. فكلَّما طال أمد المعتقدات، كلَّما كان من الصعب تغييرها، إلاَّ أنَّ إمكانية تعديلها ممكن، طالما تَمَّ استبدالها فيما مضى، بأخرى، أفضل بكثير مَن سابقاتها، يقبلها العقل اللاوعي.

كل تغيير مفاجئ في أركان الفكرة يتم تطبيقه، سيقلِّل من مقاومة التغييرات اللَّاحقة، ففي كل مرَّة يقبل العقل اللاَّوعي تعديل المعتقدات القديمة، إلاَّ ويزيد من مرونته، وبالتالي يسجِّل قدرته على قبول أفكار أو اقتراحات جديدة، فتميل المشاعر الأقوى إلى السيطرة التامة، والاستحواد الفعلي، عن المشاعر الضعيفة، فإذا كان الشخص مثلًا يعاني من الخوف والغضب في نفس الوقت، فإن الشعور أو العاطفة التي سيزداد بأسها وتكبر شدتها، ويَذِيع صيتها، ستكون هي التي تتجلَّى وتقوم بإبطال الأخرى على الفور، سيسود الخوف على الغضب، فتقل المقاومة أو ستنعدم، وسيخشى الشخص الأخر وسيضعف وينهار من أجل بقائه على قيد الحياة، وبدلًا عن اتخاد قرار الدفاع ورد الهجوم بهجوم أشرس منه وأعنف، سيضطر للهرب. وهذا ما يفسر القمع الهمجي المبالغ فيه، للسيطرة على شعور الانتفاضة الغضب وتحويله إلى خوف وهروب واستسلام، لأن المعركة الحقيقية عقلية ذهنية بامتياز، تتكرر باستمرار سواء كانت داخل عقل الإنسان وذهنه، أو خارجه، بينه وبين طرف آخر في مجتمعه.

لا يمكن للعقل أن يبقى رهينة فكرتين متعارضتين نشيطتين، دون الخوض في نزاع شديد مُسلَّح بينهما، هذا يعني أن التضارب الواضح والصارخ، بين المعتقدات والسلوك، يتنج عنه توتر داخلي، قد يؤدي عاجلًا أم آجلًا، إلى حدوث آثار ضارة، على الجهاز العصبي والمناعي؛ مما يجعل الشخص المحاول دائمًا الحفاظ على سلوك يتناقض مع قواعده الأخلاقية، سينتهي به المطاف لا قدر الله بين أحضان مرض شديد الخطورة، اعتمادًا على حجم العداء الذي ينغمس فيه. كلما زاد الجهد الواعي، كلما قلت الاستجابة اللاواعية؛ أي كلما حاولت القيام بشيء ما بوعي، كلما قلت فرصة تحقيقه. لقد اختبرنا جميعًا أنفسنا عند إجبارها على تذكر أمر ما، فلن نجد ما نبحث عنه أبدًا، أو أن الشخص الذي يسعى بقوة الوعي إلى النوم كل ليلة، لديه كل المكونات والأسباب ما يكفي ليصبح في النهاية أكثر أرقًا. ولهذا فمن الضروري جدًا أن نفسح المجال أمام تدفق الجهد الواعي، وتَركه يَنْتَشِئ بكل ثقة وسلاسة، في نفسك ونفسيتك، حتى يجعل من السهل جدًا على اللاشعور التفاعل معه، والانصياع لأمره، فيُظِهر ردة فعل تلقائية، سَتُكَلَّل بالنجاح بإذن الله سبحانه وتعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد