يلعب الفنان الراحل أحمد زكي في فيلم “البيضة والحجر” الذي قدمه في مقتبل التسعينيات دور طه مستطاع التعظي وهو أستاذ فلسفة يروج لأفكار حول ضرورة استخدام العقل لمواجهة واقع فاسد فينصح تلاميذه بمحاربة الغلاء بالاستغناء، يصل صدى أفكاره لدائرة زملائه المدرسين ومديره البيروقراطي حتى بلغت تلك الرؤى الأجهزة الرسمية والأمنية ليواجه بعدها سيلًا من الاتهامات المتناقضة بشكل ساخر بين الترويج للشيوعية والترويج للتصوف وللزهد المتطرف، فيجيب أمام محققه ساخرًا:

– هو فيه شيوعي متصوف؟! يا فندم أنا صاحب مبدأ في الحياة.

تلمع عينا محققه بظفر صياد حاصر فريسته ويكتب:

– وها قد اعترف المتهم بأنه صاحب مبدأ.

في سيناريو بديع للراحل محمود أبو زيد، يشرح أزمة مثقف تسعيناتي يسعى للسير مستقيمًا في أرض ملتوية، للنجاة بعقله في مجتمع يجرده من مبادئه ونزاهته ويجعلها تهمة تستحق العقوبة. تكون تلك نقطة تحول لعقل طه مستطاع التعظي الذي حاول أن يصلح بأفكاره واقعه فأوردته تلك الأفكار موارد الهلاك وجعلته متهمًا بتهديد أمن الدولة القومي ونشر أفكار هدامة، يكفر هذا الرجل بواقعه ويدرك عبث تمسكه بمبادئه فيسخر هذا العقل في سبيل مكاسبه الشخصية، تتحول فلسفته الصادقة لدجل كاذب بلغة ذات ألف وجه وهي التي تناسب مجتمع وصل أفراده لحالة من الضعف تجعلهم يقدسوا الخرافة التي تخبرهم عن غد أفضل، صار خلاصه الفردي هو الكفر بمجتمعه وتقديم الخلاص الكاذب للبائسين، صار دجالًا شهيرًا يشار له بالبنان ويتمسك الناس برؤاه الفلكية ومعرفته بالغيب.

في صباح قاهري حار تجد رجلًا أربعينيًّا يجلس في مصلحة حكومية ما وقد وجد خلاصه الفردي من مجتمع لا يعبأ بمرتبه القليل الذي لا يكفي أسرته في درج مكتبه المفتوح دومًا لسيل الإكراميات لإنهاء عمل من المفترض أنه موكول بأدائه مجانًا، وتزين الخلفية صورة بإطار مذهب للفظ الجلالة وأسفلها أدعية متفرقة عن أن خير الناس أنفعهم للناس.

هناك صبي يلتفت يمنة ويسرة في قلق ثم يبتسم مطمئنًا في لجنة امتحانات يسودها القلق والتحفز وقد وجد خلاصه الفردي باكرًا وابتكر طريقته للغش لينجو بدرجات أكبر في امتحان تافه بنظام تعليمي غير مؤمن بجدواه.

هناك رجل خمسيني يدخن نارجيلة متلمظًا بخلاصه الفردي من قلة أرباحه وأجولة الدقيق تخرج من مخبزه لسوق سوداء قبل أن تأتي طوابير البؤساء مطالبة بحصصها اليومية من الخبز.

هناك ألف شخص آخر وجد خلاصه الفردي وباع جزءًا من روحه في سبيل البقاء بمجتمع لا يقبل بحرية أو عدل وإنما بخلاص فردي مشين لأفراده ليقتاتوا على معايشهم بتسميم فطرتهم وأرواحهم، تتقاطع وتتشابك سبل الخلاص الفردي لتحيط المجتمع البائس بسلاسل من الفساد والعفن الفردي التي تحرم هذا المجتمع ككل من أي خلاص جماعي.
يجتمع ليلًا صديقنا الأربعيني بعد يوم شاق بمصلحته الحكومية ويجلس جوار صديقنا الخمسيني الذي أنهى عمل مخبزه بأرباح مضاعفة، وفي أقصى زاوية بالمقهى يجلس صبيًّا مع أقرانه وقد اجتازوا مادة بائسة بنجاح ولا يذكرون من هرائها شيئًا بمجرد أن سلموا ورقة الإجابة للمراقب المتشكك على الدوام، يظهر على الشاشة مذيع متحمس معلنًا بغضب نبأ تنازل أحدهم عن جنسيته المصرية مقابل الخلاص الفردي والهجرة لأمريكا, يبصق الرجلان بحماس على صورته ويعلنا عمالته وخيانته لأنه لم يواجه مصيره كرجل، ما الضير في 490 يومًا مضربًا بلا طعام أو شراب؟، ما الضير في أن تتعفن في السجن ما دمت ستتعفن مصريًّا خالصًا؟

تلمع عينا الصبية ويفتعل أحدهم سبابًا مقذعًا بينما لا تخفي أعينهم لمعة حسد حار لشاب وجد النهاية السعيدة في بلاد العم سام التي يفصلهم عنها سنوات من اللاوعي والتحايل على أنظمة تعليم بالية وسنوات من الكد لأجل حقوق برص محترم في مسكن ومأوى وزوجة، وسنوات لجمع رصيد مالي يسمح بالسفر.
ينفض الجمع ويعود أصدقائي لمنازلهم بحثًا عن يوم جديد يمارس كل واحد منهم خلاصه الفردي على طريقته, ويمارسون وطنية البصاق على من تجرأ ومارس خلاصه علنًا دون أن يرتشي أو يغش أو يمارس الدجل أو يتاجر بقوت بؤساء أو يبيع روحه يوميًّا.

في نهاية فيلم “البيضة والحجر” يحاول طه التعظي أن يقنع الأجهزة الرسمية التي حاكمته في البداية على مبادئه أنه بالفعل دجال وكاذب يبيع الوهم لعوام يبغون أن يصدقوا أي أكذوبة تعينهم على الحياة، لكنه يواجه بإيمان راسخ لدى الجميع بصدق وهمه وبتقديسه فلا يجد مناص من العودة لممارسة دجله بسعادة أمام عوام مصرين على الانخداع له ويبتسم متذكرًا مقولته:
“ويل للعالم إذا انحرف المتعلمون وتبهيظ المثقفون”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد