على عكس الفتور الذى يبديه قطاع عريض من المصريين عامة والإسلاميين منهم خاصة تجاه الانتخابات البرلمانية الحالية, يضع صناع القرار فى النظام المصرى سير الانتخابات نصب أعينهم محاولين الرسو بالانتخابات نحو بر الأمان, ولكن ترى ما هو بر الأمان بالنسبة لهم, وما الذى يطمحون إليه؟

 

 
“فرق تسد” , ربما يكون هذا المثل الشهير هو أبلغ ما يمكنك وصف أهداف النظام المصرى به حاليا ؛ فهو يعلم أن نجاته واستمرار سياسته تكمن فى نجاحه فى تفريق مقاعد البرلمان بين المستقلين وبعض الأحزاب فى حدود معينة، بحيث يضمن عدم وجود أغلبية لحزب معين تستطع أن تزاحم النظام الحاكم فى اتخاذ القرار وتقويم وجهة الدولة, لكن كيف يحاول النظام المصرى ضمان حدوث ما يبتغيه؟

 

 
للإجابة عن هذا السؤال ينبغى أن نلقى نظرة على القوى السياسية الموجودة على الساحة حاليا ونبين مواطن ضعفها ومواطن قوتها وكيف يتعامل النظام مع كل منها.

أولا: الأحزاب الليبرالية

لعل أبرزها حزبا المصريين الأحرار والوفد , بالطبع الأخير يعانى من ضعف شديد حتى أن أشد المراقبين تفاؤلا يعتقد أن حزب الوفد لن يتجاوز حاجز 10% من مقاعد البرلمان، لذا فهو لا يمثل أى إزعاج للنظام المصري، بل على العكس، فحتى نوابه فى المجالس السابقة كانوا يمثلون الجزء المستأنس من المعارضة المصرية.

 
أما حزب المصريين الأحرار فهو يمثل قلقا لدى النظام المصرى؛ فمن المستحيل استبعاده من الحياة السياسية فى ظل الدعم الكنسى القوى له، و يظل مستبعدا أيضا ترويضه فى ظل سيطرة فكرة الاستحواذ، والصدام مع مكونات رئيسة من المجتمع المصرى على فكرة مؤسسه:

 

 
فمؤسس الحزب ـ رجل الأعمال المصرى نجيب ساويرس ـ لا يخفى سعيه الحثيث للسيطرة على مجلس النواب القادم متسلحا بسلاحى المال السياسى والدعم الكنسى لفرض شكل الدولة العلمانية التى صرح مرارا وتكرارا بحتمية تحول مصر إليها، إلا أن حزب المصريين الأحرار يعانى من عاملى ضعف شديدين، ألا وهما :

 

 
– ضعف المرشحين: فأغلبهم شخصيات غير فعالة فى المجتمع، و ليس لها أى رصيد على أرض الواقع، إنما يدينون بالولاء لمؤسس الحزب، ويعتمدون بشكل مطلق على الدعم المالى السخى المنساب من خزائنه.

– بغض كثير من المصريين، خاصة الإسلاميين لشخص وحزب نجيب ساويرس؛ نظرا لتصريحاته الصادمة المعبرة بشدة عن كراهيته الشديدة لكل ما هو إسلامى, ولقد اصطبغ حزبه بهذه الصبغة، وبدا جليا تحيزهم الشديد ضد كل ما يحمل الهوية الإسلامية، وعداؤهم الشديد، وحربهم الشعواء على حزب النور السلفى: الممثل الوحيد للتيار الإسلامى فى تلك الانتخابات. ويظل النظام المصرى حائرا فى أسلوب التعامل الأمثل مع ساويرس، ورجال حزبه، إلا أنه يترقب جيدا تحركاتهم، ولن يتعرض لهم ما داموا لم يمثلوا بعد تهديدا صارخا لأركان عرش السيسى ورجاله .

2- قائمة ” فى حب مصر”

لعل أغلب المراقبين للشأن الداخلى المصرى يكادون يجزمون بأن تلك القائمة هى الممثل الرسمى للدولة العميقة فى مصر، وتحظى بدعم خفى من جهات نافذة فى النظام الحالى: فهى تعد لتكون الظهير السياسى للنظام داخل البرلمان، ومعظم المنتسبين إليها مجهولين تماما بالنسبة للمهتمين بالشأن الداخلى المصرى، فضلا عن الشارع المصرى، الذى لا يعرف سوى أن تلك القائمة تحظى بدعم “الناس الكبيرة”!

لقد كان يعتقد الكثير من الساسة والمثقفين أن أعضاء تلك القائمة هم مجموعة من المنتفعين من القرب من النظام، الساعيين لمصالحهم الشخصية دون تحيزهم لفكر أيديولوجى معين، إلا أن التصريحات الأخيرة للمهندس أحمد السجينى ـ المتحدث الإعلامى باسم قائمة “فى حب مصر” لغرب الدلتا ـ اجتثت ذلك الانطباع من جذوره؛ فلقد أعلن بوضوح أن معركة قائمته مع قائمته حزب النور “ليست مجرد معركة انتخابية،

وإنما معركة حول هوية الدولة: إسلامية أم مدنية؟ “ولذا فلقد بات من الواضح أن فكر تلك القائمة قريب من الأحزاب الليبرالية، إلا أن مصالح أفرادها مرتبطة بشكل أقوى بالنظام القائم، لذا فهو ـ أى: النظام المصرى ـ يسعى لتقوية حظوظها فى الحصول على أكبر حصة من مقاعد البرلمان.

وربما كانت تلك القائمة الوحيدة التى لا يستخدم معها النظام المصرى قاعدة “فرق تسد”، بل على العكس، إنه يتعامل معهم بالمثل الشعبى المعروف” قدم السبت تجد الأحد” وربما الاثنين والثلاثاء أيضا.

3- الجبهة المصرية:

تعد الجبهة المصرية ومؤسسها الفريق أحمد شفيق لاعبا مزعجا للنظام القائم , فلقد ضمت الجبهة عددا ضخما من فلول نظام مبارك، وتحالفت مع عدد كبير من المؤيدين لعودة النظام السابق المؤمنين بأحقية الفريق شفيق فى الرئاسة، فإذا كان باب الرئاسة أغلق، فنافذة البرلمان لا زالت مفتوحة.

 

 
وفى ظل سعى النظام لخلق مؤيدين له غير محسوبين على النظام السابق، ولا الأسبق، ورفضه فى عدة تصريحات عودة رجال مبارك , تحتدم المعركة من خلف الستار بين السيسى وجماعته وشفيق وجماعته، فالساحة لا تسع الاثنين، ومحاولة شق صف الجبهة المصرية قائمة على قدم وساق, فالسيسى يرفض رفضا مطلقا عودة شفيق؛ لما يعنيه هذا من تحلق رجال مبارك حوله، وإذا اتحد شفيق مع جمال مبارك مع أحمد عز، وكونوا معا جبهة سياسية واحدة فهذا يعنى وبوضوح زلزلة عرش السيسى, ولذا فمتخذو القرار فى النظام المصرى جعلوا من مصر أرض محرمة لشفيق؛ فعودته تعنى استحالة القضاء على جبهته وتفريقها إذا استشعر النظام المصرى أنها بدأت تمثل خطرا عليه, لذا فهو يكتفى حاليا بمنع شفيق من العودة ودس بعض أتباعه ومؤيديه بين صفوف الجبهة المصرية ليضمن أن من سيلجون إلى البرلمان على جواد الجبهة سيظلون نواب خدمات لا خطر منهم على السيسى ورجاله .

4- المستقلون:

لعل أكثر القوى السياسية غموضا حتى الآن هم المستقلون! فلا أحد يعرف لأغلبهم توجها سياسيا معينا؛ فهم ـ حتى الآن ـ متفرقين بالفعل دون أى تدخل من النظام المصرى، إلا أنه لا ضمانة على استمرارية هذه الفرقة بعد دخولهم للبرلمان، وسيظل يحوم حول بعضهم على الأقل بعض التساؤلات وعلامات الاستفهام إلى أن تسفر الأيام القادمة عن الحقائق كلها.

5- حزب النور :

حزب النور حاليا يخوض معركة وجودية: فإما ينتصر، ويكتب له وللفصيل الإسلامى الاستمرار، وإما يهزم وتمتد السكاكين نحو رقبته ورقبة ما تبقى من مشروع إسلامى.

 
فالحزب الآن يتعرض لوابل كثيف من الهجوم والتشهير، ليس من جهات رسمية فحسب ـ كبعض المسئولين وبعض الصحف الرسمية ـ وإنما أيضا يتعرض لسهام الإعلام الخاص الممول من رجال أعمال أغلبهم محسوب على التيار العلمانى، لعل أبرزهم نجيب ساويرس, ولم يوجه الانتقاد الشرس من تلك الشخصيات والقنوات العلمانية فحسب، وإنما امتد أيضا لشخصيات سلفية معروفة، بالإضافة للحملة الشرسة من جماعة الإخوان المسلمين.

الإزعاج الشديد الذى يسببه الحزب السلفى لكل تلك التيارات لعله دليل واضح على وجود الحزب القوى بين ربوع مصر؛ فمن يهتم كل هذا الاهتمام، وينفق ببذخ للتشهير بحزب لا وجود شعبيا؟

 

 
ولقد امتد القلق من تنامى شعبية الحزب إلى رجال بارزين فى النظام المصرى مما حدا بهم إلى إطلاق سراح بعض الأقطاب السلفية المعروفة بعدائها الشديد مع حزب النور؛ فى محاولة لزيادة الضغط على الحزب، لتقليل فرصه فى حصد مقاعد مجلس النواب القادم, ولاشك أن نجاح قيادات الحزب فى الحفاظ على جزء كبير من حاضنته الانتخابية فى خضم هذا الهجوم العنيف من أغلب اللاعبين السياسيين على الساحة بما فيهم الدولة ذاتها، لهو دليل قوى على حنكة، وذكاء القائمين على ذلك الحزب الذى يأبى، إلا أن يظل رقما صعبا فى المعادلة السياسية المصرية لكل الأطراف.

 

 
أى انتصار قوى سيحققه الحزب سيعنى أن مسار المقاطعة الذى اتخذه بعض الإسلاميين كان مسارا فاشلا , وكذلك مسار العنف الذى انتهحه آخرون هو أيضا مسار فاسد, كما أن أى انتصار قوى للحزب يعنى ضربة موجعة للأحزاب والقوى العلمانية التى اعتقدت أن بإسقاط الإخوان سقط المشروع الإسلامى إلى غير عودة. ترى أينجح النظام المصرى فى لعبة ” فرق تسد” أم أن رياح الإنتخابات ستأتى بما لا تشتهى السفن؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

انتخابات, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد