لم يعد لدى الشعب المصري غير سيرته، توحد معه، فرح لفرحه، تابع كل مبارياته؛ حتى أصبح فريق ليفربول بمثابة المنتخب الوطني لديهم.

نعم هو محمد صلاح، ذلك اللاعب المصري نجم منتخب مصر، و المحترف بصفوف نادي ليفربول الإنجليزي، ها هو نجم ساطع في السماء، بعدما أصبح منافسًا قويًا لأفضل لاعب في العالم البرتغالي كريستيانو رونالدو، وأغلى لاعب في العالم نجم برشلونة الإسباني ليونيل ميسي، بعدما حصل على جائزة رابطة لاعبي كرة القدم المحترفين في إنجلترا لأفضل لاعب في الموسم 18 (2017)، كما أنه يعتير أول مصري يتصدر جدول هدافي الدوري الإنجليزي الممتاز، حيث قاد فريقه إلى نهائي دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى منذ عام 2008.

والعجيب واللافت في الموضوع هو مدى حب المصريين له بهذه الطريقة، وبهذه الحفاوة، وبهذا التقدير غير المسبوق، ويكأنه واحد من أفراد عائلتهم، رغم أن صلاح لم يحقق إنجازًا علميًا، أو ابتكارًا طبيًا، أو اختراعًا ماديًا، هو فقط كل ما فعله أن اجتهد في عمله، وأحب فريقه، وآمن بروح العمل الجماعي، وأصر على النجاح، وتحقيق حلمه، فحققه بتوفيق من الله أولًا واجتهاده ثانيًا، وغيره الكثيرون – بالمناسبة – ممن يحققون إنجازات في مجالات ربما تكون أهم من اللعب، ويرفعون اسم بلدهم أثناء تكريمهم على هذا الإنجاز، لكن ربما لسبب ما غير معروف حتى الآن لا يسلط عليهم الضوء مثل لاعبي الكرة، وأهل الفن والإعلام.

لكن أعتقد في تقديري المتواضع أن سبب الضجة الكبيرة التي صنعها صلاح على الصعيد المصري، ليس بسبب الإعلام وحده، حيث التضخيم في الحدث واستغلاله ربما لخدمة مصالحهم، لكن هناك سببًا آخر، وهو تعطش الشعب المصري للفرحة والاتفاق على شيء واحد بعد انقسامه لفرق، وتخوين بعضهم البعض، واتهام البعض الآخر بالعمالة، نعم حماس الناس البسيطة بالشوارع وحبهم الصادق لصلاح وفرحتهم بكونه مصريًا مثله مثلهم، بسيط من قرية فقيرة، واستطاع الوصول للعالمية وتحقيق حلمه، في الوقت الذي يضيع حلمهم، وتقتل آمالهم في العيش ببيئة آدمية مليئة بالحب، وخالية من الكراهية والفساد، يعطيهم أملًا من جديد، أو على الأقل يشعرونهم بفرحة هم في أمس الحاجة إليها، هذا غير مساعدة صلاح لأهل قريته وتبرعه للعديد من الحالات الحرجة والمحتاجة بملايين الجنيهات، فلم يبخل بماله، ولم ينكر أصله، هذا غير تواضعه مع جماهيره، كل هذا كان سببًا قويًا في إجماع الناس على محبته.

نعم هو ذلك التوقيت أيضًا الذي جاء فيه محمد صلاح، حيث شعر الشعب المصري بأنه طوق نجاة من الظلم وغياب العدالة وتكافؤ الفرص، بأنه مثال حي ونموذج لكثير من الشباب المحبط اليائس من حياته، فهو بمثابة الأمل الذي مات مع شبابهم، والأحلام التي دفنت مع طموحاتهم، حيث كان بمثابة الطاقة الإيجابية وسط كم هائل من الطاقات السلبية والإحباطات التي أصبحت تلاحقهم في كل مكان.

أما على الصعيد العالمي، فربما تحدث واهتمام وسائل الإعلام الغربية به، لكونه أول مصري مسلم يحقق ذلك الإنجاز في تاريخ كرة القدم، هذا بالإضافة إلى أخلاقة وتواضعه مع الجميع وحرصه على إظهار وانعكاس الدين الإسلامي على تصرفاته مع كل سجدة يسجدها بعد كل هدف، في إشارة منه غير مباشرة إلى أن الدين الإسلامي بعيد كل البعد عن الإرهاب وعن التهم التي دائمًا ما يلصقونها به عن عمد.

نعم هو محمد صلاح الذي أسماه البعض فخر العرب، وأطلق عليه آخرون صلاح الدين الأيوبي، ووضعه نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي محل النسر في العلم المصري، كل هذا الاحتفال الذي أراه مبالغًا فيه، ما هو إلا انعكاس لمدى اشتياق المصريين لفرحة يجتمعون عليها جميعًا، دون أي اعتراض، أو تخوين، أو نبرة سخرية من وجهة النظر الأخرى، وهو أيضًا دليل على أن نفوسنا بالفطرة محبة للغير غير حاقدة تتمنى التوفيق والنجاح لأي شخص مجتهد، ويزداد حب الوطن في دمها ويجري في عروقها عندما يعلو، ويرتفع اسم أي مصري في وسائل الإعلام الغربية، وهذا دليل آخر على حبهم لوطنهم وبلدهم الذي يظهر في مثل هذه المواقف مثلما يظهر تمامًا عندما ينتقدون أو يثورون أو يعبرون عن استيائهم لوضع معين في وطنهم الذي يرغبون في تغييره للأفضل في تغييره للعيش بداخله بحرية وكرامة وعدالة اجتماعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك