«حين يصل القرار السياسي – أي قرار سياسي – إلى الإقرار بأنه لا يملك بدائل غير ما هو معروض – أو ما هو مفروض عليه، إذن فأن العمل السياسي يفقد أهليته وشرعيته، وينزل بالقائم على أمره من بطل في رواية إلى كومبارس متكلم في مسرحية!» محمد حسنين هيكل

تُرى ما الذى سوف يحدث في 11/11 ؟

ذلك هو السؤال الذى أصبح الجميع في مصر يتحدث عنه المؤيدين قبل المعارضين. الأغرب هو أن النظام الحاكم وأجهزته والجماعات المحسوبة عليه يحاولون التهوين من شأن هذا اليوم ويؤكدون أنه سيمضى بدون أية مُشكلات.

ولكن كثرة التهويل الذى يقدمه هؤلاء في الحط من شأن هذا اليوم يعكس قلقًا حقيقيًا وخوفًا أصبح مرئيًا وخطرًا صار يستشعره هذا النظام.

فالنظام اليوم يتصرف في معالجة الأزمات على طريقة مقولة الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت «تكلم بلطف واحمل عصا غليظة».

فهو يتحدث بمنتهى الرقة، ولكن تصرفات أجهزة النظام تنطلق بمنتهى الغلظة.

وذلك يخلق فجوة تتسع كل يوم بين القول والفعل، وبين الظاهر والباطن، وبين المعلن والخفي، وكل ذلك يخصم حتمًا من شرعية النظام.

السيسي وسط المؤسسة العسكرية

ولعل أبرز الأمثلة على صحة قلق وخوف النظام تجلت في قول الرئيس السيسي في أحد لقاءته حين قال «الجيش يقدر ينتشر في مصر كلها في 6 ساعات، الخطة معمولة كده إن الجيش ينتشر في كل حتة مصر في 6 ساعات فقط».

رابط تصريحات الرئيس:

https://www.youtube.com/watch?v=EJLBLOXjeAk

وأثارت تلك التصريحات وقتها جدلًا وتساؤلات واسعة عما يقصده الرئيس من ورائها؟ هل هو التهديد العلني؟ أم شيء آخر؟!

وكانت تصريحات الرجل مع أفعال حكومته مليئة بالغموض ومُثيرة للقلق وموقظة للشك إن الحالة المصرية اليوم حالة ضبابية تجمع ما بين الارتباك والاحباط والغضب.

ولعل أبرز مثال يجسد حالة حالة الارتباك:

هو تصريح رئيس الوزراء الذى قال فيه «بأن أزمة السكر قد تتكرر مع سلع أخرى».

ولعل أبرز الأمثلة على حالة الاحباط والغضب التي تنتاب الشارع المصري يتجليان في مشهدان لمواطنين مصريين بسطاء ومعها حالة النظام وحكومته اليوم.

المشهد الأول – هو لمواطن مصري بسيط خلع ملابسه في الشارع وظل يصرخ من صعوبة الحياة ويتساءل عن أين الرئيس وحكومته والمنافقين لهم مما يحدث له؟ كلماته عكست بعمق «الظلم الاجتماعي وسوء توزيع الثروة في مصر».

مشهد للمواطن البسيط:

والمشهد الثاني – لكلمة سائق «التوكتوك» الذى استضافه أحد مقدمي البرامج وتحدث عن مصر ماضيها وحاضرها وأبرز ما قاله «أنه شكك في سياسات النظام وفي المشروعات الكُبرى التي يعتبرها النظام الحاكم اليوم دُرة التاج في حكمه (مثل تفريعة القناة والعاصمة الجديدة!) وتعجب من صورة مصر التي يحاول تصديرها منافقين النظام في الاعلام الخاص وبين حقيقة الصورة كما يراها المواطن البسيط على أرض الواقع». كلماته تعكس «سوء إدارة الواقع في مصر».

مشهد لسائق التوكتوك:

ووجدت تلك الكلمات صدى واسع للغاية بين المصريين الذين شعروا بأن كلمات الرجلين وغيرهم كُثر قد عبرت عما بقلوبهم قبل عقولهم.

وأما حالة النظام وحكومته اليوم نجد

أنه في الوقت الذي تشهد فيه مصر أزمة اقتصادية حادة، حاول النظام المصري أن يتخطاها من خلال قرض صندوق النقد الدولي الذي تصل قيمته إلى 12 مليار دولار على دفعات مختلفة، في حين سارعت الحكومة من خلال تصريحات متكررة إلى الإعلان عن اكتمال مبلغ الـ 6 مليارات دولار، وهو الشرط المطلوب للحصول على الدفعة الأولى من قرض صندوق النقد (2.5 مليار دولار) والتأكيد على أن حصول مصر على الدفعة الأولى من القرض سيكون خلال شهر أكتوبر (تشرين الثاني) الجاري.

وبالرغم من مسارعة النظام في الحصول على القرض، إلا أن قرار تعويم الجنيه (أو تخفيض سعره)، وتخفيض الدعم عن الوقود بنسبة 20-25%، اللذين كان من المفترض الإعلان عنهما مسبقًا كأحد الشروط اللازمة للموافقة على القرض والحصول على الدفعة الأولى منه بحسب تصريحات «كريستين لاجارد» مدير عام صندوق النقد الدولي، لم يتم الإعلان عنهما.

بل إن الحكومة على لسان رئيس الوزراء أعلنت أن مصر حصلت فقط على 60% من مبلغ الـ 6 مليارت شرط القرض، ومن ثم احتمال تأخر الدفعة الأولى من القرض إلى شهر يناير (كانون الثاني) أو فبراير (شباط) العام القادم 2017، دون الإشارة إلى موعد محدد لإعلان قراري تعويم الجنية وخفض دعم الوقود.

إن مشهد الحكومة وتصريحاتها المتكررة والمتضاربة بشأن قرض صندوق النقد بدا واضح الارتباك، وربما يمكن تفسير تأخر الحكومة في إعلان قراري تعويم الجنية وخفض دعم الطاقة، مردود إلى:

تخوفات من حالة غضب شعبي بسبب القرارات التي ستؤدي إلى ازدياد التضخم وارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، وتزيد من حجم الأعباء في الوقت الذي يعاني فيه الشعب المصري من ارتفاع حاد في أسعار السلع الغذائية وأزمات متكررة تتعلق بالسلع التموينية الأساسية (السكر والأرز) مثال.

أزمة السكر في مصر تُظهر عجز النظام عن إدارة الواقع

القلق من اتخاذ مثل تلك القرارت الاقتصادية القاسية قبل الدعوات التي تنادي بـ«ثورة الغلابة».

في الحادي عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والتي ربما تتسبب في زيادة حالة الاحتقان والغضب الموجودة في الشارع، وربما توفر الزخم اللازم لدعوات التظاهر في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ويظهر من تردد النظام في اتخاذ الحزمة الأخيرة من القرارات «المؤلمة» الخشية الحقيقية من تبعاتها، وإمكانية استخدامها، حتى لو لم يترتب عليها ثورة شعبية حقيقية من قوى في الداخل أو الخارج تسعى لإحداث تغيير ما في شكل النظام وأشخاصه.

وعلى كل حال فقد ظل الارتباك ظاهرًا، والإشارات متناقضة، والاتصالات متقطعة ومتعثرة، وهى في أحيان تجرى بالتصريح والتلميح، وبالإشارات والرموز، وبالرسل والرسائل، دون أن يعرف الناس الغرض أو الهدف لذلك كله.

وفى يوم من الأيام قال لينين «ليس هناك رجل ثوري وآخر غير ثوري، ولكن هناك حالة ثورية هي التي تصنع الثوار».

(2)

«إن الثورة كعلم من أصعب العلوم، لأن العلوم وإن كانت تتوجه كلها إلى دراسة مظاهر الواقع، فإن الثورة هي العلم الذي يجمع حصيلة هذه العلوم ونتائجها .. إذ إن الثورة هي في الحقيقة (علم تغيير الواقع)». محمد حسنين هيكل.

و الخلاصة في رأيي للوضع المصري في الفترة القادمة

إما أن يستطيع الرئيس «عبد الفتاح السيسي» أن يحافظ على مدى «التماسك»
الذي حققه في الفترة الماضية في «بنية» المجتمع المصري، وأن «يزيد عليه» مستخدمًا في ذلك كل الوسائل بداء من القبضة الحريرية المخملية «الإعلام» الذي يحاول به تغييب العقول، وترقيق القلوب على الرجل الذى تحمل مسئولية البلاد في فترة عصيبة، ومهما كان من أخطاء يقع فيها الرئيس، فيكفيه أنه أبعد الشيطان المرتدي لعباءة الإسلام!

وانتهاءً بـ«القبضة الحديدية القوية» استخدام وسائل القمع والقسر إلى آخر المدى في «تركيع» كل من الإسلاميين التكفيريين وقطاع من الشباب الذي يرى أن الثورة لم تحقق أهدافها التي قامت من أجلها.

ولعل من المفارقات أن النظام وحكومته الذي يشتكى دومًا من ضيق ذات اليد، ويطالب المصريين بالتحمل دون أن يفتحوا أفواههم بكلمة! ودائمًا يذكرهم بقلة الموارد للصرف على الخدمات الأساسية «تعليم، وصحة، وإسكان، وخلافه»، قام بصرف أكثر من 750 مليون جنيه مصري حوالى «100 مليون دولار» على إنشاء سجون جديدة كان آخرهم سجن المستقبل!

وحسب الموازنة المصرية فإن ميزانية وزارة الداخلية «تساوي خمسة أضعاف ميزانيتي وزارتي الصحة والتعليم معًا».

وتلك مفارقة، لكنها تُظهر التوجهات الحقيقية للنظام ومبعث قلقه وتخوفاته.

تجاوزات الأجهزة الأمنية أمر يقلق النظام ولا يستطيع أن يجد له حلًا

ولكن المشكلة أن هذا الخيار مثلما له إيجابياته له أيضًا سلبياته؛ لأن ذلك الخيار مع التوسع فيه كما نرى اليوم يمكن أن يُعجل بانفجار الجماهير، وخاصة الشباب منهم وإظهار «غضبهم» الذي يتراكم بداخلهم منذ فترة طويلة. بالرغم من محاولة النظام احتواء ذلك الغضب عن طريق عدة طرق كان آخرها مؤتمر الشباب الأخير الذي انعقد في شرم الشيخ، وذلك موضوع آخر.

فهناك قطاع كبير من الشباب يشعر بأنه قد «خُدع» و«ظُلم» في الوقت ذاته. وهذا القطاع من الشباب يرى أنه قد تم تشويه دوره وشيطنة صورته عن عمد مع سبق الاصرار والترصد من قبل النظام الحاكم اليوم بواسطة أدواته الاعلامية للانتقام منه؛ بسبب دوره الهام والمحوري في ثورة يناير.

ناهيك عن أزمة اجتماعية واقتصادية تأخذ بخناق الجميع، وذلك كله يتفاعل مع مشكلة فساد لم يعد له حل فيما يبدو في الأفق مما نتج عنه حالة إحباط لقطاع عريض من الشعب، بالرغم من كل «المسكنات» الإعلامية من قبل النظام المصري.

يُضاف إلى كل ما سبق ويزيد عليه صراعات بين أجهزة الحكم أصبحت مرئية للجميع ويقف الرجل وسط ذلك الصراع حائرًا في كيفية التصرف معه، دون إغضاب أحد، ولكن دون فائدة.

والواضح الآن بشدة أن الرجل تنقصه خبرة الإدارة «بالرغم من محاولته إخفاء ذلك بتوجيه الكلمات والخطابات العاطفية للشعب»، وهذا أمر غريب؛ لأنه قادم من إحدى مؤسسات الإدارة الكبرى (الجيش).

ويزيد على كل ذلك قصور في كفاءة الإدارة من جانب أجهزة الدولة المختلفة يُضطر الرجل من أجل تجنبه إلى إسناد العديد من الأمور إلى المؤسسة العسكرية وذلك يستتبع المزيد من السخط من قبل الطبقة الرأسمالية التي تطمع في جنى الارباح مضاعفة، وذلك يُسهل اتهامه من قبل معارضيه بأنه لازال يتصرف بعقلية الجنرال العسكري، وليس بمنطق الرئيس المدني!

أو أن يعود المجتمع المصري إلى حالة السيولة والغضب التي كان عليها بعد ثورة يناير.

وحينها يتبقى خطوة تتخذها الجماهير وهى الخروج للمطالبة بالتغيير من جديد، لكن المشكلة أن تلك الخطوة ليست عليها إجماع أو حتى شبه إجماع وطني.

مشهد من ثورة 25 يناير

ففريق يراها «وصفة مؤكدة للوصول إلى كارثة محققة» أو في أفضل الأحوال «قفزة إلى المجهول أكثر مما هي إصلاح من أجل العبور»!

وفريق آخر يراها: الإصلاح الذى تأخر كثيرًا عن موعده واسترداد للثورة المخطوفة من الإخوان تارة، والعسكر تارة أخرى من جديد.

بمنطق أنه «الآن .. الآن وليس غدًا .. أجراس الثورة فلتُقرع»!

وبعدكل هذا العرض في الحالة المصرية يجب أن يُثار سؤال:

ما الذى فعلناه بأنفسنا وما الذى فعلته «النخب المُزيفة» بنا حتى نجد أنفسنا واقعين في تلك الحالة:

حالة التيه التي عليها اليوم، إننا أصبحنا بين اختيارين أحلاهما مُر.

وصرنا محاصرين بين المطرقة والسندان.

فإما:

الرضوخ للأمر الواقع تحت مبرر الحفاظ على الاستقرار .

وإما:

 

الذهاب إلى الفوضى التي ستقضى على الأخضر واليابس تحت لافتة استعادة الثورة من جديد.

وفى النهاية وجد قطاع عريض من الشعب المصري نفسه يقف أمام خيار متعسف مؤداه:

إن الذين يعترضون على الأمر الواقع الحالي بما فيها تلك الإجراءات القمعية والقسرية على كل الاتجاهات وفى كل المناحى (سياسية، اقتصادية، اجتماعية، أمنية) ليس أمامهم، إلا أن يواجهوا المستقبل المظلم تحت حكم التطرف الديني بوجه وتقاسيم «الإخوان المسلمين».

وإذا لم يُبرأ هؤلاء المعترضون أنفسهم بقبول كل شيء، بما في ذلك الوسائل القمعية والقسرية، فإنهم بالاعتراض يكونون متواطئين، وإن لم يقصدوا مع قوى الظلام وشياطينها الشريرة!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد