تناولت في مقالتي السابقة ما تضمنته مقابلات أُجْرِيَت ما بين بعض قيادات الإخوان المسلمين وبين بعض قادة الجيش المصري في يونيو2013، وما أسفرت عنه من نتائج لا زالت تعيش على أثرها مصر. وإنني في هذه المقالة سوف أتناول الجانب الآخر المتعلق بتواصل الإدارة الأمريكية مع طرفي الأزمة في مصر، ولن أخوض مع الخائضين، بالحديث عن العمالة والخيانة التي يرمي بها كل طرف الأطراف الأخرى. كلا، ولكنني سوف أرجع إلى الوراء قليلا حيث بداية التدخل الأمريكي في المنطقة العربية، بعدها يمكننا أن نقول، هل خان طرف دون طرف، أم أن الجميع قد اشترك في نفس اللعبة، وكلٌّ بحسب إمكانياته وامتلاكه أوراق اللعب. وأكررها، الأزمة الحقيقية تتمثل في مدى فهمنا للواقع ثم مدى استيعابنا لهذا الواقع حتى نحسن اختيار سبيل النجاة.

في شتاء عام 1947، وعلى أثر أزمة اقتصادية حادة مرت بها حكومة جلالة الملك، فقد أرسلَت الخارجية البريطانية رسائل إلى الخارجية الأمريكية تفيد بأن بريطانيا قد قررت رفع الوصاية عن بعض أرجاء العالم، إذ أنها، أي بريطانيا، لن تستطيع تحَمُّل أعباء مقاومة المد الشيوعي في كل من تركيا واليونان والتي تقدر ماليًا بخمسين مليون دولار، وعلى هذا الأساس، فإن بريطانيا تخشى من أن يتمكن الشيوعيون من فرض سيطرتهم على اليونان عن طريق حرب العصابات، وعلى تركيا عن طريق هجوم عسكري مباشر.

وتعليقًا على هذا أقول، ها هو الضعف قد بدأ يسري داخل شريان الدولة التي ما كانت تغيب عنها الشمس، ها هي بريطانيا، وبرغم ما فعلته، وحلفاؤها، على أرض الجزيرة العربية وعلى أرض تركيا حتى أسقطت الخلافة، ورغم ما فعلته في مصر وفلسطين، ها هي بريطانيا تسير نحو مرحلة جديدة تمامًا لتسير في ركب التبعية. وها هو معسكر جديد سوف يحيط بالمنطقة العربية لينقلها أيضًا إلى مرحلة جديدة، فأين هم المسلمون؟ وأين الأنظمة العربية؟ وأين الفصيل الإسلامي الذي تأسس عام 1928 ليكون بديلا عن الخلافة كما يزعمون؟ وأين الشعوب، وأين من كانوا يقودونها وقتئذ؟!

وسوف أنقل هنا كلام مايلز كوبلاند في لعبة الأمم عن الأوضاع العالمية في نهاية الأربعينيات، وفيه العجب العجاب، إن فيه ما يثبت أن المسلمين لم يكونوا نائمين في تلك الفترة، كلا، بل إنهم كانوا أمواتًا.

يقول كوبلاند، بعد أن علمت أمريكا بخبر بريطانيا عن رفع الوصاية، كان على الولايات المتحدة أن تبادر إلى سد هذا الفراغ قبل أن يسبقها الاتحاد السوفييتي إليه، فالخطر الشيوعي لم يكن يهدد بالزحف إلى تركيا واليونان فقط، بل وإلى كل أوروبا الجنوبية خارج الستار الحديدي وعلى شمال إفريقيا والشرق الأوسط، فلقد كانت رَداءة الأحوال الاقتصادية تهدد فرنسا وإيطاليا إلى جانب بريطانيا بسيطرة الشيوعيين.

ففي شتاء عام 1947، عانت بريطانيا من نقص فادح في موارد الفحم بسبب سوء الأحوال الجوية، فلقد تراكمت الثلوج حتى أعاقت وسائل النقل كليًا، ولقد تسببت في إتلاف محصول الشتاء من القمح، ونتج عن هذا كله إيقاف معامل كثيرة عن العمل، وتُرِك خمسة ملايين عامل بدون عمل، ولقد زادت، مشكلتا التأمين الاجتماعي وتخفيض ساعات العمل، الحكومة البريطانية إرهاقًا فغدت أعجز من أن تعالج مشاكلها الداخلية.

ثم يقول كوبلاند، وكانت نتيجة كل ذلك أننا أصبحنا وحيدين على مسرح الأحداث العالمية نواجهها بالطريقة التي تتطلبها «لعبة الأمم» حديثًا. ولم يكن بمقدور بريطانيا أن تقدم أكثر من إسداء النصح لرجالنا في السلك الدبلوماسي وفي مجموعة المخابرات المركزية.

وبعد سلسلة من المشاورات التي لم تخلُ من الخلافات أعد الأمريكان أنفسهم للدخول في الحرب الباردة، التي وصفوها «بأنها حرب لا كالحروب. ولقد بدأت في نهاية الأربعينيات وانتهت في أوائل التسعينيات من القرن الماضي بعدما انهار الاتحاد السوفييتي لتزول الثنائية القطبية».

واجه الأمريكان عقبات عديدة، تَمثل أهمها في النقص الفادح في عدد الأشخاص المؤهلين لخوض غمار تلك الحرب، رغم امتلاك الولايات المتحدة رصيدًا ضخمًا  من تلك العناصر في أوروبا، بينما كان قسم الشرق الأدنى وأفريقيا في وزارة الخارجية ركيكًا وضعيفًا جدًا.

ولننتبه إلى هذه المقولة الخطيرة التي أوردها صاحب لعبة الأمم، وأُهديها للمتصارعين في هذا العصر، إذ قال: لم نكن نواجه في سنة 1947، سوى مشكلة النزاع العربي الإسرائيلي، وكنا والسوفييت نرى أنه ما نزال في وضع مبكر لإظهار تأييدنا لطرف دون آخر، وفي الوقت الذي كانت الظروف السائدة في منطقة الشرق الأوسط تبدو مناسبة جدًا للاستثمارات المالية والتجارية الأمريكية، بدأ يساورنا القلق حيال احتمال رفض الحكومات العربية لتوجيهاتنا السياسية والعسكرية، ولهذا فإن تجاوب سكان المنطقة معنا كان عاملًا مهمًا لإحراز أي تقدم في مجال تحقيق رغباتنا وكان يجب أن يتوفر هذا منذ زمن بعيد لولا وجود عجز في قيادات دول الشرق الأوسط.

حدد الأمريكان فريق العمل بعد انتقائه بعناية، وقرروا أن تكون أولى (مغامراتهم) محاولة التدخل في الشؤون الداخلية لدولة مستقلة، وأن تكون المحاولة متواضعة محدودة ولكنها مؤيدة بتبريرات كافية ودون مساعدة البريطانيين، بل وبدون علمهم.

ثم اختلفوا حول تحديد الدولة التي ستُجرى على أرضها المغامرة، ثم قالوا، إن كلا من اليونان وتركيا حليفان لنا وفيهما من يرعى المصالح الأمريكية، وأما إيران فهناك انسجام وتفاهم تام مع قادتها، وبالتالي فلم يبق سوى العالم العربي الذي بدأت الأمور تتفاقم بيننا وبينه وزادت شُقّة الخلاف اتساعًا غير قليل، والسبب في ذلك هو وجود قيادات طائشة مضللة على رأس السلطة في تلك الأقطار، وإن استلام مقاليد الحكم من أشخاص ذوي ثقافة أوسع وإدراك أعمق سينقل هذه الأقطار العربية من صف المناورة إلى صف الموالاة لنا، كما أن حذر العرب البالغ من السوفييت سيجعل الحماية الأمريكية لهم موضع ترحيب.

حدد الأمريكان المنطقة العربية، ثم نظروا إلى الخريطة السياسية داخل كل دول المنطقة، فقالوا، أما العراق فكان المفروض أن يكون أول أهدافنا، فحكومته بوليسية مكروهة، إلا أن الفريق المُكلَّف بالتنفيذ في العراق لم يستطع ذلك مباشرة دون علم البريطانيين وموافقتهم. وأما حكومة المملكة العربية السعودية، فقد رفضت كافة الاقتراحات لتغيير الحكم فيها. كما أننا أسقطنا من حساباتنا التدخل بشؤون لبنان والأردن ومصر لاعتبارات شتَّى.. وبحساب ما تَبَقَّى فإنه ليس أمامنا سوى سوريا، فلقد كانت في وضع اقتصادي مريح، كما أن الحكمين، التركي والفرنسي لم يفلحا في إذلال شعبها وترويضه.

بدأ الأمريكان لعبتهم في سوريا عن طريق الانتخابات، غير أن هناك مشاكل قد واجهتهم، من هذه المشاكل ما كان بسبب الوجود الفرنسي والبريطاني والروسي، فلا زال لهم تأثير على الأحداث في سوريا. ومنها ما كان بسبب انعدام الخبرات المُلِّمة بطبيعة المنطقة العربية وثقافات سكانها، على عكس الثلاثي المذكور، ومن ثم بدأت وزارة الخارجية الأمريكية بتعليم أفضل موظفيها اللغة العربية وقامت بإطْلاعهم على ثقافات الشرق الأوسط وعلى كل ما يمت له بصلة، كما قامت بتمشيط الولايات المتحدة بحثا عن أمريكيين ذوي خبرات سابقة في هذا المضمار.

كان شكري القوتلي رئيسًا لسوريا في ذلك الوقت، وكان القوتلي يرفض القيام بأية خطوات تجاه الحريات السياسية، شعر الأمريكان أن الأوضاع في سوريا تتجه إلى السير في أحد طريقين، فإما ثورة مسلحة دموية يقودها بعض الانتهازيين بدعم سري من السوفييت، أو حركة يقوم بها الجيش السوري بدعم من الأمريكان. ومن ثم فعلى الأمريكان أن يسرعوا في تنفيذ خطتهم.

في 30 مارس (آذار) 1949، انقلب رئيس أركان الجيش السوري حسني الزعيم على رئيس سوريا شكري القوتلي، بدعم وتخطيط سري أمريكي.

وفي 14أغسطس (آب) 1949، قامت مجموعة من الضباط وهم من أصدقاء الزعيم، بقيادة سامي الحناوي وأديب الشيشكلي بمحاصرة بيت حسني الزعيم وقتله ودفنه في المقبرة الفرنسية (لقد عاملوه على أنه عميل فرنسي وليس أمريكيًا)، بعد ذلك بعدة أشهر، قام الشيشكلي باعتقال الحناوي، وبدأ في إدارة البلاد، بقِيَ الشيشكلي في سُدَّة الحكم سنوات قليلة حتى هرب خارج البلاد خوفًا من تتابع الانقلابات التي تعاقبت على سوريا في تلك الفترة. سببت تلك الأحداث في أن الأمريكان شعروا بالفشل في سوريا. ولا بد من البحث عن أرض جديدة، وإنها مصر.

بعدما فشل الأمريكان في سوريا، فإن الأمل في مصر

في فبراير (شباط) 1952، نزل كيرميت روزفيلت إلى مصر، حاملا مخططين، الأول يقوم بتنفيذه الملك فاروق بنفسه، وهو يتعلق بالإصلاحات السياسية من وجهة النظر الأمريكية، وأما الثاني فيتمثل في البحث عن زعيم جديد بمواصفات معينة، فإما أن يكون مجنون سلطة أو أن يكون واجهة. لم يهتم الملك فاروق كثيرًا بمطالب روزفيلت، فانتقل إلى تطبيق الخطة الثانية وهي البحث عن بديل، ولقد كان روزفيلت يكره الانقلابات العسكرية وخصوصًا بعد الذي شاهده في سوريا من فوضى، وظل على تلك الكراهية حتى التقى ببعض الضباط الذين أشارت إليهم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية على أنهم القادة المحتملون لتنظيم الضباط الأحرار الذين يرغبون في انتزاع الحكم.

في الثالث والعشرين من يوليو (تموز) 1952، اندلعت الثورة المصرية «كما يُطلق عليه فريق من المصريين ذلك»، أو كما يحب الفريق الآخر أن يسميه بالانقلاب العسكري الذي أطاح بالملك فاروق. خلاصة القول، إن الضباط الأحرار قد أطاحوا بالملك بمشاركة فصيل الإخوان المسلمين. فلقد كان الطرفان شركاء، إما في الانقلاب، وإما في الثورة.

وهكذا بدأت اللعبة الأمريكية على أرض سوريا في نهاية الأربعينيات دون أن يكون لديهم  الدراية المناسبة بطبيعة المنطقة العربية وثقافاتها، ثم انتقلَت إلى أرض مصر.

لقد بذل الأمريكان جهودًا ضخمة حتى ينجحوا في تحقيق أهدافهم على أرض العرب.

ولقد تطور مستوى التدخل الأمريكي في المنطقة العربية وغيرها حتى غدا توغلاً مخيفًا، وبخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة بانهيار السوفييت، لقد صارت الإدارة الأمريكية تقوم مقام الآمر الناهي لكثير من أنظمة العالم اليوم، وذلك لامتلاكها القوة المتنوعة، والتي منها قوة السلاح، ثم قوة المنظمات المختلفة التي تهيمن عليها.

وأقول، إن ما دعاني إلى كتابة هذه المقالة، هو أن جماعة الإخوان المسلمين وما معها من فصائل، بعد أن أضاعوا الحكم في يوليو 2013، خرجوا على المصريين ليخبروهم بأن السيسي قد انقلب على الديمقراطية بدعم ورعاية أمريكية! إنهم لا زالوا يرددون مثل هذا الكلام إلى يومنا هذا، وكأنهم كانوا معزولين عن العالم طيلة العقود الماضية.

وأقول لتلك الفصائل، كيف أزعجكم الموقف الأمريكي من 3 يوليو؟! أليست ورقة القوة في يد الجيش؟! ألستم من أهمل ورقة الشعب فأخفيتم عنه ما يدور داخل الكواليس من تهديدات؟! أما تابعتم تطور موقف الأمريكان من الثورة المصرية، وانتظارهم حتى يتيقنوا أي الكفتين سوف ترجح؟! وكان موقفا مشابها لموقفهم من القضية الفلسطينية في فترة من الفترات. ألا تتعلمون من الماضي أبدا، سواء كان البعيد أو القريب؟!

وهل يُعقل أن تكونوا طرفا مستخدما، سواءً بجهل أو بعلم، في اللعبة التي لعبها الأمريكان على أرض مصر في الخمسينيات، ثم تحدثوننا عن عمالة النظام القائم؟! ألم تكونوا شركاء له عام 1952، ألم تكونوا حلفاء له عام 2011، ثم ألم تختاروه أنتم في 2012 وتثنون عليه؟! ألم تسخروا ممن حذروكم؟ ألم تتنازلوا عن مرسي وتوافقون على حكومة توافقية، في اجتماع دار الحكمة بالقاهرة في يوليو 2013؟!

وهل يُعقَل أن تخرج علينا قيادات جماعة الإخوان التي جاوز عمرها التسعين سنة، لتتكلم عن مؤامرة أمريكية، ألم تتخذوا من الإسلام شعارًا؟! هل كنتم تظنون أن الأمريكان قد أسلموا وسوف يمهدون للفصائل الإسلامية طرق التمكين على المراد الذي أرادوا؟!

ثم، هل وصلتم إلى الحكم أصلا، بدون التواصل والتباحث والتنسيق وأخْذ الوعود من الإدارة الأمريكية  وإعطاء الوعود لها؟! بل إنكم كنتم تتواصلون مع الأمريكان قبل 2011 بسنوات عديدة.

هل يُعقل أن تصفوا الشعب بالعبقري حين اختاركم في الاستحقاقات الانتخابية، ثم بعدما تُضيِّعون الحكم، يصير الشعب مجموعات من العبيد يستحقون ما هم فيه من عذاب وضيق؟!

ثم، هل تعلم تلك الفصائل أن التمكين يعني حكم العالم، فهل في تاريخكم أحداث وإنجازات تُقنع أحدا بذلك؟! وهذا من خلال فَهْم السُّنن الكونية التي لا تجامل، وبذل الأسباب.

هل ظننتم أنه بالمظاهرات والاعتصامات فقط ثم بالوقوف في طوابير الانتخابات أو حتى تفجير بعض المنشآت أو اقتحامها وتخريبها، سوف يكون التمكين الذي سيؤدي إلى حكم العالم بالتبعية؟!

هل يُعقل أن تنعتوا كل مخالف لكم بالعميل لأمن الدولة، في حين أنكم كنتم غارقين في عقد الصفقات مع الظالمين؟! وهذا من كلام أحد مرشدي الجماعة.

هل وقفتم أما سياسات العالم المعاصر وفكرتم كيف ستدخلون معاركه المتنوعة، المختلفة، كالعسكرية والاقتصادية والفكرية؟ والأماني وحدها لا تكفي. والسؤال هنا عن الاستطاعة.

هل تعلم الفصائل أنها لم تتسبب مرة في أن يتراجع نظام من الأنظمة المصرية عن قرار اتخذه يضر بمصر والأمة، في حين أنها تسببت في أن تسنَّ الأنظمة قوانين عديدة جائرة بدعوى الحرب على الإرهاب والحفاظ على وحدة الوطن وسلامة وأمن المواطن؟!

هل تعلم تلك الفصائل أنها حتى الآن تنتهج منهج الفهلوة السياسية؟!

وأخيرًا، إن النظام العالمي يهمه الاحتفاظ بتلك الفصائل كي يستخدمها في تهديد الأنظمة، فإما الطاعة وإما البديل. والنتيجة هي تآكل الدولة بكل مكوناتها. ثم إن الأنظمة يهمها أيضًا وجود تلك الفصائل حتى تبرر كل ممارساتها الجائرة الظالمة أمام الشعوب، وأمام العالم من خلال التخويف من الصِبغة.

وإن ما تفعله الأنظمة العربية من ممارسات مع تلك الفصائل المتباينة الهشة، هو نفسه ما تفعله القوى العظمى التي تحكم العالم بالأنظمة العربية المتباينة الهشة. وإن الشعوب هي الضحية الأولى والخاسر الأكبر في تلك اللعبة. لعبة الأمم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!