ما الذي يشعل النار تحت سرير الخليفة؟ ما الذي يجعل قراراته صواعق تحرقنا ويجعلنا لعبة بين أيدي الجنون، وبين سماسرة الخطب والكلام المعسول.

قرار تعويم الجنيه كان حبيس الأدراج لسنوات، أمنية مكبوتة للمسئولين الحكوميين، ولكن هل تم اتخاذ القرار الآن تحت ضغط الفشل، بمعنى آخر هل تيقنت الدولة أنها لن تستطيع السيطرة على الدولار بعد الآن فبات تعويمه حتميًا لإنقاذه من الغرق التام؟ أم أن الأمر لعبة مكررة وأزمة مفتعلة مثل أزمة كروت الشحن في العيد والتي في النهاية حولت الدولة الزيادة إلى خزائنها التي لا تمتلئ أبدًا .

هذا الرأي له دلائل تدعمه، منها فشل الدولة في إدارة أزمة السكر مثلًا، فالدولة لم تستطع توفير السكر بخمسة جنيهات وراحت القبضة الأمنية الغبية تهوي على كل مخالف لا يلتزم بالسعر فزاد سعره وفي النهاية باعته الدولة بسبعة جنيهات في التموين، أي بسعر السوق الحر، إن مصانع السكر في مصر ليست بعيدة عن أعين الحكومة أو مخفية بطاقية الإخفاء وكون الدولة توحي للناس أن تجارًا يخفون السكر وتضبط بشكل كوميدي آلاف الأطنان في شقق ثلاث غرف وصالة ثم في النهاية تبيعه للمواطن بنفس سعره قبل الأزمة يؤكد أن الدولة تخطط الأزمات بنفسها ثم تكيل الاتهامات لأطراف وفي النهاية تمرر ما تريد من أسعار وقرارات تحت نيران الأزمة .

تنفذ الدولة الآن سياسات نيوليبرالية (النيوليبرالية مدرسة اقتصادية تأسست في جامعة شيكاغو وعرف أتباعها بأبناء شيكاغو وتؤمن هذه المدرسة برفع يد الدولة عن الدعم تمامًا وتترك السوق يتحكم في كل شيء) وهي المدرسة التي تنفذ سياسات صندوق النقد والبنك الدولي والتي أوشكنا أن نزحف على بطوننا من أجل الحصول على قرض منهما .

إن الدولة تقوم الآن بإنزال المواطن من فوق أكتافها وتريح عقلها من الدعم فلا تلزم نفسها به وعليه أن يتولى نفسه وأسرته دون مساعدة منها ودون أن تقدم له أي خدمات لها قيمة سواء صحية أو تعليمية أو خدمية .

لماذا تعلن الدولة التحدي قبل 11/11؟ ولماذا تصل بالناس إلى حافة الانفجار؟ بعض الخبثاء قالوا إن الأمر متعمد فما حدث في 25 يناير كان غفوة نظام أخذ على غفلة دون استعداد منه، أما الآن فالدولة مستعدة ومتأهبة وفي حالة حدوث ثورة فإنها فرصة لتمرير قرارات سياسية بغطاء دستوري أو قانوني مفصل على يد ترزية القوانين، فلابد من الحفاظ على مظهر القانون لا سيما عند خرقه، وبدلًا من المطالبات بإسقاط قانون التظاهر، فالجوقة الحكومية ستطبل لعودة واستنساخ قانون للطوارئ.

إن القرارات الحكومية الأخيرة التي وضعت الناس تحت ضغط اقتصادي رهيب فسرها البعض بساقية صنعتها الحكومة ليدور فيها الناس وتستنفد قواهم وتمتص أرواحهم، فلا يبقى لهم طاقة لمناوشات الحكومة أي إنها طريقة لتأمين الحكم بشكل آخر.

ولو كانت الإدارة السياسية صادقة لسبقت خطة الأمان الاجتماعي التي تملأ بها الميديا، ضرباتها تحت الحزام التي وجهتها لنا بدلًا من قتل القتيل والسير في جنازته. ولو كانت الإدارة رشيدة منذ تولت الأمور لسعت إلى زيادة رصيدنا من الدخل الأجنبي أو وفرت ما نستورده بإنتاجه محليًا، ولكنها راهنت على مشروع قناة السويس الجديدة لكنه لم يفِ بالغرض ثم راهنت في حملة إعلانية ضخمة على مشروعات صغيرة لوقف قطار الاستيراد المنطلق، مثل الحملة الإعلانية لمشروع البراميل ولكنها لم تفلح وهو فشل آخر في اجتذاب الشباب نحو المشروعات المدعومة، أو على الأقل أصدرت تعريفات السيارات الأجرة قبل أو بعد زيادة أسعار البنزين مباشرة ولكنها عادات ريما التي تتصرف كرد فعل فقط.

إن فكرة أن روح مصر في يد الاستثمار الأجنبي فكرة كذوبة؛ لن يمكن للشركات الحكومية أن تنافس مثيلاتها العالمية ما دامت تولت إدارتها قيادات محترفة ولدينا العديد من الشركات فعلًا مثل أوراسكوم على سبيل المثال لا الحصر تنافس شركات عالمية خارج مصر، فلابد للمستثمر أن يضيف لي ما أفتقد إلى إنتاجه وأن يعلم لي جيلًا وينقل الخبرة له، فأنا كدولة من أتيح له فرصة الكسب وتعاظم الأرباح ولا يمكن أن أنحني له وأستجدي عطفه، ولكن هناك عقدًا ينص على منفعة متبادلة للطرفين ولو فكرت الحكومة قليلًا لوجهت جهودها إلى 4000 مصنع توقف عن الإنتاج في السنوات الخمس الأخيرة وأعادت تشغيلهم وعينت إدارة محترفة مثلًا لقطاع الغزل والنسيج، واهتمت بزراعة القطن وصدرت ملابس فيزيد النقد الأجنبي. فحتى عندما تتخذ قرارًا مثل التعويم تجد لديها العرض الكافي من الدولار فلا يرتفع سعره بهذا الشكل الجنوني، فقد عنى لي قرار التعويم كأنه رحلة إلى المجهول بلا أي نوع من أنواع الاستعدادات .

وأخيرًا، أخذوا بابًا ليعطونا رياحًا، فتحوا جراحًا ليعطونا صباحًا، هدموا بيوتًا كي يبنوا أوطانًا، فمن الذي يشعل النار تحت سرير الخليفة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد