قصة قصيرة حزينة

في إحدى الدول الأفروعربية التي تقع شمال إفريقيا عند  البحر الأحمر غربًا وجنوب البحر الأبيض المتوسط قيل إن هذه الدولة لها تاريخ قديم جدًا جدًا كفى أنها أخرجت لنا علماء ومفكرين ومثققين وفنانين ورؤساء وإعلاميين والكثير.

مر عليها فرعون وهامان وجنودهما مر عليها ابن العاص ونابليون ومحمد علي باشا والفاطميون والمماليك وعبد الناصر والسيسي، وذكرت في القرآن الكريم بين قوسين وصفت بأنها أم الدنيا وهي كذلك. 

وفي يوم من الأيام ولكن ليس ككلها خرجت امرأة ككل نساء الكون لكن ليس ككلهن قبل عشر سنوات تقريبًا تطالب أن تكون ممثلة للشعب في البرلمان. إلى هنا الأمر يسير بكل هدوء هذه السيدة تدعى فيفي بنت عبدو والتي أعلنت رغبتها الجادة في خوض الانتخابات البرلمانية في مصر وربما لم تمض في هذا المسار لأن جدولها كان ممتلئًا بالتزامات (ممتلئة) تعود عليها بملايين (ممتلئة)  وكانت عطيات هذه قد بررت دخولها للبرلمان لكونها هرم مصر الرابع (لا تعرف عطيات حزنت لك حقًا هي عطيات بنت الأستاذ عبد الفتاح التي أطلقت على نفسها فيفي عبده وتوجت عام 2014 بلقب أم مصر المثالية بين قوسين) لا تنسوا أن مصر أم الدنيا. تبعها رجل من نفس مجالها (الفني) يدعى عمرو دياب ومن لا يعرفه.

والذي ألمح أنه ليس بأقل منها مكانة وشهرة وجاذبية. انتهت القصة.

هل بكيتم؟ ليس بعد؟ تابع إذًا.

كثير من المطربين والممثلين العرب يحسبون أن نجاحهم في مجالات الغناء والتمثيل لا يكتمل إلا بنجاحهم في الحياة العامة، ويحسبون أن تصفيق المعجبين والمعجبات في الحفلات نوع من الاستفتاء على شعبيتهم، وشيئًا فشيئًا «يصدقون حالهم» ويحسبون المعجبين والمعجبات دراويش ومومياوات مستعدين لإيصالهم إلى كراسي البرلمانات.

ومن حق ما يسمونهم بالنجوم أن يتساءلوا: لماذا في الدول الغربية يصبح الممثلون والمطربون حكامًا ورؤساء و«نحن لا»؟ دعوني أجب عن هذا السؤال الذي جعلني أتصبب عرقًا أقول: لأن الممثل الذي يخوض الحياة العامة في الغرب يكون أصلًا عالي التأهيل ورأسه مليئًا بالثقافة والمعارف. استمعوا يا نجومنا إلى الحوارات التي يشارك فيها ممثلون أمريكان – مثلًا – استمعوا إلى بونو وجورج كلوني وبوب غيلدوف وأنجلينا جولي وحتى جنيفر لوبيز  وستدركون أنكم، مقارنة بهم، جهلة وسطحيون ومزهريات مع فائق الاحترام.

كان الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان ممثلًا من الدرجة الثالثة، ولكنه كان نشيطًا في الأوساط النقابية، وتمرس في العمل العام حتى صار حاكمًا لولاية كاليفورنيا، وشيئًا فشيئًا وصل إلى البيت الأبيض، وحاكم كاليفورنيا السابق هو أرنولد شواريزنغر (الذي استغرق حفظ اسمه أيامًا) وهو نمساوي الأصل، ومعرفته باللغة الإنجليزية ليست بأفضل من معرفة الممثل السعودي ناصر القصبي بها، وكان الرجل أصلًا بطلًا في كمال الأجسام واستغلت هوليوود عضلاته وأسندت إليه بطولات أفلام «أكشن»، كلها ضرب وعنف وتدمير، ولكنه أدرك أن العضلات تنهل وتذرب وتضعف بمرور الزمن، فوضع نصب عينيه دخول حلبة السياسة، وسانده الجمهوريون من جماعة حبيب الملايين جورج دبليو بوش، الجاهل العصامي، وفاز بمنصب حاكم واحدة من أهم الولايات الأمريكية.

من محاسن أو مساوئ الديمقراطية أن الباب المؤدي إلى السلطة مفتوح لمن يرغب، وعلى الأقل من حق كل راغب في السلطة أن يسعى لبلوغها، ولكن، في واقع الأمر، لا يدخل برلمان أعتى الديمقراطيات إلا شخص مسنود بالمال أو بذوي النفوذ، ولولا أن خزينته الخاصة تئن من حمولتها من مليارات الدولارات لما تمكن شخص مثل دونالد ترامب من الفوز بترشيح الحزب الجمهوري الأمريكي لانتخابات الرئاسة.
ما لا يدركه بعض مطرباتنا وممثلينا وممثلاتنا هو أن قسمًا من الجمهور قد يعجب براقصة ما، ليس لأنها «فنانة» تأتي بما لم يستطعه الأوائل، ولكن – ربما – لأنها خليعة وسخية في عرض بضاعتها بسعر التكلفة. وتمايل الناس طربًا مع غناء مطرب لا يعني بالضرورة أنهم مستعدون للوقوف وراءه إلى نهاية المشوار حتى يدخل البرلمان. بعبارة أخرى؛ إنه، في ساعة الجد، الشباب الذي يتماوج في المسارح يميز بين الجد واللعب، بل يعرف أن هذا المطرب صاحب الصوت الشجي رأسه فارغ، وأن المطرب الآخر قليل الظهور في وسائل الإعلام محترم، ولهذا لا يعتبر نفسه صنمًا واجب العبادة كما يحسب مطربو مصانع (جمع مصنع) اللحام.
صحيح أن الأمريكان كثيرًا ما أخطؤوا في اختيار قادتهم، ولكنهم ليسوا من البله بحيث يوصلون بلهاء مثلها إلى البيت الأبيض لتجعله «ورديًا». وبالمناسبة فإن مجرد حديث بعض المطربات والممثلات العربيات عن حماسهن للقضية الفلسطينية يسبب لي هيجانًا في المصران الغليظ. وخصوصًا عندما يتحدثن عن القضية بالركاكة المعهودة: «يا عيني، ده أنا بعيَّط لما أشوف الفلسطينيين بينضربو بالنار. إنشاللا (إن شاء الله) شارون يموت. بس شارون مات! يلا إنشاللا اللي بعده كمان يموت».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد