امتازت السياسة الخارجية المصرية في عهد الرئيس السيسي باتباع أسلوب برجماتي بما يصب في الصالح المصري، فيسعى الرئيس المصري لفتح سُبل للتعاون والاندماج المصري على مختلف المستويات فبعد أن اعتلى السلطة في يونيو 2014، انطلق في عدة جوالات وزيارات لدول مختلفة على المستويين الإقليمي والعالمي، وكان الهدف الأكبر من تلك الزيارات بالنسبة لمصر هو تعميق العلاقات في محيطها العربي واستعادة تعاونها وصدقاتها القديمة في محيطها الأفريقي، فشكل الدعم العربي السند الأقوى لمصر بعد ثورة 30 يونيو والتي رفضها جزء كبير من العالم وعَمِل الكثير على ترسيخ صورة أنها انقلاب عسكري وليست ثورة شعبية.

تلك الصورة التي تسببت في تكبد مصر الكثير من الخسائر بالإضافة لحالة الضغوط الأمنية والاقتصادية المتفاقمة حينها. وفرت دول الخليج خاصة السعودية، الإمارات والكويت، دعمًا ماليًّا وسياسيًّا ضخمًا، كان للسعودية في عهد الملك عبد الله الدور الأبرز، فكانت صاحبة أول دعم اقتصادي لمصر عقب ثورة 30 يونيو، فكان قراره بتاريخ 7 يوليو 2013، مما أدى لإنعاش البورصة المصرية، بالإضافة للودائع النقدية الأخرى والدعم بمنتجات بترولية، كما كان لها الأسبقية في دعم سياسي عزز الموقف المصري بقوة حيث بيان الملك عبد الله الذي يؤكد أن السعودية شعبًا وحكومةً تدعم مصر وتؤازرها ضد كل من يحاول المساس بشؤون مصر الداخلية.

ولعبت السعودية دورًا حيويًّا في حشد الدعم العربي والخليجي لمصر، مما مكن مصر من التحرك بحرية واستقلالية في مواجهة الضغوط الخارجية التي سعت لفرض أُطر معينة على الوضع المصري، فإحدى تلك الضغوط التي خصمت من التواجد المصري على المستوى الإقليمي، تمثلت في تجميد عضويتها في الاتحاد الأفريقي بقرار في 5 يوليو 2013 عقب عزل محمد مرسي، وطال الضرر المنحى الاقتصادي حيث انخفض حجم التبادل التجاري بين مصر والقارة الأفريقية خلال عام 2014 بنسبة 11.1% عن عام 2013، ذلك لتأصل فكرة أن ما حدث في مصر انقلاب عسكري وليست ثورة شعبية، تلك الصورة التي تغيرت بشكل جوهري بعد إجراء الانتخابات الرئاسية وفوز الرئيس عبد الفتاح السيسي بشكل أثبت الدعم الشعبي وتوفير الشرعية للنظام المصري الحاكم، فتم استئناف عضوية مصر بالاتحاد الأفريقي.

وأعقب ذلك المشاركة المصرية بالقمة الأفريقية الـ23، تلك القمة التي مثلت فرصة ذهبية لمصر حتى تستأنف واقعها الأفريقي وإيجاد توافقات وسُبل للتعاون مع مختلف الدول الأفريقية. اتضح الزخم العربي الأفريقي لدعم مصر في مؤتمرها الاقتصادي الذي عُقد في مارس 2015، لكن بتحليل فرص مصر المتاحة لتلعب دور الدولة القائدة على المستوى الإقليمي، نرتكز على رصد موقعها من الإعراب في مستجدات الأحداث، فنجد أن تأثير دول الخليج تزايد في تفاعلات المنطقة في مرحلة ما بعد الثورات العربية لدرجات متقدمة تقابلها محدودية للدور المصري، حيث إن الدعم السعودي الإماراتي لمصر على المستوى السياسي والاقتصادي قد يحول دون انخراط مصر في بعض قضايا المنطقة، كالملف السوري والعراقي ومحدودية الدور المصري في صراع  اليمن.

فبعدما تولى الملك سلمان الحكم هناك اتجاه يعزز الدور القيادي للسعودية كمركز الثقل في الشرق الأوسط ليست ماليًّا فقط، وإنما أيضًا للتحرك الإستراتيجي وشبكة التحالفات والمصالح الممتدة واكتمل ذلك التوجه بردود الفعل على المبادرة المصرية بإنشاء قوات عربية مشتركة لمكافحة الإرهاب يكون مركز قيادتها بالقاهرة، فلم تحظ بدعم إلا من الإمارات والأردن، وعدم تأييد صريح من السعودية والجزائر، نظرًا لتداعيات تشكيل تلك القوات من تعزيز دور مصر القيادي في المنطقة بما يبلور دعمًا لمكانة مصر يضاهي أو يفوق المكانة السعودية، أو تتغلب على الجزائر التي تستقبل دعمًا أمريكيًّا فرنسيًّا لتكون القائدة في مجال مكافحة الإرهاب في المنطقة.

إلا أن تأويل الوضع المصري يختلف في التقييم على الساحة الأفريقية، حيث الرصيد التاريخي لمصر في أفريقيا بالإضافة لتمتع مصر بالمكانة والقيمة الإستراتيجية في الوجدان الأفريقي، والتي طالما افتقدت الرؤية والإدارة السياسية الناضجة لتفعيل تلك المكانة إفريقيًّا، بلورت مصر مؤخرًا خطوة ذات ثقل للتكامل الاقتصادي بما تم إرسائه من أهداف لقمة التكتلات الاقتصادية الأفريقية بشرم الشيخ يونيو 2015، خاصة أن استقرار الدعائم الاقتصادية يمثل أهم الركائز للاستقلال السياسي، فقد حان الوقت لأن تستثمر مصر قوى القارة الأفريقية المتميزة وتتكامل معها، وتعي مدى أهمية دعم الدول الأفريقية لمصر لأن تلعب دور قيادي كما اعتاد تاريخ القارة.

الجدير بالذكر هنا أن دولة جنوب أفريقيا كان لديها الأسبقية والدعم الأقوى لأن تمثل أفريقيا في مجلس الأمن، إلا أن في زيارة الرئيس جنوب أفريقي جاكوب زوما لمصر في مطلع أبريل 2015، حيث تطرق الحديث حول موضوع إصلاح الأمم المتحدة وتوسيع مجلس الأمن ليكون أكثر عدالة، واختتمت الزيارة بنقل الرئيس الجنوب أفريقي دعم دولته ودعم دول القارة الأفريقية لمصر حتى تمثل القارة في مجلس الأمن عن طريق المقعد غير الدائم للعامين 2016/ 2017، ولا يمكننا أن نغفل أن أفريقيا هي ثاني كتلة  تصويتية بالأمم المتحدة. فيتضح لنا أن مستقبل مصر الريادي اقتصاديًّا وسياسيًّا في الدائرة الأفريقية له فرص حيوية تفوق ما لديه من فرص في الدائرة العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد