يظهر في الأفق بعد النداءات، التي تقترح بالخارج والداخل الخاصة بالشأن المصري، عن حتمية التغيير وعودة الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، وضرورة التوافق السياسي لقوى المعارضة، ولكن حقيقة الواقع الذي تعيشه مصر حاليًا، هو استحواذ القوى الأمنية على جميع السلطات بصورة متوحشة جدًا، جعلت مصر عبارة عن حقل تجارب بتعذيب أي معارض يجده النظام قادرًا على منافسته، أو يشكل أداة لمضايقته.

النظام الحالي عندما وجد أن جماعة الإخوان وقوى الإسلام السياسي وبعض القوى الليبرالية واليسارية قد شكلت خطرًا عليه قام بإبعادهم عن السلطة تارة، والنفي الإجبارى تارة، والاعتقال تارة أخرى، والتصفية تارة رابعة، والإبعاد تارة خامسة، وعندما شعر أن بعض العناصر ببرلمانه الذي صنعه على يده قد شكلت خروجًا عن المألوف، مثل النائب «محمد أنور عصمت  السادات»، قام النظام بإبعاده عن رئاسة لجنة حقوق الإنسان، وقام بعمل انتخابات أخرى على اللجنة من أجل إبعاده، وساعد الضابط السابق «علاء عابد» رئيس الهيئة البرلمانية لحزب «المصريين الأحرار»، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بالفوز برئاسة لجنة حقوق الإنسان في البرلمان المصري، على الرغم من أنه كان يشغل منصب ضابط شرطة قبل استقالته.

والجدير بالذكر، أن كتلة الأغلبية التي تدعم الرئيس «عبد الفتاح السيسي»، والتي ينتمي إليها عابد، كان لها الفضل في فوزه، حيث لجأت لإغراق لجنة حقوق الإنسان بمجموعة كبيرة من الموالين لها. في المقابل، ساهم استعراض القوة الذي قامت به الكتلة في الإطاحة بكل المنافسين الواقفين أمام طريق عابد.

في الواقع، يعد فوز عابد ـ من الناحية التقنية ـ ضمن القواعد البرلمانية، حيث لم يتم تجاوز أي قوانين في عملية انتخابه. وبالنظر لخلفيات هذا الانتصار، فهو يكرس وبشدة للنهج السياسي الجديد الذي تتبعه حكومة عبد الفتاح السيسي، والذي يعكس «الديمقراطية الموجهة» في مصر.

ويستخدم مصطلح «الديمقراطية الموجهة» من قبل الخبراء لوصف روسيا التي يحكمها الرئيس «فلاديمير بوتين»، ودول أخرى يديرها رؤساء متجبرون، وأبعد ما يكونون عن الديمقراطية الفعلية.

وفي ظل مثل هذا النظام، يمكن القول إن كل مظاهر الديمقراطية، مثل الانتخابات وغيرها ما هي إلا محض شكليات، في حين إنها تندثر على أرض الواقع، وتُسلب كل معانيها الحقيقية، وفعليًا لا يستحوذ على السلطة، إلا الأجهزة الأمنية.

في مصر، اعتمد السيسي الديمقراطية الموجهة كحلٍ للخروج من دائرة الاتهامات، ودحض كل المعارضة على إثر سلبه للشرعية الديمقراطية في مصر. فعلى أعقاب عملية الانقلاب العسكري ضد سلفه، «محمد مرسي»، وجد السيسي نفسه أمام مشكلةٍ حساسةٍ، ألا وهي تبرير حكمه العسكري، والادعاء في نفس الوقت بأنه يدير البلاد في ظل مبادئ الديمقراطية، بهدف اجتثاث أي جذور للتمرد ضده.

واصلت الولايات المتحدة الأمريكية تجاهل انتهاكات حقوق الإنسان التي قامت بها حكومة السيسي، مثل التعذيب والإخفاء القصري للعديد من المواطنين.

وفي السياق نفسه، فإن التاريخ الشخصي لعابد، يعكس ثقافة انتهاكات الشرطة لحقوق الإنسان والفساد السياسي، والتي كانت سائدة في حياة المواطنين المصرين في فترة ما قبل ثورة سنة 2011. ولعبت سياسة الاضطهاد والقمع من قبل الأجهزة الأمنية دورًا محوريًا في إشعال فتيل الثورة آنذاك. في المقابل، ومع استيلاء السيسي على السلطة، عادت ثقافة الاستعباد الأمني للمواطنين لتطمس ملامح الربيع العربي.

ووفقًا لتقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان لهذه السنة، فإنه وحسب إفادة أحد المعتقلين السابقين، والذي يُدعى «فخري عازر»، فقد تعرض هذا الأخير، على إثر القبض عليه في سنة 2005، إلى أشنع مظاهر التعذيب. وزعم عازر، أن نقيبًا في الشرطة وعلاء عابد قد قاما بتقييد يديه للخلف، ثم علقاه في السقف من رجليه، وطفقا يكيلان له الضربات في كل جسده، ولم يستثنيا وجهه، باستعمال هراوة. كما قال عازر «إن كليهما حاولا حشر فردة حذاء داخل فمه».

وتتكرر هذه الفظاعة من قبل الشرطة مع العديد من المعتقلين المصرين، الذين لطالما نوهوا، وبشكل روتيني، بقسوة وسوء المعاملة التي يتعرضون لها. وفي هذا السياق، تقدمت عائلة فخري عازر، بشكوى لدى النيابة العامة، والتي أمرت بأن يخضع لفحص الطب الشرعي.

وحسب نفس التقرير، فإن أطباء الطب الشرعي قد أدلوا بأن الإصابات الحادة في جسد عازر، نجمت عن التعرض لتأثير جسم صلب. في المقابل، وكما هو الحال بالنسبة للآلاف من الإدعاءات المماثلة التي قدمت ضد سلك الأمن في مصر، رفض المدعي العام المسؤول عن القضية عرضها على المحكمة.

علاوة على كل ذلك، لم تتم إدانة علاء عابد، بأية جريمة نُسبت له، كما نفى اضطلاعه في أية واقعة تعذيب لمعتقلين. وفي العلن وصف عابد التهم والادعاءات الموجهة ضده، بأنها «تعصب» و«حرب باردة» من قبل أعدائه اللذين لا يحبذون فكرة أن يتولى ضابط شرطة سابق مسؤولية لجنة حقوق الإنسان. وتجدر الإشارة إلى أنه رفض أن يجيب على أي اتصالات من طرف صحيفة «نيويورك تايمز»؛ لتأكيد أو نفي ما نُسب له.

وبالعودة إلى تاريخ عابد السياسي، فقد انخرط هذا الأخير في الحياة السياسية، سيرًا على منوال العديد من ضباط الشرطة في عهد الرئيس السابق «حسني مبارك»، بعد تقاعده من الخدمة في سلك الأمن، حيث انضم للحزب الوطني الديمقراطي تحت لواء مبارك.

وفي ديسمبر (كانون الأول) سنة 2010،  فاز عابد، بمقعد في البرلمان كممثل عن الطبقة العاملة في منطقة في جنوب القاهرة.

وعلى أعقاب هذه الانتخابات، التي اتسمت بالعنف والتزوير الفاضح للنتائج، فعندما فاز حزب مبارك بأغلبية 83 % من المقاعد البرلمانية، اندلعت نوبة من الغضب أشعلت نار انتفاضة يناير (كانون الثاني) من سنة 2011. وبعيْد سقوط حسني مبارك، حل مجلس الجنرالات محله، وقاموا على الفور بتقويض القوانين التشريعية.

وفي حوار مع إحدى الصحف المصرية مؤخرًا، أعرب عابد عن سعادته بحل برلمان 2010، لأنه لم يكن يعبر عن إرادة الشعب المصري، بالإضافة إلى أن العديد من المرشحين فازوا بطرق مشبوهة.

وأفاد عابد أنه قبل الانتفاضة، كان هناك نسبة عالية من القمع وتجاوزات مهولة من قبل أمن الدولة. كما بين أنه «بسبب خطأ ارتكبه مسئولون عديمو الخبرة، تحولت مصر إلى «دولة بوليسية”».

يستخدم مصطلح الديمقراطية الموجهة من قبل الخبراء لوصف روسيا التي يحكمها الرئيس «فلاديمير بوتين»، ودول أخرى يديرها رؤساء متجبرون، وأبعد ما يكونوا عن الديمقراطية الفعلية.

وفي المقابل، وبعد المخاض الطويل الذي شهدته مصر بعد الانتفاضة، بقيت المؤسسات من مخلفات النظام السابق تعمل بنفس الطريقة.

وفي سنة 2015، عاد عابد ليتقلد منصبًا في البرلمان ضمن الانتخابات والتي شكلت الخطوة النهائية في «خارطة الطريق» التي سبق ووعد بها، قبل سنتين، الرئيس السيسي.

ومن هذا المنطلق، فإن تولي السيسي للحكم لم يقابله موافقة تامة من قبل الدول الغربية، التي ترددت كثيرًا في احتضان حكومته. وفي المقابل، «خريطة الطريق» التي قدمها السيسي وعدت بدستور جديد وقادة سياسيين وبرلمان، كدعوة للدول الغربية لإعطائه فرصة والوثوق بمخططاته.

وفي الإطار نفسه، واصلت الولايات المتحدة الأمريكية تجاهل انتهاكات حقوق الإنسان التي قامت بها حكومة السيسي، مثل التعذيب والإخفاء القصري للعديد من المواطنين. وخلافًا لذلك، حرصت الولايات المتحدة على تأييد أي انتخابات تحدث في مصر، باعتبارها شرطًا لا يمكن الاستغناء عنه للديمقراطية.

كان السيسي في حاجة لتلبية رغبات الغرب الداعية لديمقراطية انتخابية، ولكن في نفس الوقت، لم يكن ليسمح لأي مسؤولين منتخبين أن يعارضوا قراراته أو يتحدوا سلطته.

واستدعى الموقف آنذاك، أن يحضر السيسي، كل الاحتجاجات ويحيل كل منظمات حقوق الإنسان للتحقيق معهم. وبالتوازي مع هذه الستراتجيات، قامت الشرطة السرية باعتقال عشرات الآلاف من النقاد، بالإضافة إلى سحق كل أوجه المعارضة وخاصة، جماعة الإخوان المسلمين.

وأورد أحد أبرز الصحافيين الاستقصائيين في مصر، يُدعى «حسام بهجت، في تقرير نشره، أن وكالات الاستخبارات المتجذرة في البلاد بما في ذلك الاستخبارات العسكرية التي كان يقودها السيسي، تضطلع اليوم بمسؤوليات البرلمان الجديد في حين ينتمي كل المرشحين داخله لها.

وتتمثل مهمتها بالأساس في ضمان أن كتلة المواليين لها يمثلون الأغلبية الساحقة في البرلمان، وبالتالي يمكنها أن تمرر من خلالهم أي قرار يتطلب أغلبية الثلثين؛ مثل تمديد حالة الطوارئ أو إدخال تعديلات على الدستور. وفي الواقع، إن البرلمان الجديد في جوهره يعيد تصوير البرلمان المنحل في سنة 2010.

ومن الواضح، أن السلطة التشريعية الجديدة في مصر قد نأت بنفسها عن وجود أي ناقدين داخلها على غرار محمد أنور عصمت السادات.

وفي هذا الصدد، أوضح النائب السابق في البرلمان المصري في عهد حسني مبارك، محمد أنور عصمت السادات، وهو ابن شقيق الرئيس الراحل أنور السادات، على إثر انعقاد البرلمان الجديد لأول مرة في يناير (كانون الثاني) أنه «لا يخفى على أي شخص أن وضع حقوق الإنسان في مصر يتطلب إعادة تقييمٍ شاملةٍ».

وقد تقلد السادات في وقت سابق، رئاسة لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الجديد، غير أنه لم يمض وقت طويل قبل أن يشرع في التناطح مع أعضاء البرلمان، المواليين للنظام، بما في ذلك المتحدث باسم البرلمان.

ويعتبر المتحدث باسم البرلمان أحد أعضاء الكتلة الموالية للسيسي، ومن أكثر الأشخاص الذين يحاولون حماية سلطته بشتى الطرق، حتى أنه أعرب عن استيائه من انتقاد السادات للجيش وصرح أمام البرلمان «في الأوقات الصعبة، يجب أن تعمل السلطة التشريعية والتنفيذية معا على اعتبارها سلطة واحدة».

وخلال حضور السادات، كمفوض عن مصر ضمن فعاليات مؤتمر حقوق الإنسان في جنيف في أغسطس (آب) تعالت موجة استنكار من قبل العديد من أعضاء البرلمان واعتبروه خائنًا، كما وجهوا له العديد من الاتهامات مما استدعى مثوله للتحقيق البرلماني. وفي أواخر نفس الشهر، قام السادات بالاستقالة من منصبه.

اعتمد السيسي الديمقراطية الموجهة كحلٍ للخروج من دائرة الاتهامات ودحض كل المعارضة على إثر سلبه للشرعية الديمقراطية في مصر.

وسارت الرياح بما تشتهي أنفس الموالين للسيسي، حيث انتهزوا الفرصة ورشحوا علاء عابد للمنصب ليحل مكان السادات. وفي الوقت ذاته، قام مؤيدوه باستغلال اللوائح البرلمانية وإغراق اللجنة بالمواليين لهم. ونتيجة لذلك، تغيرت تشكيلة اللجنة من 38 عضو فقط لتصل إلى 64 عضوًا في سابقة هي الأولى من نوعها؛ لتكون بذلك أكبر من أية لجنة في التاريخ البرلماني.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاستراتيجية مستوحاة من نفس أساليب اللعب السياسي التي كان ينتهجها النظام السالف في عهد حسني مبارك، ففي سنة 2000، سمح حسني مبارك للإخوان المسلمين بالتواجد في البرلمان وتمثيل صوت المعارضة، في المقابل، حرص أن لا يحصلوا على أية فرصة لاقتراح قوانين أو لترأس أية لجنة داخل البرلمان.

ومن المرجح أنه، وبعد سحق الإخوان المسلمين داخل وخارج البرلمان، قد تكون كل الأبواب قد أغلقت أمام أية محاولة لانتقاد الحكومة.

في الواقع، لا يزال السادات ضمن لجنة حقوق الإنسان، ولكن تجربته قد أثبتت له أن المطالبة بحقوق الإنسان ضمن البرلمان المصري هو ضربٌ من السذاجة.

وأقر السادات بأن «الجهاز الأمني في مصر يتمتع بقوة مطلقة لم تشهدها مصر من قبل، وسيحرص على أن لا يكون لأحد فرصة لمنافسته داخل أجهزة الدولة».

وهنا نعود إلى مربع عسكرة الدولة المصرية، وعدم قدرتها على الوقوف على قدمها، ومحاولة إبقائها على هذا الشكل المريض، الذى يجعل أية قوى غير قادرة على منافسة السلطة الحالية، سواء الأمنية أو الاستخباراتية، أو بمقوماتها الأمنية المختلفة، وخوف أي سياسي من الداخل أن ينتقدها مهما كبر، فأمامه طريقان لا ثالث لهما: السجن أو الإبعاد، وكلاهما سكك النهاية وسكك الموت، فيتجنب الجميع تلك الطرق، والسير بها، محتفظًا لنفسه بالحماية الشخصية بعيدًا عن الوطن الذي مزقت كل تلابيبه، وطرق الحل أصبحت أكثر صعوبة، وأصبحت  طرق الموت هى الأسرع، والمجهول والخوف الجميع مؤيد ومعارض للسلطة يتحسسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد