لقطة جماعية للملك فاروق مع أبناء وأحفاد الملك عبد العزيز في زيارته للمملكة عام 1944م.

 

“عبد الناصر هو أسوأ حكام مصر في التاريخ، فقد أفقر البلد وخربها، وجلب لها الهزيمة العسكرية، وعلم المصريين أن يكونوا جبناء وانتهازيين وخبثاء”، هذا ما يقوله أحد أبطال رواية “عمارة يعقوبيان” زكي باشا الأرستقراطي، الذي أطاحت ثورة الضباط الأحرار بطبقته، ولكن هذه العبارات حذفت من الفيلم الذي أخرج عن الرواية.

 

لعل البعض قد يرى هذه الكلمات مجرد هراء كثيرًا ما يقال كنوع من الهجوم على الرئيس السابق عبد الناصر، ولكن حاليًا ومع ازدياد الوعي وانتشار استخدام شبكات التواصل الاجتماعي كالفيس بوك وغيره، أصبحت خير مُعبر للسان حال كثير من المصريين المعاصرين.

 


 

لعل ذلك قد يشكل صدمة للأجيال التي عاصرت فترة الزعيم الراحل عبد الناصر وهي التي هللت ورحبت بما سُمى فى وقتها بالإنجازات والإصلاحات وغيرها من الشعارات البراقة، ولكن الوضع قد اختلف جذريًا فبفضل حالة الانهيار التي أصابت أركان الدولة المصرية بجانب الترهل في مؤسساتها قد جعل كثيرًا من المصريين يندبون بشكل أو بآخر على ما كانت عليه مصر في العهد الملكي.

 

ولكن لماذا قد يدافع المصريون عن ذكريات عبد الناصر؟

قاد جمال عبد الناصر انقلابًا عسكريًّا بمساندة من زملائه في تنظيم الضباط الأحرار الذي كان يقوده اسميًا محمد نجيب، وذلك كواجهة لأنه يكبرهم سنـًّا ورتبة، وسُمى في وقتها بالحركة المُباركة، وقد قاموا بهذا الانقلاب على الملك فاروق الأول سليل الأسرة العلوية مؤسسي مصر الحديثة.

 

وبشكل أو بآخر تم التلاعب بالمسميات عن طريق التعليم والإعلام، فأصبح الانقلاب ثورة، وتنظيم ضباط الاحرار من تنظيم سري محظور إلى تنظيم يحتضن أبطال هذا الوطن، ونُعتت حرب السويس بمسمى العدوان الثلاثي، وتحولت حالة الهزيمة والانهيار فى تلك الحرب، إلى انتصار المقاومة الشعبية بجانب هزيمة 1967 التي وصفت بالنكسة على الرغم من كونها مهزلة على جميع الأصعدة.

 

ورغم جميع تلك المساوئ وحالة التلاعب بالأفكار، لا يجب أن ننسى أن عبد الناصر ظل معبودًا للجماهير منذ توليه الحكم بسن الرابعة والثلاثين حتى وفاته فى عام 1970، وذلك بفضل ما قام به من دور برز فى جلاء القوات البريطانية عن قواعدها في منطقه القنال، وما قام به من تأميم لقناة السويس ومشاريع الإصلاح الزراعي وتعميم التعليم وتوظيف الخريجين وبناء السد العالي.

 

 

ولعل النظام الذي وضعه عبد الناصر في الخمسينات ما زال معمولاً به في مصر حتى وقتنا الحالي، ولذلك صار هناك حالة من العزلة بين الدولة التي تسير بمنظومة لم تتغير منذ أكثر من نصف قرن وشعب معظمه من الشباب يعيش بروح القرن الحادي والعشرين، وفى ظل حالة من انعدام الرؤية والتشاؤم من المستقبل ينشط الحنين إلى أزهى عصور مصر، أي العهد الملكي، حينما كانت مصر تُدين بريطانيا حيث ترتبط تلك الصورة دائمًا في مخيلة المصريين.

 

 

الملكية ومظاهر الحنين

 

فى السابق كان دائمًا يتم الترويج للعهد الملكي بأن الملك ما هو إلا شخص مدلل خائن يلهث خلف ملذاته ويبحث عن النساء ولا يجيد سوى القمار واللهو والعبث.

 


مسلسل الملك فاروق الذي كان يسرد حياته .

 

ولكن مؤخرا تغير المشهد أخيرًا ، بدأ الأمر عندما تم عرض مسلسل يعرض حياة آخر ملوك مصر بشكل موضوعي نوعًا ما، ويبرز بشكل آخر حياته الشخصية وقد أثر ذلك بشكل واضح على الشارع المصري؛ فانقسم بين مؤيد يترحم على العهد الملكي، ومعارض يكفيه لعن نظام انتهى على أيدي زعيم الأمة، بل زادت الحالة عندما بدأ الناس يقارنون بين العهدين الملكي والجمهوري، وثمة دليل ثان على حنين المصريين لعهد الملكية، تمثل في إصدار عدة صحف ملاحق خاصة عما يتعلق بالملك فاروق الذي وجد أخيرًا من يدافع عنه قائلاً: «إنه تعرض للتشويه ممن كتبوا التاريخ بعد حركة الضباط، وأن الإعلام الموجه استُخدم من أجل الدعاية السوداء ضد شخصه وعهده».

 

مظهر آخر يؤكد الحنين للملكية، تمثل في مجموعة تنشط عبر الإنترنت وتحمل اسم «الملكيون المصريون»، واللافت أن أعضاءها الذين يتزايدون باستمرار هم من مشارب ثقافية شتى وجذور اجتماعية عادية، فمعظمهم مثلا من أبناء الطبقة الوسطى، ولم يكن جدودهم من الباشوات، بل أكاد أجزم بأن هذه المجموعة التي ترفع العلم الأخضر الجميل بنجومه الثلاث لا تضم أحدًا من سلالة محمد علي، بجانب ظهور كثير من الصفحات والمجموعات على شبكة فيس بوك التي تحمل اسم الملك فاروق وتؤيد بشكل واضح وصريح آخر من تبقى من ملوك

 


الملك أحمد فؤاد الثاني، آخر ملوك مصر، الذي لم يتجاوز فترة حكمة عده أشهر وهو رضيع، وبعدها تم إعلان الجمهورية

الأسرة العلوية “أحمد فؤاد الثاني”، بل بات جليًّا عندما قامت إحدى القنوات التلفزيونية بعقد لقاء معه، وقد تعرض المذيع في هذا اللقاء لهجوم حاد من قبل أنصار الملكية تحت زعم عدم الاحترام والتبجيل لآخر ملوك مصر من الأسرة العلوية.

 

كل هذه المظاهر وغيرها تؤكد حقيقة مفادها أن هناك قناعة راسخة لدى المصريين بأن الثورة التي أطاحت بآخر ملوك الأسرة العلوية، بعد أن دفع الانقلابيون بدبابتهم تجاه القصور الملكية، وبشّروا بالقضاء على الظلم والإقطاع وإقامة نظام ديمقراطي، قد أخفقت في تحقيق جميع أهدافها،‏ فمازالت مصر تراوح مكانها، إن لم تكن تتدهور، قياسًا بدول بدأت نهضتها معها كاليابان وألمانيا وإيطاليا التي تجاوزت محنتها ورسخت أنظمة ديمقراطية واحترمت الحريات المدنية وأسست نظامًا برلمانيًّا يراقب الحكومة بصرامة، ويكفل التداول السلمي على السلطة، ويحول دون تكدس الثروة في جيوب قلة من المتنفذين الفاسدين‏.‏

 

 

لهذا راح المصريون يراجعون كل التّرهات التي أُجبرنا على تعلمها في مناهجنا الدراسية، كالادعاء مثلاً بأن الأسرة العلوية لم تكن ذات جذور مصرية، وهذا سخف، فمن منا يمكنه أن يثبت أن ستة من جدوده ولدوا وعاشوا هنا، بل كان كبيرهم هو باني مصر الحديثة.

 

ولعل عدد المتابعين المتزايد لمثل تلك الصفحات والمنضمين للجروبات التي تترحم على ما مضى، يعكس حالة من الإعجاب وإعادة التفكير في كثير مما قيل أو نسب لفترة كانت مصر فيها ذات شأن بخلاف ما تتعرض له الآن.

 

يبقى الاعتراف بأن الأزمات المتلاحقة‏ وما استتبعها من احتجاجات شتى فئات المجتمع، ناهيك عن تعاظم مؤسسة الفساد، هي التي تغري بالنوستالجيا أو الحنين للماضى‏،‏ فضلا عن أن كثيرين يرون أن الحياة الحزبية بكل فسادها في عهد فاروق كانت أكثر حيوية، فعلى الأقل لم يستأثر فيها حزب «الوفد» بالحكم رغم شعبيته، خلافـًا لما عليه الوضع الآن‏.

 

 

 

 

 


 


 


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد