اليأس الذي يتم تصديره للشعوب التي تناضل من أجل حريتها وخاصةً عندما يتم تصديره للشباب، ويستطيع أن يفرضه واقع هو نظام ربما قوي ولكنه بالتأكيد جاهل. وفي مقولة الرئيس الأمريكي جون كيندي تفسير جهله «الذين يرفضون الثورة السلمية إنما يعجلون بحتمية الثورة العنيفة».

ويبقي اليأس ربما أحد أهم الأسباب من الثورة عندما يتيقن الشعب من استحالة التغيير أو التطور تحت نفس السياسة الحاكمة، أو بوصف آخر عندما يصل لمرحلة اليأس من إصلاح النظام. ولكن هذا المقال ليس عن اليأس ولكن على العكس, هذا المقال يطوي صفحة اليأس لنقرأ الصفحات التالية من الأمل في ما هو قادم. وكل الأمل الذي نؤمن به في صفحة اليأس السوداء هو الحفاظ على المكتسبات قدر الإمكان، والمقاومة على كل شبر من العمل الحقوقي والصحفي والحزبي والنقابي تم اكتسابه.

روسيا ديسمبر 1904على حدود مدينة بطرسبرغ، وأمام بوابات قصر الشتاء للإمبراطور الروسي نيكولاس الثاني، احتشد 80 ألفًا من العمال في مسيرة خلف جورج جابون «الذي يتواطأ مع الشرطة السرية في الأساس» في محاولة لامتطاء فورة العمال على النظام الإمبراطوري والأحوال الاقتصادية السيئة، لتحجيمها في قالب الالتماس من الإمبراطور العطوف بعض التحسينات الاقتصادية للعمال والنظر إليهم بعين العطف، ويتأكد من استبعاد الآراء التي تتطرق لإصلاح النظام أو تصيب شخص الإمبراطور نفسه. ويشاء القدر أن تتعامل القوات التي تُأمِن القصر بعنف مع المحتجين كعادة كل الأنظمة القمعية الغبية ليجد الرصاص طريقه لجسد 400 قتيل من المحتجين فيما سُمِي بالأحد الدامي.

سري الحماس في العمال والفلاحين في جميع أنحاء روسيا كالنار في الهشيم، وأعلنوا الإضراب التام عن العمل بتوجيه من القيادات الاشتراكية. وحدث ما كان يعمل جورج جابون على تحجيمه، وهو اتخاذ المطالب الفئوية الاقتصادية الشكل السياسي الذي تمتد فيه أعين وأيدي المحتجين إلى كرسي ونظام الإمبراطور. فأعلن الإمبراطور حزمة إصلاحات منها تشكيل مجلس دوما، ولكنه استشاري فقط، وحرية التعبير، والتسامح الديني، والحد من مدفوعات الفلاحين. لكن في أكتوبر 1905 تشكلت ما يُعرف بسوفيتات بطرسبرغ التي أعلنت في 14 أكتوبر ما عُرف باسم بيان أكتوبر الذي طالب بمنح الحقوق المدنية الأساسية، والسماح بتشكيل الأحزاب السياسية، وتوسيع شكل الانتخاب للاقتراع العام، ومنح مجلس الدوما الاستشاري الصفة الوحيدة للتشريع. رضخ الإمبراطور للمطالب التي تعني انتهاء الأتوقراطية الإمبراطورية: أي للإمبراطور الحكم الكامل على الأرض والشعب وبسلطة من الكنيسة، وكل من يخالفه هو خائن للدين والوطن. وتم صياغة دستور روسي للمرة الأولى.

هنا مرحلة الجزر الثوري التي ربما نعيشها الآن بعد ثورة يناير في مصر، حيث ضعفت الوتيرة الثورية وانقسمت الثورة إلى الليبراليين الروس الذين إرتضوا بيان أكتوبر وتجهزوا لانتخابات الدوما, وبين الاشتراكيين الروس الذين قاطعوا الانتخابات وطالبوا بإنهاء الإمبراطورية، وحاولوا إثارة الإضرابات والاحتجاجات المسلحة، لكن كانت قد خفتت الحالة الثورية لجموع الشعب وارتضوا بالإصلاحات التي جاءت في بيان أكتوبر. حتى السادس من ديسمبر حين دعا البلاشفة للإضراب العام والاحتجاجات، وحين اطمئن النظام من ضعف الوتيرة الثورية تصدى لهم بالمدفعية حتى وصل عدد القتلى لـ1000 قتيل، وتخربت المدينة واستسلم البلاشفة. تلتها سنوات كان هدف النظام الكامل هو استغلال فترة الركود الثوري للقضاء على المعارضين والمنظمين لثورة 1905، حتى بلغ عدد الإعدامات من 1905 حتى 1913 حوالي 2950 حالة إعدام تقريبًا، منهم 2118 حتى عام 1908 فقط، وآلاف من المعتقلين السياسيين والذين تم الحكم عليهم بالنفي. وتعتبر هذه الأعداد غير شاملة الإعدامات الميدانية اللحظية، وإعدام الأفراد العسكريين الذين تم الشك في موالاتهم للثورة ولا الإعدامات العقابية في سيبيريا والبلطيق والقوقاز.

ولكن كان الحال مطابقًا لمعظم الأنظمة القمعية التي تري الذراع الأمنية حلًّا مريحًا من التفكير في استرضاء الشعب ومحاولة إنقاذ نفسها بعيدًا عن المسكنات الأمنية التي لا تُشفي وطنًا عليلًا. وكان رد الفعل المتطرف تطورًا طبيعيًّا في صورة الإرهاب السياسي الذي نشرته منظمة القتل الاشتراكية الثورية، ومنظمة قتل الحزب الاشتراكي البولندي حتى عام 1907، حيث قاموا باغتيال اثنين من وزراء الداخلية وقائد الجيش وقائد القوات البحرية لأسطول البحر الأسود، وغيرهم من السياسيين التابعين للنظام كرد وانتقام على إرهاب السلطات الأمنية للنظام الإمبراطوري الروسي.

ثم تأتي الثورة الحقيقية في عام 1917، بعدما بلغ يأس الشعب في النظام نهايته، وحين أصبحت مطالب الشعب مقترنة بشكل كلي برحيله. وقتها كانت روسيا غارقة في الحرب العالمية الأولى حتى كانت الإحصاءات سنة 1916 قد رصدت حوالي مليون و800 ألف قتيل على الجبهة، و2م ليون أسير لدى الألمان، ومليون مفقود أي 5 ملايين رجل روسي بين قتيل وأسير ومفقود. وكان منذ منتصف 1915 يتم إرسال الجنود الروس إلى الجبهة بلا سلاح آملين أن يحصلوا على السلاح من عدو أو صديق قتيل في أرض المعركة. وتضرر الاقتصاد الروسي بالحرب حتى نقصت الأغذية وارتفعت الأسعار حتى صار من الصعب توفير الضروريات من الطعام. وكانت تقف النساء في طوابير الغذاء ما بين 40 ساعة حتى أسبوع بشكل دائم للحصول على الغذاء. هنا بدأت جموع الشعب ترى أن أولادهم يتم رميهم في مجزرة لا يستفيد منها غير الطبقة الحاكمة والأرستقراطية.

حتى فبراير 1917 حين تم تنظيم احتجاجات ومظاهرات تحت شعار واحد وهو «الخبز.. أعطونا الخبز»، وفقدت الشرطة السيطرة وتم إصدار مراسيم للجيش بالتدخل، ولكن نتيجة انضمام الكثير من الفلاحين والعمال وأبنائهم للجيش خلال الحرب العالمة الأولى نتج عن ذلك انضمام قطاعات من الجيش إلى المتظاهرين، بل والاشتباك مع الشرطة مثل منطقة بطرسبرغ العسكرية.

الخبز ذلك الشعار الذي يعلن عن أزمة الاقتصاد، ويعبر عن فشل النظام الفادح لتوفير أبسط شيء من أشكال الطعام، كما يعبر عن مدى احتمال الشعوب لأنظمتها حتى اليأس. فيسقط النظام من أجل رغيف العيش. وهي أزمة الأنظمة التي تريد القمع حين تأخذ جنودها الذين انضموا للجيش للدفاع عن أهله من الجبهة وتضعه أمامهم. هكذا تكتسب الثورة سلاحها في الأساس.
تكونت السوفيتات من خلال ممثلين لعمال المصانع والفلاحين. وهو ما أخذ ما يقارب السنة حتي فقط تم التكوين في ثورة 1905. وهنا يظهر ما حدث حقًّا في ثورة 1905، لقد كانت التجربة للثورة والإنذار للنظام. خطت الثورة الروسية في 1917 خطوات عامين من نضال 1905 في شهور. كانت الأهداف واضحة إنهاء الإمبراطورية والخروج من الحرب وتأميم ما نهبه الإمبراطور وحاشيته والطبقة الأرستقراطية المساندة له ليعود ما للشعب للشعب. لم يتناقشوا حول شكل السوفيتات ومن يمثل كل مصنع، بل كان الممثلون موجودين وتجمعوا في السوفيتات مباشرةً. لم يناقشوا أمر الإمبراطور في البقاء والضغط من أجل إصلاحات أو رحيله فقد كانت آثار الإعدامات عقب 1905 باقية، ورفاقهم ما زال منهم الكثير في السجون، فكان إنهاء الإمبراطورية ليس محل نقاش. وهكذا تم طي صراع 1905 في لا شيء من عمر سنة 1917.

استولى البلاشفة على الحكم، وتم إعدام الإمبراطور وأسرته، وانسحبت روسيا من الحرب العالمية الأولى ودخلت دوامة الحرب الأهلية بين الحرس الأبيض اليميني التابع للإمبراطورية، والحرس الأحمر اليساري التابع للثورة راح ضحيتها أكثر من مليون ونصف من الطرفين.
لنعيد كلمة جون كيندي «الذين يرفضون الثورة السلمية إنما يعجلون بحتمية الثورة العنيفة».

مصر التي نعيشها هي الأقرب للسنوات التالية للثورة الروسية 1905 من خفوت المد الثوري وتصدير اليأس من انتصار الثورة وتحقيق أهدافها. لتصبح «مِصرُوسيا» حتى الأمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد