خرج البيان القطري لا يعبر إلا عن استيائه من قطع علاقات دول بعينها به: هي السعودية، والإمارات، والبحرين دون ذكر لمصر، أو ليبيا، أو اليمن رغم أنهم اتخذوا جميعًا الموقف نفسه، فلم ذلك؟ وما الدلالة؟ وما الذي سيحدث في القريب؟

ستتراجع قطر وسيخفف إعلامها من حدته بعد مدة لن تطول، تتدخل فيها دول مثل الكويت، وسلطنة عمان للإصلاح بين قطر ودول الخليج لتعود المياه إلى مجاريها، وقد أكدت السعودية لجيرانها أنها الدولة الأهم في مجلس التعاون الخليجي، فيما تعود العلاقة القطرية المصرية باردة ومتوترة وغير مبنية على ثقة رغم ما ستتخذه قطر من إجراءات ظاهرية ضد الإخوان على أراضيها.

تمارس السعودية التي تتخذ من الإمارات حليفًا أصغر ولأول مرة في سياستها الخارجية أدوارًا مبادرة، فيها كثير من التحدي والتهديد والتكشير عن الأنياب. فعلت ذلك مع قطر في 2014 وتكرر مرة أخرى في 2017، وفعلته مع مصر حين تصاعدت حدة الخلاف بينهما حول سوريا، والجزيرتين، وزيارة شيخ الأزهر أحمد الطيب ومشاركته في مؤتمر أهل السنة في الشيشان، وما أثير حول كل ذلك من تبعات أدت لتردي العلاقات بين البلدين، ما دفع السعودية للرد بقطع شحنات أرامكو من البترول، ثم دعم السودان المختلف مع مصر حول حلايب وشلاتين عسكريًّا بمناورات جوية حملت رسالة تهديد واضحة لمصر، وسياسيًّا بتقارب وصل إلى دراسة ضم السودان لمجلس التعاون الخليجي! ليقوم السيسي آخر الأمر بخطوته لحل الخلاف وإجراء التفاهمات.

تسبب موقف الدول المذكورة من قطر أن خسرت في يوم واحد 8 مليارات دولار من قيمة أسهمها، ولأن الأمر يختلف كثيرًا عن مقاطعة العرب لمصر بعد كامب ديفيد، فمن المرجح أن الخلاف لن يطول أكثر من أسبوع أو أسبوعين على أقصى تقدير تتدخل فيه دول مثل الكويت أو سلطنة عمان مقدر لها سلفًا من قبل السعودية أن تقوم بدور المصلح الذي يعيد قطر إلى الحضن الخليجي بعد ترويضها، لتبقى مصر وحدها علاقتها متضررة مع قطر غير قابلة للإصلاح.

يعتقد البعض أن قطر قد يحدث فيها انقلاب، أو أنها قد تتعرض للغزو، وهي أمور مستبعدة، فلا أمريكا التي لديها فيها أكبر قاعدة عسكرية ستسمح بذلك، ولا بريطانيا التي تسيطر قطر فيها على ما قيمته 40 مليار جنيه إسترليني من الأصول البريطانية بينها أعلى بناية في بريطانيا «شارد» ونصف الحي التجاري في منطقة كناري وارف بلندن، وبنوك باركليز وسينزبري، وسلاسل من العقارات المهمة في العاصمة البريطانية ستسمح بذلك.

تبقى قرصة أذن إذًا لقطر التي توجهت لإيران بنفس المنطق الذي توجهت به من قبل لحماس وإسرائيل؛ بحثًا عن الاختلاف والتميز عن غيرها من البلدان بما يؤهلها للعب دور أهم، تأسيسًا منها لنفسها سياسة تقوم على شبكة من العلاقات تدفعها للقيام بدور سياسي ودبلوماسي أكبر. على أن توجهًا كهذا لن يرضي السعودية تحديدًا للحساسية الكبيرة بينها وبين إيران. قطر التي لا تريد أن تربط نفسها بأي موقف موحد، ولا تقبل وصاية من أحد رغبة منها في ممارسة سياستها الخارجية بأريحية، ولو مع دول عدوة لدول عربية كإيران، أو فصائل معارضة لأنظمة قائمة بالفعل في المنطقة كالإخوان، دأبت على استخدام آلتها الإعلامية المدافعة عن الحقوق والحريات والديمقراطيات غطاءً لتصفية حساباتها مع دول أخرى أولهم مصر ما بعد ٣٠ يونيو.

يردد كثير من المواطنين في مصر أن قطر لا تحب مصر ولا تريد الخير لشعبها، على أنه لا يوجد في قواميس السياسة ما يسمى بحب أو كره فلو قدر للإخوان الاستمرار لكانت الآية معكوسة، والإعلام يعزف على نغمة مغايرة السعودية فيه تكره، وقطر وتركيا يحبان!

كل دولة دعمت الكيان الأقرب لها وما سيحافظ لها على مصالحها، فلما كان القرضاوي الذي تداول النشطاء صورة الأمير تميم يقبل رأسه قبل أيام، بوصفه رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قياديًّا إخوانيًّا في قطر يتمتع بنفوذ في بلاط الأمير السابق كان من المنطقي لقطر أن تساند أول رئيس إخواني بعد يناير في مصر، خاصة وأن علاقتها كانت متوترة مع نظام مبارك بالفعل لإصرارها على تقديم نفسها للأمريكان والإسرائيليين بديلًا عن مصر.

كانت قطر تنظر لمصر دومًا بوصفها لاعبًا خلت أوراقه إلا من ورقة واحدة هي القضية الفلسطينية؛ إذ تتمتع وحدها بامتياز وجود قنوات دبلوماسية بينها وبين الإسرائيليين وفتح وحماس، على أنها نظرة قاصرة، فلقد كان لمصر وجود وحضور استثنائي في اجتماعات دول جوار العراق، كما فتحت القاهرة أبوابها للفصائل السورية المعارضة، كما كان لها تأثير وعلاقات قوية بالسودان شماله وجنوبه إبان أزمته. هكذا كانت خريطة الأمن القومي المصري، وهي خريطة لم تخل من التوسع في محيطها والتأثير والإيحاء والشو الإعلامي في عواصم أبعد على غرار صلاة الرئيس الإخواني السابق على الرسول وصحابته في قلب العاصمة الإيرانية طهران!

المهم أن النظرة القطرية القاصرة لمصر تجلت في وثيقة مسربة من وثائق ويكيلكس، جمعت بين الأمير حمد وجون كيري رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس حينئذ، وصف فيها الأمير القطري مصر وموقفها من القضية الفلسطينية بصاحب مشفى لا يوجد فيه سوى مريض واحد، فلا هو يريد له الشفاء ولا هو يريد له الموت! طمعت قطر في الدور المصري فقدمت تنازلتها وسعت للتطبيع، واستقبلت بيريز وتواصلت مع الإسرائيليين، وصدرت الغاز لإسرائيل بثمن بخس.

أما السعودية حليفة مبارك التي حام حولها كثير من الشبهات إبان ثورة يناير عن رغبتها في إيواء مبارك، ورفضها دعم مصر ماديًّا، فكان طبيعيًّا ومنطقيًّا لها أن تدعم ما فسر على أنه دعم للدولة العميقة في مصر (مؤسسات الجيش والداخلية والقضاء ورجال الأعمال ملاك القنوات الفضائية من رجال الحزب الوطني)، وانتصارًا لما فسر لديها على أنه انقلاب على من انقلبوا على مبارك، فكانت ملايين الدولارات وشحنات البترول وجولات وزير الخارجية السعودي المكوكية في العالم لدعم الدولة الجديدة.

يؤسفني القول إن الأمر برمته وما حدث أو سيحدث في أزمة قطر ليس بنصر مصري، بقدر ما هو نصر للدبلوماسية السعودية صاحبة التأثير الأكبر في جميع الدول المذكورة، باستثناء ليبيا التي تلعب مصر فيها دورًا أكبر. سيتعاظم الدور السعودي في المنطقة وسيذكر التاريخ أن السعودية ورثت الدور الإقليمي لمصر يوم نهض وزير خارجيتها بجولاته لدعم ما بعد ٣٠ يونيو، كما سيسجل مشهد صعود السيسي طائرة الملك عبد الله وأدائه التحية العسكرية للملك السعودي تعبيرًا عن امتنانه لموقف المملكة في الذاكرة الجمعية لشعوب المنطقة، يؤكد ويؤرخ لحالة من التنازل والتسليم والتسلم لعلها تذكرنا بموقف بريطانيا وقد غابت عنها شمسها لصالح الولايات المتحدة الأمريكية في زمن ما بعد الحرب العالمية الثانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات