هل ما نسمعه حاليًّا من أخبار حول تدني الوضع الاقتصادي تعبر عن شفافية الإعلام والصحافة والتقارير الاقتصادية الحكومية، أم أن هناك ما يُدبر على طريقة نظرية الصدمة في التحول الاقتصادية.

أصل فكرة الصدمة

في أحد المصحات النفسية في خمسينيات القرن العشرين، خضع المرضى لتجارب حرمان من الحواس الخمسة، كانت في أول الأمر بموافقة المرضى، ثم أصبحت التجارب إجبارية، وكانت لهذه التجارب أثر بالغ على صحة المرضى، عانوا بعدها من الاضطرابات وفقدان للذاكرة، يقولDr: Donald Hebb «لم يكن لدي فكرة عندما اقترحت هذا البحث، عن إمكانية التوصل لسلاح شرير ورهيب هكذا».

ثم توقفHebb عن العمل على البحث، وبالرغم من خطورة ما قاله إلا أن دكتور «أيوين كاميرون» واصل البحث وتطور الأمر على يديه، وأصبح الهدف هو محو أدمغة المرضى وإدخال أفكار جديدة، وركز كاميرون على تدمير شيئين مهمين في عقل المرضى، وهما البيانات الحسية، والذاكرة، فحاول إلغاء الذاكرة بواسطة الصدمات الكهربائية والمهلوسات، وحاول إلغاء البيانات الحسية بواسطة العزل التام.

مضمون النظرية

الحكومة إذا أرادت أن تجري تحولات هيكلية شديدة وعنيفة في إدارة الاقتصاد مثل أن تتحول كلية من النظام الاشتراكي إلى النظام الرأسمالي الحر، فعليها أن قوم بما يسمى بالصدمة وهي سلسة من المؤشرات المعلنة عن انهيار الاقتصاد وتهيئة الرأي العام عن أن الانهيار الاقتصادي بات وشيكًا، وأن الحكومة غير قادرة على إدارة الوضع الاقتصادي المتردي، فيخلق ذلك حالة من تهيئة الرأى العام لقبول أقصى القرارات الاقتصادية تطرفًا وأقصاها تشددا وفتكًا بمصالح المواطنين، فيما لن يقبلوه بمثله في الأوقات العادية والظروف المعتاده فتسطيع الحكومة أن تقود بيعًا كاملًا للقطاع الإنتاجى الحكومي أو تخصخص أكبر الموارد الحيوية وتبيع أكبر شركات قطاع الطاقة وتوزيعها، وذلك كله يحدث فى ظل ترحيب وأحيانا تصفيق من الجماهير التي سوف تكون اقتنعت تماما أن هذا هو الحل الأفضل للوضع الحالي.

العراق أحدث مثال للصدمة

في مايو 2003، أمسك بول بريمر زمام سلطة الاحتلال في العراق، وبعد أسبوعين غير النظام الاقتصادي تماما، واعتمد نظام السوق الحر،كانت من أهم قراراته، فصل 500000 من العاملين في الدولة.

استفادت الشركات الأمريكية استفادة كبيرة من خراب اقتصاد العراق، من هذه الشركات، شركة «كرييتف أسوسياشن» تلقت عقودًا بقيمة 100 مليون دولار، لوضع مناهج جديدة وطبع الكتب المدرسة، حتى يغتالوا تلاميذ العراق فكريا، أما شركة «بيرنج بوينت» تلقت عقودًا بقيمة 240 مليون دولار، لبناء نظام السوق في العراق، معهد «أرتي آي» تلقى عقودًا بـ 466 مليون دولار، لتقديم استشارات تدعم التحول الديمقراطي.

استخدم الاحتلال كل وسائل الإرهاب ضد العراقيين، فكانت الجثث تلقى على جانب الطريق لإثارة الرعب في النفوس، خلال الثلاث سنوات الأولى من الاحتلال، تم اعتقال 61.500 عراقي، وحدث ولا حرج عن وسائل التعذيب في المعتقلات، في أحد تقارير الصليب الأحمر يقول أن ما بين 70% إلى 90% تم اعتقالهم بشكل خطأ،كل أسبوعين كان يموت حوالي 1000 عراقي، أكثر من 4 مليون نازح،تحول العراق من دولة ذات اقتصاد مزدهر إلى ركام من خراب ودمار.

نظرية الصدمة فى مصر

نحن نشهد أكبر عملية لنقل الثروة عن طريق الضرائب والخصخصة وتقليل الإنفاق ورفع الدعم، مما يُنتج نقل الثروة من القطاع العام إلى أيدي كبرى الشركات عابرة القارات.

عجز، وإفلاس، وانخفاض الاحتياطي، وارتفاع سعر الدولار،وتعويم الجنيه،وارتفاع نسبة التضخّم، وإرهاب، واغتيالات، وكأنّ هذا الشعب يُعاقب على أنه رفض القمع والخنوع.

اليوم، يُخيّر النّاس بين «الخنوع أو الجوع»، بين أن يقبلوا بالحلول المطروحة وفق رؤية أحادية مُسقطة أو أن ينهار البيت على رؤوسهم ويجوعوا ويزداد بؤسهم.

أسرعت الآلة الإعلاميّة كعادتها لتسهب في شرح الأرقام وتوضيح الخطر المحدق بالاقتصاد الذي يقف على شفير الإفلاس.

الخبراء الاقتصاديّون بدورهم لم يتهاونوا، وساهموا من موقعهم وبصفاتهم للتبرير «للإصلاحات» المقدّمة من الحكومة.

إن الصدمة تم هندستها لإحداث تغيرات بنيوية في أيدولوجية الشعوب والدول لخدمة أيدولوجية يتم تجهيزها من وراء الأحداث، فهل نفطن لتلك المخاطر والتحديات ونحاول مواجهتها والانتصار عليها أم ننهزم ونستسلم لها؟ ظني أن السابق في مصر لن يكون كالقادم أبدًا «محمد نصير».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد