في متابعتي للشأن المصري حديثـًا، لفتني تقرير إخباري جاء يحمل عنوان: «في مصر.. أنتَ رسميًا غير موجود»، والتقرير يتناول مسألة حوادث الاختفاء القسري التي أصبحت حوادث متكرّرة في مصر، تطال الأشخاص وهم يُمارسون أعمالهم اليومية، ببساطة وبلا تهمة محددة، إذ يكفي قول أو لفظ أو منشور على فيس بوك لإيقاع أيّ شخص في شبهة المعارضة وتلبيسه صفة العنصر المدمّر والمخرّب والمتآمر والإرهابي، ثمّ اختطافه والزجّ به في أقبية الزنازين ليبقى هناكَ أيامًا وأسابيع وربّما أعوامًا طوالًا.

وقد أعادتني ألفاظ عنوان ذلك التقرير إلى الكوجيتو الشهير لديكارت: «أنا أشكّ إذن أنا موجود»، وقلتُ في نفسي سأبني كوجيتو خاصًا ومفتَرَضًا للمواطنة الحقة: «أنا مواطن إذن أنا موجود»، ثمّ تساءلتْ: ما الذي يجعل المواطن في مصر غير موجود؟ هو الانقلاب العسكري وما تبعه من عودة السياسات الاستبدادية بالضرورة، ولفهم أعمق له ولتداعياته استدعيتُ تفاصيله التي حدثت في مصر في 3 يوليو 2013 وقارنته بانقلاب تركيا الأخير في 15 يوليو 2016.

ولنبدأ بمصر؛ في مصر واستنادًا إلى كوجيتو المواطنة السابق، الآلاف الذين خرجوا هناك ليعلنوا دعمهم لخيار إسقاط مرسي خرجوا بدافع الشعور بالمواطنة، لقد خرجوا ليثبتوا أنّهم أشخاص فاعلون وموجودون، لكن هذا الخروج أفضى إلى انقلاب عسكري ألغى مواطنيتهم ووجودهم من الأساس، لقد كان الخلل في حالة الانقلاب في مصر على مستوى الفهم والممارسة، فالوجود المهم هنا كان وجودي أنا وحزبي السياسي والمواطنة المهمة هنا هي مواطنتي أنا وحزبي ومن يتبعني، إنّ هذا الخلل في وعي الجماهير بمفاهيم الوجود والمواطنة يعود بالأساس إلى غياب ثقافة سياسية رصينة في الممارسة الديمقراطية وآلياتها، وإذا ما برُّر للجماهير غياب هذه الثقافة، فإنّه لا يُبرَّر للنخب المتمثلة بالأحزاب السياسية المعارضة التي لعبت دورًا مضللًا للجماهير وقامت بتغليب مصلحتها الخاصة على المصلحة الوطنية العليا، فدعت الجماهير إلى النزول إلى الشوارع وتحالفت مع قوى من عناصر النظام السابق، فسهّلت للانقلاب مهمته وأوجدت له قاعدة جماهيرية شعبية مكنته من الحصول على دعم وإسناد دولي، الأمر الذي ساهم في قطع الطريق على مسار التحوّل الديمقراطي المصري وتقويض دعائم الديمقراطية الوليدة في مهدها.

أما بالنسبة لتركيا، فقد تمتعت الجماهير بالوعي على مستوى الفهم والممارسة، ففهمها الصحيح للديمقراطية وآلياتها دفعها للنزول إلى الشوارع للدفاع عن خيارها الانتخابي الديمقراطي المجسِّد للوجود الحقّ والمواطنة الحقة، والأمر كذلك بالنسبة للنخب والأحزاب السياسية المعارضة، فقد فهموا أنّ عدم الرضا عن وجود الآخر في سدة الحكم لا يقتضي إلغاءه عُنفيًّا، وأنّ تغييره لا بدّ أن يأتي من خلال أدوات الممارسة الديمقراطية وعبرَ صناديق الاقتراع، وهو ما انعكس جليًا في ردود أفعالهم التي جاءت في مجملها مناهضة للانقلاب وفكره وقيادته.

وأخيرًا، يُمكن القول بأنّ ما حدثَ في مصر أنّ كوجيتو المواطنة الذي بُنيَ على الـ«أنا» انهارت قواعده وأساساته على حساب عودة قواعد الاستبداد واللامواطنة واللاوجود حتى، وفي المقابل فإنّ كوجيتو المواطنة الذي قام على أساس الـ«نحن» في تركيا ثبتَ ورسَخت قواعده المؤسِّسة للديمقراطية والمواطَنة والوجود الإنساني ككلّ، وبعد هذا، لربّما يكون لِزامًا علينا أن نبني كوجيتو مختلفًا لمواطنة هيَ حقّ للجميع وتُؤمّن وجود الجميع: «نحنُ مواطنون أحرار إذن نحنُ موجودون».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد