لا يجوز لبلد كمصر يحمل تاريخًا طويلًا من الحضارة والعبقرية؛ أن يتم تدميره ليل نهار دون السعي سويًا لوقف هذا التدمير والحفاظ على ما تبقى منه، فمصر التي قال عنها أبو التاريخ هيردوت اليوناني منذ ما يقرب من 2500 عام: «ليس هناك قطر به من العجائب ما يوجد بمصر، وليس هناك بلد فيه من الصنائع ما يوجد بمصر»؛ لا يجوز لنا بحال من الأحوال أن نتركها هكذا نهبة لكل من سولت له نفسه.

ويجدر بي هنا أن أساهم في توضيح ما يحاك لمصر وتاريخها من مؤامرات وانتهاكات كانت وما زالت تجري على مرأى ومسمع من أبنائها.

فموضوع سرقة آثار مصر ليس موضوعًا جديدًا ولا مستحدثًا، ولكنه قديم بقدم الآثار نفسها. فقد بدأ نهب الآثار وسرقتها منذ عهد الفراعنة، وظل مستمرًا حتى عصرنا الحالي.

العجيب أن هناك بردية فرعونية من عهد رمسيس التاسع؛ أي منذ ما يقرب من 1100 عام قبل الميلاد، تحدثنا عن أول عملية نهب للآثار تمت في عاصمة الدولة حينها، في مدينة طيبة (الأقصر حاليًا)، والأعجب أن القائمين على هذه السرقة هم مسئولو الدولة حينها!

تحكي لنا البردية أن «باسر» حاكم طيبة الشرقية كان رجلًا فضوليًا يحب العجب والظهور. وكانت بينه وبين «باورو» حاكم طيبة الغربية منافسات ومناوشات وصلت إلى حد الحسد والوشايات. وذات يوم وصلته أخبار تفيد بسرقة مقبرة الملك «سخم رع شد تاوي» بطيبة الغربية. فباشر التحقيق فيها متجاوزًا حدوده واختصاصاته، بل واستخدم وسائل غير مشروعة لانتزاع اعترافات من المتهمين.

وذكرت البردية اعتراف المتهمين، والذين قال أحدهم: «هناك عثرنا على مومياء الملك المبجلة. ووجدنا كثيرًا من الشارات والحلى حول رقبته، وكان على رأسه قناع ذهبي، وكانت المومياء نفسها مغطاة بالذهب بكثافة. فنزعنا الذهب عن مومياء الملك المبجلة، وأخذنا الشارات والحلى وكسوة التابوت».

استغل «باسر» هذه الحادثة واعترافات المتهمين للوشاية بزميله «باورو» حاكم طيبة الغربية. فرفع الأمر إلى الوزير المحلي «خع ام واست»، الذي أعاد التحقيق مع المتهمين. وهنا أنكر المتهمون اعترافاتهم السابقة، وأصروا على براءتهم من كل التهم الموجهة إليهم. فأسقط الوزير التهم، ولعله كان مشاركًا في الحادثة!

وهنا وقع «باسر» في شر أعماله. فقد غرته الحادثة وأراد أن يوقع بزميله متجاهلًا قدراته ومواهبه في التستر على عمليات السطو على المقابر الملكية. فسعد «باورو» بما جرى واعتبره انتصارًا. وبعد عدة أشهر جمع عددًا من العمال والمعاونين وأرسلهم في مظاهرة صاخبة مرت من أمام منزل غريمه «باسر» فغضب. ولكنه حاول ضبط أعصابه، فلما لم يستطع تقدم للوزير بشكوى ضد «باورو»، وطالب بإعادة التحقيق في سرقة المقبرة وإلا فسيرفع الأمر إلى الفرعون نفسه. وكان هذا تعديًا على أعراف الدولة في التدرج الوظيفي. وبعد طول إلحاح تم إعادة التحقيق مرة أخرى من خلال الوزير الجديد «نب ماعت رع ناخت». فتم استجواب خمسة وأربعين متهمًا. فاعترفوا بعد أن ضُربوا ضربًا شديدًا، وكان من ضمن المتهمين «حامل مبخرة معبد آمون»؛ الذي ذكر أن العصابة فاجأته ليلًا وهو نائم؛ فأيقظوه وقالوا له: اخرج ودعنا نسرق! لأننا جوعى! وصحبوه وأخرجوا تابوتًا من الذهب والفضة فحطموه ووضعوه في سلة ثم قسموه إلى ستة أجزاء!

وكان من ضمن السارقين «كاتب الجبانة» الذي اعترف بعد الضرب والجلد فقال: «كفى! سأعترف هذه الفضة هي كل ما أخذناه، وخلاف ذلك لم أر شيئًا».

وهذه القصة التي ذكرتها بردية – تم بيعها مع نهاية القرن التاسع عشر الميلادي – تبرهن أن سرقة الآثار ما كانت لتتم لا قديمًا ولاحديثًا إلا بتغطية مباشرة أو غير مباشرة من قبل القائمين على الحكم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أثري, مصري, وعي
عرض التعليقات
تحميل المزيد