منذ بزوغ فجر الإسلام وإقليما مصر وبلاد الشام مرتبطان ببعضهما ارتباطاً جغرافيا وسياسية واجتماعيا، بل هذا الارتباط يسبق الإسلام إذ كان كلا الإقليمين خاضعين للدولة البزنطية، بِما سمح للحركة الشعبية أن تفتح تأثيراً متبادلا بين السريان والكنعانييين من جهة والأقباط من جهة ، وتذكر النصوص الدينية هذا الارتباط سواء في التوراة أو القرآن الكريم الذي يذخر بالقصص التي تتحدث عن قصة نبي الله يوسف مع ملك مصر وكيف أن صلاح ملك مصر عاد بالنفع العام علی أهل فلسطين، كما أن قصة نبي الله موسی مع فرعون متواترة حيث إن فساد وطغيان فرعون سبب في التهجير اليعقوبي إلی أرض فلسطين، ومع مجيء الإسلام بدأت الفتوحات في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ففتحت بلاد الشام وأعقبها مباشرة فتح مصر، حيث إن نتائج معركة أجنادين كان لها الأثر المباشر في فتح مصر وبقيت هذه الرابطة بين الإقليمين مصدراً متبادلا لتأثير أي إقليم بالآخر حتی عند نشوء الدولة الفاطمية وسيطرتها علی مصر سارعت لفرض السيطرة علی بلاد الشام ليستتب لها الأمر.

مصر مفتاح بلاد الشام:

اجتاحت الهجمات الصليبية بلاد الشام في القرن الحادي عشر الميلادي وظلت لأكثر من مائة سنة تعمل الخراب والقتل في بلاد الشام والأمة في تمزق أشد مما هو اليوم وتخللت فترات تلك الهجمات نشوء فرق جهادية كالزنكيين كانوا يحاولون أن يحدثوا أثرأ نهضويا يتصدی للهجمات الصليبية، ولم يتم ذلك إلی أن تمكن صلاح الدين الأيوبي من استلام زمام الأمور في مصر، وبعدها حرك جيشاً وحد به بلاد الشام ومصر وتمكن من تحرير بلاد الشام ، ما إن مضت عدة من السنوات حتی اجتيح العالم الإسلامي بأسره من قبل المغول التتر الذين لم يتركوا مدينة إلا ودمروها وقتلوا أهلها وذاع صيت دمويتهم التي لم تنج منها لا روسيا ولا أوروبا الشرقية إذ قلبت موازين القوی في العالم وظل المغول يتوغلون في البلاد حتی اجتاحوا العراق والشام وما إن وصلت أقدامهم إلی آخر فلسطين من جهة مصر حتی انبرت لهم الجيوش المصرية بقيادة الملك قطز وهزمتهم في عين جالوت علی أثرها رجعت للأمة كرامتها.
فليس صدفة أن يكرر التاريخ مرتين الدور المصري في تخليص الشام، بل الأمة من مأساتها وطالما كانت مصر ركيزة الأمة العربية حتی إن العثمانيين لم يعلنوا الخلافة إلا بعد سيطرتهم على مصر.

الربيع العربي ودور مصر:

لم يكن الربيع العربي إلا نتاجا حتميا لإرهاصات نهضة بدأت تتبلور منذ سقوط الخلافة العثمانية ودخول الأمة في نفق من التخبط الذي خلفه الاستعمار الغربي عندما أفرزت آثاره الفكر الاشتراكي علی شكل أحزاب فرضت طوقا من الاستبداد علی مصر والشام والعراق، إلى أن تحطمت تلك الأنظمة بفعل الصرخات الشعبية الرافضة للظلم والمطالبة بالعدل والحرية ، وخصوصاً سقوط نظام مبارك الذي فتح مباشرة باب الحرية للشعب السوري فهتف لإسقاط أكبر نظام قمعي، ولعب الوضع الإقليمي المحيط بسوريا دورا هاماً كان يمكن لو استمر هذا الوضع أن يغير ملامح الشرق الأوسط نحو الأفضل ، وليس سوريا فقط ؛ فلقد انطلقت الثورة السورية في وقت كانت تركيا في أوج تقاربها مع العرب قضية وعقيدة ، ومصر مسقطة مبارك ويدير زمام أمورها محمد مرسي الذي في وقته تغيرت مجريات الأمور وتحقق التقارب الأخوي مع تركيا وسارت بهذا الجو خطی الثورة السورية نحو النجاح.

الانقلاب في مصر واستفحال الخطر:

أكبر نكبة تركت أثرها علی الوضع العربي هو الانقلاب في مصر: فلقد شكل أول صدمة للشعوب؛ إذ قضی علی أول تجربة ديمقراطية قدمت من أجلها الشعوب أرواحها، فلم يقتصر أثر الانقلاب علی عودة الاستبداد فحسب، بل قتل ثقافة الانتخاب الوليدة من هذا المخاض الثوري وشكل دافعاً لتمسك النظام السوري بالحكم أكثر ومن وقته اضطربت الأوضاع في ليبيا وتونس واليمن ودخلت سوريا في متاهة الأجندات الدولية، سوريا التي فقدت جناحها وركيزتها بفعل الانقلاب ، وتركت تركيا وحيدة في مواجهة التقسيم الدولي الجديد، كان يمكن أن تطوی صفحة الذل وتختصر فاتورة الدم لولا الانقلاب، تلك الخيانة التي استهترت بالأيدي المصرية المقترعة ، وخنقت أصواتها الحرة، هي خسارة للديمقراطية والعدالة العربية كافة ؛ إذ إن المصريين يشكلون أكثر من ربع الشعب العربي، ونسف ثمرة صناديق اقتراعهم نسف لمشاريع الانتخاب في بلدان الربيع العربي .

 
إن غياب صوت الحرية وراء القضبان المصرية أعاد الغمامة السوداء فوق الأرض العربي ، فهام السوريون علی وجوههم بحثاً عن وطن في منافي الغربة يرافقهم اليأس من الخلاص حيث إنهم أطلقوا صرخات الحرية بعد أن شهد النيل حرية مياهه وبعودة النيل إلی نير العبودية لم يبق لهم ، إلا العجز وكذلك الليبيون لم يكادوا يتنفسون الصعداء بعد الخلاص من الظلم إلا والنيل قد أعتم من شرقهم فهوت علی أجسادهم السياط الاستبداية من جديد.

عودة الحرية لمصر هي الكفيل الأوحد لإنهاء المخاض العربي ، وطي صفحة المأساة ، فلطالما كرر التاريخ هذه الصرورة حتی غدت حقيقة يؤكدها الواقع الحالي، وتزيد من يقينها النظرة المستقبلية ، فلا بد أن يأتي يوماً ينهي حقبة المأساة السورية، وتكون شرارته من مصر كما حصل ذلك في الزمن الغابر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد