أثارت نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية التركية كثيرًا من التعليقات والاستنتاجات وكذلك التساؤلات في العالم أجمع، ولكن ما يشغلني هو حالنا في مصر وما يمكن أن يستفاد من ذلك الحدث.

وكان مجمل التعليقات المصرية –المناهضة للانقلاب- الثناء على وعي الشعب التركي ونجاح أردوغان في صناعة وعي جماهيري يحفظ تركيا من الانهيار أمام القوى المتربصة.

والحقيقة الصادمة هي أن وعي الشعب المصري لا يقل عن مثيله التركي، بل إنه يسبقه والدلائل كثيرة، نتيجة الاستفتاء نفسها دليل على أنه لا يزال قرابة نصف الشعب التركي يقدم كراهيته لأردوغان على المصلحة العامة المتمثلة في القضاء على نفوذ العسكر في إدارة الدولة.

حتى الذين أيدوا التعديلات الدستورية حسب الإحصائيات التركية المنشورة، 70% منهم أيدوها لثقتهم في أردوغان لا فهمًا لها ولا نضجًا لوعيهم كما يزعم البعض.

وفشل الانقلاب العسكري التركي في ساعاته الأولى لم يكن بسبب وعي الشعب وانتفاضته ضد العسكر فقط، ولكن كان بدعم قوات أمن مدربة ومسلحة استطاعت التغلب على الجيش المنقلب بدعم من الشعب وبالطبع لو تهيأت الفرصة للشعب المصري لكان الوضع مختلفًا الآن. الدلائل كثيرة ولكن ليس الهدف سردها ولكن الاستشهاد بها.

فأين المشكلة إذًا إن لم يكن ضعف الوعي لدى الشعب المصري هو السبب في وقوع الانقلاب؟ وحتى بعد الانقلاب الدموي، إذا كان الشعب المصري لديه الوعي الكافي فلماذا لم يسقط الانقلاب؟

والاجابة أن الوعي لا يمنع انقلابًا من الوقوع ولا يسقطه منفردًا، كما أن الوعي وحده لا يقيم ثورة ولا ينجحها منفردًا، وأظن أن الترويج لهذا يتبناه قادة الثورة من باب الاستسهال والانسلاخ من المسؤولية، فهو يلقي التبعة على المجهول: وعي الجماهير؟!!

والخلاصة أن الشعب المصري لديه من الوعي ما يكفي لدعم أي تحرك حقيقي من قوى الثورة، ولكن المشكلة الحقيقة في قوى الثورة وقياداتها لا في الشعب ولا في وعيه.

يحكي لنا الكاتب الشهير ستيفن كوفي في كتابه عادات النجاح السبع هذه القصة وهي وثيقة الصلة بواقعنا المرير:

«تم اختيار سفينتين حربيتين لإجراء مناورات بحرية في إطار تدريب للأسطول لعدة أيام في ظروف جوية سيئة. وكنت أخدم في السفينة الحربية الرئيسية، وكنت ‏أراقب منصة الربان عندما حل الليل. وكانت الرؤية متعذرة نتيجة للشبورة الكثيفة لذا ظل القائد متيقظًا ويقف على منصة الربان يراقب ما يجري.

‏وعقب حلول الظلام بفترة قصيرة أعلن المراقب الواقف على جانب المنصة أن هناك ضوءًا يسطع عند مقدمة الميمنة.

‏فسأل القائد: وهل هو ثابت أم يتحرك عند مؤخرة المركب ؟

‏فأجابه المراقب قائلاً : ثابت أيها القائد. وهو ما يعني أننا معرضون لخطر الاصطدام بهذا المركب.

‏فنادى الربان على عامل الإشارة قائلاً:  ابعث إشارة خطر إلي هذا المركب: إننا على وشك الاصطدام بكم. أقترح تغيير مساركم 20 ‏درجة.

وجاءت إشارة من المركب: أقترح أن تغيروا مساركم 20 ‏درجة.

فقال القائد: أرسل ما يلى: أنا القائد، غيروا مساركم 20‏ درجة.

وجاء الرد: أنا بحار من الدرجة الثانية. من الأفضل لكم تغيير مساركم 20 ‏درجة.

‏وهنا انتابت القائد موجة غضب عارمة وصاح قائلاً:  أرسل لهم: نحن سفينة حربية، غير مسارك 20‏درجة.

وجاء الرد: هنا الفنار.

‏فغيرنا مسارنا».

ولا نزال في انتظار القيادات الثورية أن تغير مسارها، وأن تدرك أن تاريخها وخبرتها لا يغنياها عن استقصاء الحقائق والاستماع للآخر حتى لو كان بحارًا من الدرجة الثانية من وجهة نظرهم.

للأسف القيادات الثورية لا تزال حتى اللحظة تَصِم كل من ينادي بإسقاط اللانقلاب بانتهاج العنف، وإن لم يفكر فيه ابتداء، وتهيأ الرأي العام المناهض للانقلاب لقبول جولة طويلة من الزحف تحت نير الإجرام الانقلابي، وتروج أن الثبات في السجون وتحت صنوف التعذيب هو الهدف الأسمى وهو طريق الفوز والنجاة، وتسلك كل مسار غير فعال وتنفق فيه الجهد والوقت،لقد أهلكت الجماهير بالخروج في المظاهرات وعرضت الآلاف منهم للقتل والاعتقال دون جدوى وبإصرار عجيب على تبنى هذه الآلية، وفي الوقت نفسه تجاهلت كل آليات حرب اللاعنف مثلاً ولم تطور أساليبها بل لم تجرب أحدها أصلاً، مع ثبوت جدواها وقلة تكاليفها، سلاح المقاطعة مثلا وهو سلاح فعال ولا يعرض فاعله لخطر الصدام مع هذا النظام المجرم لم ينوه أحد قادة الثورة له ولو من باب ذر الرماد في العيون.

الخلاصة أن العجز ليس لدى الشعب المصري وليس بسبب ضعف وعيه، الحقيقة أنها أزمة وعي لدى القيادة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد