تمر الدول بمراحل عدة مثلها مثل الجنين من بداية التكوين ثم الولادة والقوة حتى الموت أو الأفول، وقد مرت دول وإمبراطوريات بهذه المصائر لتصل إلى دويلات وربما أجزاء من دول، كل ذلك يتم بعدة طرق وعوامل تسهل أفول تلك الدول التي كانت يوما ما ترسم سياسات العالم ويحسب لوجودها الحساب. وربما مصر سائرة على هذا الطريق من الأفول.

فكثيرا ما تجند الدول الكبرى أشخاصا توصلهم لسدة الحكم في بعض الدول وتغدق عليهم الأموال والأسلحة وتقف لجانبهم حتى يصلوا اللي الحكم ومن ثم يدفعون دولهم إلى الانهيار والتقزم وربما التلاشي، وذلك من أجل أهداف ومصالح تلك الدول الكبرى.

فمن أجل تدمير الدول وتفتيتها ليس بالضرورة استعمارها عسكريا فقد أصبحت تلك الطريقة قديمة وغير ذات جدوى وهناك من الوسائل ما تفننت فيه أمريكا، كاتهام الدولة بالإرهاب أو أن بها أسلحة نووية تهدد بها جيرانها المسالمين فيكون الحل إعلانا دوليا للقضاء على الإرهاب المحتمل في هذه الدولة كما حدث بالعراق، أو دعم رئيس دموي ضد شعبه حتى تصل البلاد إلى حرب أهلية كحال سوريا، أما مصر فاختاروا لها طريقا آخر فمصالحهم فيها لا تسمح بقيام حرب عسكرية أو أهليه على أرضها، فالحل حرب من نوع آخر، حرب اقتصادية تصل بالبلاد إلى الإفلاس وبالناس إلى الجوع والعوز حتى ما إذا دخلوها كأصحاب ديون رحب الشعب بهم على أمل تخليصهم مما وصلوا إليه من تردٍّ اقتصادي أوصلهم للمجاعات.

وبدأت تلك الحرب بمساندة انقلاب عسكري أطاح بالدولة الديمقراطية الوليدة التي ما كادت تحبو على طريق الاقتصاد الصحيح لإنشاء دولة قوية تملك غذاءها ودواءها وسلاحها وتخرج خارج الشرنقة الدودية التي أسكنتها فيها أمريكا ومن قبلها بريطانيا المحتل القديم علي يد طغمة من العسكر التزموا بتطبيق أبشع صور السياسات الاقتصادية التي أنتجت فظائع القهر والإفقار، والتي ظهرت جلية في امتثال جمال مبارك لنصح الشركات الاستشارية الغربية التي ليست إلا واجهات لأجهزة مخابرات تعمل لصالح الرأسمالية العالمية، مركزين على المال والنمو الاقتصادي باعتبارهما أساس التقدم، أوصلوا اقتصاد مصر إلى حالة من الركود التضخمي وضعف الناتج الاقتصادي الحقيقي مع متلازمة مدمرة من انهيار العملة الوطنية وتفاقم العجز في ميزاني التجارة والمدفوعات، وتفشي البطالة واستعار غلاء متصاعد يطحن عامة الناس، إلا قلة قليلة من المستفيدين من مزايا التنظيم السياسي والاقتصادي القائم (الجيش والشرطة والقضاء).

ثم كانت الطامة الكبرى بوصول السيسي للحكم الذي أكمل وبسرعة جنونية انهيار البلاد وكأنه في سباق مع الزمن كي تنهار تماما فلا يكون لها وجود مرة أخرى، فالرجل يقترض من كل مكان، والأغرب أن تتسابق الدول في إقراضه دون ضمانات حقيقية ورغم علمهم بإفلاس مصر اقتصاديا، مؤخرا السيسي يقترض من كوريا 3 مليار دولار بأقل من 48 ساعة، دولة كفرنسا توافق على إقراض وزارة الدفاع المصرية رغم علمها أنه من الناحية الواقعية مصر قد أفلست بالإضافة إلى عدم استقرار الأوضاع السياسية فيها بما يعرض نظامها الحاكم للإطاحة به في أي وقت.

فلماذا توافق الدول على إقراض مصر رغم إفلاسها؟

الإجابة الوحيدة على هذا السؤال أن الدول تتسابق لإقراض مصر لزيادة حصتها في المجموع الكلي للديون التي تثقل كاهلها، إذ سيكون للدولة ذات النصيب الأكبر في ديون مصر نصيب الأسد في إدارة شؤونها المالية ونهب خيراتها، وستصبح مصر كالتاجر الذي أعلن إفلاسه ويقتسم دائنوه أمواله قسمة غرماء كل بقدر نصيبه، وإذا وجد مالًا غير قابل للقسمة يبيعونه بالمزاد العلني بأبخس الأثمان، هكذا سيفعلون.

إن الديون وفوائدها ستدفعها مصر عن طريق الجباية المباشرة للدول الدائنة عن طريق إدارة النواحي المالية للدولة المصرية أو عن طريق إجبار مصر على بيع قناة السويس أو منح حقوق امتياز لشركات الدول الدائنة لنهب خيرات مصر ولاسيما في مجال البترول.

الوسائل كثيرة، المهم أن الدول الدائنة عن طريق فرض سياستها المالية على مصر ستصبح هي الحاكم الفعلي على كل ربوعها.

وستقوم الدول الدائنة بإدارة شئون مصر الاقتصادية وستفرض عليها النظام الذي تراه في حركة تجارتها الخارجية وفي إدارة قناة السويس وتحديد سعر الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية وسعر الفائدة وأسعار السلع والخدمات والضرائب والرسوم بل تستطيع أن تفرض عليها مقدار الرواتب والأجور المستحقة للموظفين والمستخدمين العموميين وربما أجبرتها على سن قوانين تمكنها من الاستغناء عن بعض موظفيها توفيرا للنفقات وغير ذلك من وسائل الحد من الإنفاق الحكومي مثل رفع الدعم وإلغاء التأمين الصحي والتكافل الاجتماعي من أجل سداد تلك الديون.

وفي القريب العاجل ستباع حصص الدول من ديون مصر بأضعاف أضعاف قيمتها الفعلية إلى الدول التي ترغب في بسط سيطرتها على مصر وقد تكون إسرائيل من بينها.

إن الاستبداد في إدارة البلاد وتحكم المؤسسة العسكرية في الإدارة الاقتصادية وغياب مشاركة الشعب نتيجة تغييب البرلمان وعندما أتوا به كان برلمانا يجمع مجموعه من البهاليل والمجاذيب، وتغييب مشاركة الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني التي صارت كاريكاتيرية لا أكثر، وغياب فقه الأولويات في المشروعات القومية، تجلى في بعض نقاط أوصلتنا لما نحن عليه الآن من انهيار اقتصادي وهي:

  1. التورط في مشروع تفريعة قناة السويس ذي العائد الاقتصادي الصفري، وتحميل ميزانية الدولة ديونًا بمقدار مائة مليار جنيه، ثم التسبب في زيادة التكلفة بـ 2,1 مليار دولار نتيجة ضغط المدة الزمنية للتنفيذ في سنة واحدة.
  2. التورط في صفقة طائرات رافال الفرنسية وتحميل ميزانية الدولة ديونا بمقدار 5,2 مليار يورو (حوالي 52 مليار جنيه) مع عدم وجود حاجة عسكرية ملحة لهذه الصفقة، فهي صفقة سياسية لكسب تأييد فرنسا.
  3. التورط بمشروع المليون وحدة سكنية الموقع مع أرابتك الإمارات بقيمة 35 مليار دولار (280 مليار جنيه)، في رشوة سياسية للإمارات مقابل الدعم، حيث سيتم تنفيذ المشروع من الباطن بشركات مصرية، ثم تحويل المشروع لإسكان فاخر لن يتملكه سوى أصحاب الرز، فالأرض مجانا من الحكومة المصرية، والأرباح للشركة الإماراتية يتم تحويلها دولارات خارج مصر.
  4. رفع مرتبات الجيش والشرطة والقضاء، وتحميل موازنة الدولة أعباء مالية عالية تبعا لذلك.
  5. ترسية تنفيذ محطات الكهرباء على شركة سيمنز الألمانية بقيمة 8 مليار يورو (حوالي 80 مليار جنيه) دون مناقصة عالمية للحصول على أفضل المواصفات والأسعار، والخطأ الثاني بسياسة تمويل بالقروض تزيد المديونية العامة، بدلا من إنشاء شركة مساهمة مصرية وطنية يكتتب فيها الشعب تتملك هذه المحطات الجديدة المضمونة الربح لأن المنتج مباع للدولة وبسعر عادل.
  6. وضع قوانين استثمارات تجعل المصريين أجراء وليسوا مُلّاكًا في أوطانهم، والامتيازات كلها للمستثمرين الأجانب في استغلال الأراضي المصرية مقابل حق انتفاع بسيط.
  7. تخفيض الضرائب على الشركات بينما ترفع على الأفراد، وإضاعة المليارات على الشعب.
  8. سن قوانين تمنع الأفراد من الطعن على التصرفات الحكومية في بيع مقدرات البلاد بصورة مجحفة، مما من شأنه تحصين الفساد وبيع مصر.
  9. هبوط البورصة نتيجة التحفظ على جميع ممتلكات وشركات وأموال أعضاء الإخوان المسلمين ومن ساندهم سياسيا دون أدلة مادية، مما أوجد فزاعة لدى رجال الأعمال من الانتقام السياسي من الخصوم خارج نطاق العدل والقضاء.
  10. تبرئة كل مسؤولي الفساد وعلى رأسهم حسني مبارك وزمرته، لمنع ملاحقة أرصدتهم المهربة خارج البلاد.
  11. ضرب السياحة بسبب سوء التعامل مع ملف الإرهاب المزعوم.
  12. عدم الاستقرار الاقتصادي والأمان نتيجة اللجوء للعنف غير المبرر والقضاء المسيس تجاه الخصوم، مما أدرج مصر في دائرة الدول غير القانونية والمهدرة لحقوق الإنسان.
  13. إصرار السيسي على تمرير المشاريع القومية بالترسية بالأمر المباشر وليس عن طريق مناقصات أو مزايدات دولية أضاع على مصر فرصة الحصول على الأفضل في المواصفات الفنية، وفي التمويل.
  14. ضرب السيسي للقطاع الخاص المصري والعام على حد سواء بترسية المشاريع القومية على الهيئة الهندسية العسكرية في تنافس غير متكافئ حيث تتمتع الهيئة الهندسية العسكرية بإعفاءات ومميزات وظيفية وإعفاءات ضريبية وجمركية كاملة، وأرباح الهيئة الهندسية العسكرية لا تدخل في ميزانية الدولة ولا يتم مراقبتها.
  15. إخراج أنشطة المؤسسة العسكرية في مجال الاقتصاد المدني من الرقابة والإخضاع للضرائب والتأمينات وغيرها أضاع على البلد المليارات.

كل ذلك ويزيد عليه تصرفات السيسي غير المعقولة في تمويل المشروعات كأنه يملك كنزا لا ينضب من المال، بينما هو يستدين أموالا ضخمة دون عائد حقيقي، مما سبب الوصول بالاقتصاد المصري إلى الإفلاس، ولم يلجأ لطرق تمويل أخرى دون زيادة الدين المحلي والخارجي عن طريق إقامة شركات مساهمة مكتتب فيها من الشعب أو عن طريق الاقتصاد التعاوني، أو عن طريق تفعيل نظام الوقف الموجه كرافد رئيسي للاقتصاد.

كيف تدار دولة عن طريق التسول الخارجي والداخلي وطلب التبرعات من شعب أكثر من 40% منه تحت خط الفقر ومعدل البطالة بين الشباب وصل إلى 31,6%، ما هو دور الحكومة والدولة من وجهة نظر القائد المفدي فيلسوف الفلاسفة؟ هل تعول الدولة الشعب أم يعول الشعب الدولة؟

لكِ الله يا مصر.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد