لقد مرت مصر بمراحل عصيبة عبر تاريخها الطويل، من غزو المغول والصليبيين والفرنسيين والإسرائيليين، وقد وقفت كالصخرة في وجه الأعداء، واستطاعت بفضل رجال مخلصين، ومقاومة شعبية، واتحاد بين طوائف الشعب في التخلص من ذلك كله.

ولكن عندما يأتي الخطر من أنفسنا، من أشخاص مصريين، فالطعنة أكبر بكثير من قنابل ورصاص الأعداء، فلقد عاش المصريون من التسعينيات إلى الآن أوقاتا عصيبة تخللها جحيم وجبروت مبارك ورجاله، الذين تحكموا وطغوا في البلاد، واستمر العنف والاستبداد فترات طويلة، واستطاع أن يجعل المصري يخاف من أن يتحدث أو يعطي رأيه، وأصبح مسلوب الإرادة خائفا من بطش أعوان النظام.

فسمح النظام الأسبق أن يجعل من أشخاص معينة، غير مؤهلة لقيادة البلد أن تكون مسئولة عن اقتصاد البلد، وقد قاموا بتكوين إمبراطوريات خاصة بهم، وجنوا أرباحا ومليارات من دم المواطن المسكين، وسمح النظام لنفسه أن يجعل من مصر تركة خاصة يرثها أبناؤه من بعده، ولا أحد ينسى دولة حبيب العادلي وأمناء الشرطة، والتي جسد الراحل خالد صالح دور أمين الشرطة فيها باحترافية كبيرة.

حقا إننا شاهدنا زمنا رهيبا حتى جاءت ثورة 25 يناير، وتخلصنا من جبروت العادلي وديكتاتورية مبارك وتوريث جمال، وشعرنا أن الوضع سيتحسن، وسيكون للمواطن فرصة لكي يعيش ويأخذ حقه المنهوب والمسلوب منه، ولكن جاءت جماعة الإخوان إلى الحكم، وبدأت تتحكم في الشعب المصري من خلال رئيس جاءت به الصدفة لكي يجلس على الكرسي، فمشكلة محمد مرسي هي الطاعة العمياء لمحمد بديع والجماعة.

لقد حاول أن يكون هناك أخونة للدولة، وبدأت شعارات القوة والتفرقة بين الشعب، بين الأقباط والمسلمين، ورأينا موجة من العنف والقرارات الخاطئة بهدف تنفيذ قرارات تراها الجماعة مناسبة وفى مصلحتها، وقد قسم الشعب المصري إلى أقسام، حتى وصل الأمر إلى الدم والقتل للمتظاهرين.

وجاء السيسي من بعيد، لكي يقف إلى جانب الشعب، ويصبح البطل القومى أو سوبرمان المرحلة القادمة، وتغنت مصر كلها بهذا الزعيم، وقد أبهرنا بكلماته التي هزت وجداننا، وتغنى الجميع باسمه، وشعر المواطن المصري أنه بعد ثورة 30 يونيه والتخلص من حكم الإخوان وجحيم الزعماء السابقين، أننا قادمون إلى جنة النعيم.

فقد أخذنا نصيبنا من الجحيم والعذاب، وجاء الوقت لكي ننعم بجنة السيسى وعصره، الذي سوف يجعل للمصري قيمة وكرامة في المجتمع، حتى استيقط المواطن من الحلم الجميل، ورأى أن المشاكل مستمرة، بل زاد عليها الإرهاب، سواء من الجماعة أو من داعش أو من الجماعات التي ترى أنها عملية انقلابية من الجيش والشرطة ولا بد من التخلص منهم، حتى سالت الدماء المصرية لأبرياء من الضباط والجنود.

لقد انتشرت حالات الاغتيال على يد قتلة يعتقدون أنهم بهذا ينصرون الدين، ولكن لا يعلمون أن حرمة قتل الإنسان أكبر معصية وإثمًا، وبدأ شيوخ الضلال يؤيدون فكرة قتل الجنود، ودخلت مصر دوامة الإرهاب، ولكن تحملنا من أجل الاستقرار والعيش والعدالة والحرية.

حتى جاءت مشكلة سد النهضة التي لم يفعل فيها النظام الحالي المطلوب منه، ولم يقم باتخاذ قرارات أمام شعبه تشعره أن وراءه قائدًا يحميه، ولم تلجأ مصر إلى الجهات الدولية مطالبة بحقوقها في المياه والحفاظ على أمن البلد، فالأمن القومي للنيل على وشك الانهيار، واستسلمت مصر لبناء سد النهضة، وفشل النظام في التعامل مع قضية المياه التي تمثل شريان الحياة للمصريين.

وتحمل الشعب المصري أيضا انقطاع الكهرباء والارتفاع في الأسعار وفي السلع الغذائية وفي الدواء وفي الارتفاع المتدرج في الدولار، والكل يقول لازم نصبر ونتحمل، كفانا ثورات وكفانا خروج على الحكام ولازم نصبر ووضعنا هيتحسن.

حتى جاء انهيار الجنيه المصري أمام الدولار، وقيام البنك المركزى بتعويم الجنيه، وأصبح هناك سوقان في مصر، أحدهما بيضاء والأخرى سوداء، وبالطبع سيتجه الشخص إلى السوق السوداء، وتعلم ما سيترتب على ذلك من ارتفاع في أسعار السلع.

ومع ذلك تحمل المواطن، وبدأ يتكيف مع الأمر كل بطريقته، على أمل أن الزعيم (عمره ما هيترك) المصري ينهار ولا البلد تنهار، حتى جاء ذلك اليوم المشئوم الذي قسم مصر فيه إلى قسمين، وظهرت البلبلة وظهر علينا ديكتاتور في اتخاذ القرارات، ضاربا بالدستور عرض الحائط، واتخذ لفظ ترسيم الحدود بدلا من بيع الجزيرتين مقابل المال، فبعد خطاب (أبيع نفسي) جاء بيع الجزر المصرية وأدخلنا السيسي عصر الانقسامات من جديد.

سعادة الرئيس:

نحن لا نشك في وطنيتك وإخلاصك للبلد، ولكنك بشر ولست نبيا، فقراراتك معرضة للصواب والخطأ، ويجب أن يستمع الحاكم لصوت العقل ولصوت شعبه وأن ينفذ ما يريده الشعب لأن الحكم للشعب.

لماذا تريد أن تدخلنا في نيران التغيير من جديد؟ لماذا تريد أن تقمع حرية النقد بالتعتيم على المظاهرات؟

إن ما فعلته بالتنازل عن الجزيرتين لن يسمح به الشعب، فأرض مصر غالية علينا جميعا، لأنها ارتوت بدمائنا، فنحن من دافعنا عنها بشهدائنا طيلة الفترة الماضية، فهي من حق المصريين يا ريس.

وبخصوص الاستثمارات السعودية في مصر والبالغة 16 مليار دولار لن تغير شيئا في مصر، سوى أنها خلقت الانقسام في صفوف المصريين، وبدأنا نخطو نحو نيران جديدة تحرق مصر.

لن نقبل سعادة الرئيس أن يحكمنا ديكتاتور جديد، فنحن قمنا بالثورات من أجل التخلص من الديكتاتورية والانفرادية في القرار، وإذا كنت تريد التنازل عنهما كان لا بد من عرض الأمر على مجلس النواب واستفتاء الشعب، بعد تكوين لجنة من المخلصين ليؤكدوا للشعب إن كانتا مصريتين أو سعوديتين.

الفرصة ما زالت سانحة أمامك لكي تتخلص من النيران التي سيطرت على مشاعر المصريين، وتتخلص من الانقسام في الشارع المصري، فتخلص من لعنة الكرسي ومن الديكتاتور الذي بداخلك، حتى لا تدخل مصر في نفق مظلم ومستقبل غامض، فمصر أصبحت الآن تعيش بين جحيم الماضي ونار الحاضر والمستقبل المجهول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد