لعل ما يسيطر على العقلية المصرية في المفهوم الاقتصادي للدولة هو مفهوم النيوليبرالية أو آليات السوق الحر، ولعل من يسمع لتك المصطلحات من فرط تداولها في الإعلام يظن أنها تحمل مبادئ التقدم الاقتصادي والتطور لمصر، ولكن حقيقة الأمر أن أغلب تلك الأيدولوجيات الاقتصادية تمت هندستها لإحداث تغيرات في اقتصاديات الدول التي تتبع تلك السياسات الاقتصادية، لما يقرب من آثار الحرب أو الكوارث الطبيعية على الدول؛ مما ينجم عنه إعادة لتوزيع الثروات ليس بطريقة عادلة بل بطريقة ظالمة، بحيث تنتج تلك السياسات أقلية فائقة الثراء تتحكم في أكثرية شديدة الفقر، وهذا باتخاذ تدابير مؤلمة اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا لتمرير تلك السياسات.

فعقيدة الصدمة تقوم في أساسها على استغلال الظروف الكارثية أو غير التقليدية التي تمر بها تلك الدول كالأعاصير أو الزلازل أو الثورات لتمرير نهجهم الاقتصادي من خلال استغلال الصدمة الناتجة عن تلك الكوارث أو الظروف.

ولعلنا في مصر نشهد جزءًا كبيرًا من عقيدة الصدمة تفرض علينا من خلال رفع الدعم عن الوقود أو حتى نظام التموين أو حتى ترك الحرية للأسواق دون التدخل الحكومي، في إعادة السيطرة على الأسواق أو الحد من ارتفاع الأسعار ولعل هذه التدابير التي تتخذها النخبة الاقتصادية في مصر، في رأيي أنها لن تعود على مصر بالخير فمصر في الفترة الحالية تحتاج إلى نظام اقتصادي عادل، من حيث توزيع الثروة أو تبني سياسات اقتصادية تأخذ في اعتبارها هذا العدد المهول من المصريين تحت خط الفقر أو المعدل الكبير من الشباب الواقع في البطالة، ولكن واقع الحال ينبئ بأن تلك النظرة الاقتصادية لن يتم تبنيها من قبل الدولة، ولكن لننظر للدول التي طبقت عقيدة الصدمة وما حققته عقيدة الصدمة من نجاحات وإخفاقات، فليس هناك من دولة تم تطبيق تلك النظرية على أرضها إلا وعانت من آثارها، وهي ارتفاع معدل البطالة وانخفاض معدل الأجور، غير الأزمات الاقتصادية التي تسببها تلك السياسات.

برغم أنه من الواضح نجاحها في خفض معدل التضخم وجذب الاستثمار، إلا أن تلك الآثار الإيجابية لا تشعر بها الشعوب لأنه عند انخفاض التضخم يوازيه انخفاض في معدل الأجور، وزيادة معدل الاستثمار يوازيه استفادة شريحة قليلة أو ضئيلة من المجتمع من تلك الاستثمارات.

مما لا شك فيك أن عدم تدخل الدولة بأي شكل من الأشكال في آليات السوق وترك السوق تصحح نفسها من تلقاء ذاتها ينتج عن تلك الحرية قوى اقتصادية كبيرة تمتلك قوة التحكم والتأثير في السوق؛ مما ينتج عنه قدرتها على التأثير سياسيًّا في حالة تهديد مصالح تلك القوى، بل وللحصول على مكاسب جديدة وهذا هو التفسير البسيط للوضع. ولكن في حقيقة الأمر عند فتح الأسواق تكون تلك الأسواق تابعة للأسواق الأكبر (لندن – نيويورك) بمعنى أن تلك القوى المالية الدولية هي المتحكم الرئيسي في الاقتصاد، وبطبيعة الحال تكون هي المتحكم في السياسات الاقتصادية لتلك الدول، ويقول بعض الخبثاء لماذا تصمم الهيئات المالية الكبرى كالبنك وصندوق النقد الدولي والدول الكبرى على اتباع الدول الناشئة أو النامية لتلك السياسات على الرغم من ثبوت فشلها في أكثر من دولة إلا لرغبة تلك الجماعات المتحكمة في الاقتصاد العالمي في إنشاء نوع جديد من السلطة تكون تلك التكتلات المالية فيه (الصهيونية – الماسونية) على رأس السلطة الفعلية، وتكون الحكومات ما هي إلا منفذ لرغبات ومصالح تلك التكتلات في بلدانهم، أو بصيغة أخرى كما ذكر في كتاب الاغتيال الاقتصادي للأمم (الكوربورقراطية) أي حكم منظومة الشركات الكبرى.

 

حقيقة الأمر أن تلك القوى عندما تمد هذه الدول بالمساعدات أو القروض تعود إليها تلك الأموال بأسرع ما نتخيل، وذلك لأن تلك القروض والمساعدات تكون مصحوبة بشروط مثل أن تكون شركات تلك القوى هي التي تقوم بالمشروعات التي من أجلها أخذت القروض، وبالتالي تعود تلك القروض إلى هذه الدول مرة أخرى، ولكن في خزائن شركاتها ويبقى أصل الديون على الدول أو بالأصح على الأكثرية الفقيرة التي تتحمل سداد تلك القروض وفوائدها المجحفة.

 
أما عن معدلات التنمية التي تتحدث عنها الحكومات التي نفذت إستراتيجية الصدمة والتفاخر بارتفاع معدلات النمو الاقتصادي وزيادة الناتج القومي فليس هناك مثال أوضح من مصر في فترة التسعينيات والأعوام اللاحقة، فتم التحدث عن مدى الإنجاز الذي حققه الاقتصاد المصري ومدى صعوده وارتفاع الدخل القومي، والحقيقة أن تلك الأرقام لا تمت بصلة إلى الحقيقة فأغلب المدخول العائد من عملية التنمية لم يصل إلى أيدي أغلب الشعب، بل وصل إلى شريحة ضيقة جدًّا من رجال الأعمال دون تحقيق أدنى استفادة من تلك العوائد لأغلبية الشعب. إذًا معدلات التنمية والناتج القومي ما هي إلا سياسات دعائية لإثبات صحة الأفكار النيوليبرالية هدفها التغطية على أن تلك السياسات هدفها صنع فئة صغيرة من الأثرياء مقابل أكثرية من الفقراء، بمعنى آخر الغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرًا.

البعض قد ينظر لتلك الأفكار باعتبارها من نظرية المؤامرة، والبعض قد ينظر إليها بعدم اهتمام، والبعض قد يؤيد تلك الأفكار إلا أنه قد يفوت أغلب الناس لما تمثله فكرة الصدمة من خطر على مصر هي في غنى عنه، ودعوني أخبركم أنه في نهاية تلك الإجراءات مهما أخذت من وقت يجب حدوث ثورات وقلاقل سياسية واجتماعية، بل انقسام مجتمعي وسياسي ما بين أقلية غنية وأكثرية فقيرة أيهما السادة. إن الصدمة تم هندستها لإحداث تغيرات بنيوية في أيدولوجية الشعوب والدول لخدمة أيدولوجية يتم تجهيزها من وراء الأحداث، فهل نفطن لتلك المخاطر والتحديات ونحاول مواجهتها والانتصار عليها أم ننهزم ونستسلم لها؟ ظني أن السابق في مصر لن يكون كالقادم أبدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد