تقول الأبحاث النفسية الأخيرة التي تمت على الجيل الحديث المُنتسب إلى يهود الهولوكوست -ويهود الهولوكوست هم الذين قام هتلر على رأس الحزب النازي بحرقهم وإبادتهم بأشنع الطرق، والتي لم تقتصر على اليهود خاصةً وإنما تطبيقًا لمبدأ اليوجينيا والذي انتشر في تلك الفترة من القضاء على هؤلاء المُعاقين بإعاقة جسدية أو شكلية، أو قصار القامة أو المرضى بمرض وراثي ليُبقي على جيل يصلح لإكمال مسيرة ألمانيا في هذا الفترة، وكان اليهود هم الأكثر فارتبط اسم الهولوكوست باليهود كأكثرية- أنهم مرضى بداء الخوف الذي استوطن فيمن لم تُصبه لعنة هتلر من الإبادة، حتى انتقل إلى الجيل الحالي منهم، والذي اختص بالدراسة.

والقارئ في الطب سيعلم أن الجينات ما إن تطغى عليها بعض الصفات الشخصية حتى تتأثر بها، وتنتقل إلى الأجيال التي تليها، وذلك حتى أصبح الخوف جزءًا من شخصيتهم ذريعًا بقلوبهم يُشعرهم دائمًا بالقلق والخوف، وكأنهم مُضطهدون فعليًّا رغم تلك الحرية التي ينعمون بها.

أما عنا نحن –المصريين- فالقارئ والمُتفاخر بالتاريخ سيعلم أننا لسنا من طائفة ملوك الفراعنة القدماء، وأننا من طائفة العامة الذي بنوا الأهرامات بدمائهم بالخوف قبل الرضا، بل حتى الرضا الإجباري. وإذا نظرنا إلى فترات حفر قناة السويس والحروب التي خاضها محمد علي كل تلك الأشياء، كان مبدؤها الخوف والإجبار، وهل للمصريين أن يعيشوا فترة حرية في التعبير أو القبول بشيء من قِبل السُلطة، إلى أن وصلنا إلى جيل عبد الناصر ومن بعده السادات والمعتقلات، وكبت الحريات، وتصفية بعض الأشخاص من قِبل ما يدعون أنفسهم أمن الدولة، الكثير راحوا وهؤلاء هم من لم تُصبهم لعنة وسرطان الخوف. أما عن الآخرين فقد سيطر عليهم الخوف حتى قتلهم وخشوا أن يُعبروا أو أن ينصروا حقًّا ولو بكلمة واحدة حتى تحولت الحياة عندهم إلى تكميم أفواه دام فترة طويلة؛ حتى تطور الأمر وأصبح جزءًا لا يتجزأ من شخصياتهم، وانتقل إلى الأجيال الحالية في صورة صمت ولا مبالاة وغفلة عن الحياة وأمورها.

أما عن ثورة يناير وكسر هذا الحاجز من الخوف، فإنها أشبه بالطفرات الجينية تطورت ووجدت طريقها، وهي أشبه أيضًا بخلايا السرطان التي تُنتج يوميًّا هي كذلك من وجهة نظرهم هي سرطان خلية جديدة طغت على النظام الذي لم يتعود على رؤية هذا الشكل المُرتب لحركة الشعب، مُتعجبًا من تلك الطاقة الكبيرة التي ملأت الشوارع مُتسائلين: كيف للخوف أن ينكسر؟ ولكن كعادة الجسد قام ليقتل تلك الخلايا في صورة مُقدسة هي المناعة، وجميع أجزاء الجسد باتت تُصفق للقضاء على هذا السرطان، ولكن هناك بعض الأمراض السرطانية تعود بحالة ممتازة على الجسد فتُكسبه مناعة تحميه من أمراض أخرى قادمة، أو علها تكون السبب في إزالة مرض موجود فعلي مثلما اكتشفوا في الفترة الأخيرة مرض يقتل السرطان ويقضي عليه.

وبات الناس في حالة صمت وخوف من جديد، وعادت الخلايا لطبيعتها، وسادت قوة المناعة، وعاد الخوف إلى ما كان عليه جزءًا من الشخصية، حتى يأتي جيل من عبدة الطُغاة؛ قد تحولوا ها هُنا إلى أشخاص يتخذون من دون الله آلهة، فقد وصل بنا الحال إلى أن تملك كلّ منا إلهًا، هو إله الخوف من الحق، وسيتطور الموضوع إلى أكثر من ذلك حتى تُصيبنا لعنة النهاية، والتي لن نجد منها مفرًا، ستُحيط بكل شيءٍ من حولنا لتقضي على ولو فرحة بسيطة، وتُشعرك دائمًا بأن الحياة بدون خوف كالحياة بدون طعام وشراب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد