بداية القول, بسم الله… الملك الصالح, شجر الدر, أيبك, المنصور, قطز, التتار, عين جالوت, بيبرس, القضاء على معاقل الصليبيين في الشام, بناء حضارة وجيش قوي, الحكم لمن غلب, فساد إداري واستغلال مناصب, مذبحة القلعة. الملك فاروق, محمد نجيب, جمال عبد الناصر, انفصال السودان, اغتيال عبد الحكيم عامر, نكسة 67, السادات, مبارك, الانقلاب….

إذا نظرت إلى تاريخ المحروسة ستجد أن هناك نقاط تشابه بين دولة المماليك ودولة العسكر, باختصار. المماليك أتى بهم الملك الصالح نجم الدين أيوب – هناك اعتقاد خاطئ بأنه آخر ملوك الدولة الأيوبية, لكن الحقيقة أن ابنه توران شاه خلفه لبعض الوقت قبل أن يتم التخلص منه- من أجل إنشاء جيش قوي, حيث كان يأتي بهؤلاء الأطفال والمراهقين ويضعهم في قلعة الجبل, لا يتعلموا شيئًا سوى فنون القتال والدين, كان المماليك يلقون معاملة جيدة من الملك الصالح, لم يكن التعامل على أساس أنهم عبيد, بل كانوا مثل الأمراء.

حتى أن أهم أميرين في عهد الملك الصالح كانا أيبك وأقطاي والاثنان مماليك, كان المماليك يتعلمون الدين حتى لا ينشرون الفساد في الأرض، وحتى يكون لديهم ما ينتمون إليه, فهم بلا أهل ولا وطن, ولا أي شيء يقاتلون من أجله, ولا يمكن أن يكون دافع القتال هو المال فبذلك يصبحون مرتزقة, فكان ربطهم بالدين وبالتالي يكون الدين لهم وطنًا وأهلًا. نأتي لسقوط الدولة الأيبوية, بعد وفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب, تولى ابنه توران الشاه الحكم, لم يكن محبوبًا من شجر الدر التي كانت في الأساس مملوكة, تحالف أقطاي وأيبك مع شجر الدر, حدث الانقلاب على توران شاه, حيث تم محاصرته في إحدى القلاع وقَتَلهُ قطز. إذا نظرت إلى طريقة بداية دولة العسكر والمماليك ستجد تشابهًا واضحًا حيث إن الاثنين بدآ بانقلاب.

بعد مقتل توران شاه كان هناك ثلاثة لاعبين أساسيين على الساحة واثنين احتياطيين, اللاعب الأول والأهم هي شجر الدر, ثم يأتي بعد ذلك أيبك وأقطاي, أما الاحتياطيان فكانا قطز وبيبرس, شجر الدر تولت حكم البلاد لفترة قصيرة ثم اتفقت مع أيبك على قتل أقطاي وتنصيبه سلطانًا اعتقادًا منها أنها تستطيع أن تتحكم في شئون البلاد من وراء ستار أيبك, الذي كان يشبه السادات في المكر والخبث, بعد اغتيال أقطاي بواسطة قطز هرب بيبرس بعد أن أرسل أيبك قطز لكي يقتله, مع العلم أن بيبرس كان صديق قطز, تولى أيبك الحكم وخلع قناعه وسحب كل سلطات شجر الدر, ثم اغتالت شجر الدر أيبك, وتم تنصيب المنصور علي بن أيبك الحكم وكان عمره وقتها خمسة عشر عامًا.

وتم عزل شجر الدر ووضعها كان أشبه بالإقامة الجبرية في البرج الأحمر بقلعة الجبل, لكن أم علي قتلتها هي الأخرى. ومع كل تلك الأحداث سقطت الدولة العباسية في العراق على يد التتار, كان هناك اضطراب داخلي يقوده المملوك سنجر الحلبي الذي أراد أن يقوم بانقلاب ليستولي على الحكم, فلم يجد قطز فرصة أفضل من تلك ليعزل المنصور علي ويستحوذ على الحكم ويفرض سيطرته على البلاد، ثم يعقد مصالحة مع بيبرس ويبني الجيش سريعًا ويواجه التتار ويهزمهم في معركة تُدرس في فنون القتال هي معركة عين جالوت, ولكن بعد المعركة والنصر قتل بيبرس قطز. الغريب أنه بعدها تم مبايعته ونُصب سلطانًا لمصر, وصارت دولة المماليك هكذا, الحكم لمن غلب.

عندما تقرأ تاريخهم لن تجد سوى حالات بسيطة جدًّا لتوريث الحكم, امتلأت تلك الفترة بالمؤامرات وقتل الأمراء, بالرغم من كل ذلك القتل إلا أنهم لم يكونوا يتقبلون خضوع الحكم لغير مملوك, فعندما زاد الفساد الإداري في مصر وزاد طمع المماليك وحدثت ثورة وحكم مصر محمد علي باشا, لم ينل هذا رضاء المماليك, فقرروا أن يتوحدوا للتخلص منه, وكأنهم كانوا يتبعون مبدأ “أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب”, محمد علي كان أسرع, أقوى وأذكى منهم, فتخلص من المماليك كلهم بضربة واحدة, هي مذبحة القلعة.

إذا نظرنا لتاريخ دولة العسكر في مصر سنجد أن البدايات تتشابه, انقلاب على الحكم, انظر إلى ما قبل الدولتين ستجد ملكًا يتولى بعده ابنه, الملك الصالح أيوب وابنه توران شاه ثم المماليك, الملك فاروق والملك أحمد فؤاد ثم حكم العسكر, وإذا نظرنا لفكر العسكر في الحكم سنجده أيضًا قريبًا من المماليك, لا وجود للتوريث, الكثير من المؤمرات, القتل شيء سهل جدًّا فها هو ناصر يقتل عبد الحكيم عامر ويعزل محمد نجيب ويسجن صلاح نصر, وها هم أعوان ناصر يتآمرون على السادات الذي كان رئيس الجمهورية والبلد تعيش في آثار نكسة 67. نقطة تشابه أخرى, العسكر والمماليك لا يقبلون خروج الحكم من تحت أيديهم, فالمماليك لا يقبلون غير مملوك يحكم, والعسكر لا يقبلون سوى عسكري يحكم, هذا ما جعلهم يرفضون حكم جمال مبارك وهذا ما جعلهم ينقلبون على الرئيس محمد مرسي, نهاية دولة المماليك كانت فسادًا, ظلمًا, ضعفًا, ثورة, مؤامرات ثم مذبحة, حتى الآن يمشي العسكر على نفس الخطى حيث الفساد والظلم والضعف والثورة والمؤامرات… في انتظار المذبحة.

سؤال هام, هل هناك اختلاف بين دولة المماليك ودولة العسكر؟ بالطبع هناك الكثير من الاختلافات.

أولًا في المجال الحربي, فيكفي أن تعلم عزيزي القارئ أن معركة عين جالوت لم تكن المعركة الوحيدة التي خاضها قطز ضد المغول, فقد طاردهم حتى طردهم من الشام, بعد ذلك أكمل بيبرس عليهم حتى قضى عليهم تمامًا, كما تخلص المماليك من كل مستعمرات الصليبيين في الشام، بل وفتحوا قبرص, إذا نظرنا للعسكر, سنجد الخيبة الثقيلة لا يوجد داعٍ لذكرها فكلنا نعرفها.

ثانيًا الجانب الديني, دولة المماليك كانت مليئة بالمؤامرات والدماء, إلا أنه كان لديهم جانب آخر متدين جدًّا وهذا التناقض العجيب له تفسير, فقد نشأوا في عُزلة, لم يتعلموا سوى فنون القتال والدين, فكانوا يقتلون للشك, لمجرد الشك. ولكن هذا لم يمنعهم من التدين والعمل على نشر الدين، فالدين هو المعنى الحقيقي للانتماء لديهم, على سبيل المثال قطز كان يعطي الشيخ العز بن عبد السلام مكانة خاصة في الدولة، وكانت كلمة الشيخ ابن عبد السلام كأمر يتم تنفيذه على الجميع بما فيهم قطز, طبعًا عند النظر لدولة العسكر سنجدها أقامت حربًا ضروسًا على الدين, فناصر دمر الأزهر وجعله تابعًا له والسادات كان يكره أي شيخ يقول له حرام, ومبارك… “يا راجل كبر مخك”, أما قائد الانقلاب فيكفي وجود شخصيات مثل مفتي الإعدامات ووزير الأوقاف الذي يراقب المساجد ويغلق بعضها, علي جمعة وأحمد الطيب وكريمة وهذا الهلالي الذي نصب قائد الانقلاب ووزيره الأحول رسل, لكن قائد الانقلاب طمع في الرسالة وحده وعزل الرسول الآخر.

ثالثًا المجال الاقتصادي, أغلب فترات دولة المماليك كانت مصر قوية اقتصادية حتى في عز الحروب التي خاضتها الدولة ضد التتار تارة وضد الصليبيين تارة أخرى, كان الاقتصاد متماسكًا وكانت الدولة تشق الترع وتعتني بالفلاح والصناعات اليدوية, عندما حدث خلل اقتصادي بسبب فساد المماليك سقطت دولة المماليك في مصر, بالنظر لدولة العسكر يكفي أن تعلموا أن العسكر سرق أموال البشوات بعد انقلاب 52، وأمم الممتلكات ثم باع نفس الممتلكات أيام مبارك, ولن أتحدث عن وضع الجنيه المصري وديون مصر وخراب المصانع والاعتماد الكلي على الاستيراد وقهر الفلاح والقضاء على القطن المصري والقمح… للأسف القائمة تطول.

رابعًا الجانب العلمي, مصر في دولة المماليك كانت تهتم بالعلم ليس فقط العلوم الشرعية ولكن شتى أفرع العلوم فكانت الدولة تبني المدارس وترعى الطلاب ليس فقط بتقديم نظام تعليمي راقٍ مجاني, لكن كانت تعطي مساكن للطلاب, مصروفات شهرية وملابس, لذلك أخرجت دولة المماليك الكثير من العلماء مثل النووي والمقريزي, ابن تيمية, جلال الدين السيوطي, النويري والقائمة تطول وتطول, أما إذا نظرت لدولة العسكر فستجد التعليم عبارة عن الابتدائية ست سنوات أم خمس, الثانوية العامة سنتان أم سنة, دروس خصوصية, فساد في كل أشكال التعليم الخاص والحكومي, قتل لروح الإبداع والفكر, حتى الجامعات التي كانت تنافس الجامعات العالمية أثناء فترة الملك فاروق أصبحت في حالة يُرثى لها, لن أتحدث عن باقي إنجازات دولة المماليك التي أوصلت النيل للإسكندرية وأقامت القلاع والمباني المزخرفة الجميلة التي نتفاخر بها إلى يومنا الحالي تحت حكم العسكر.

كلمة أخيرة, إلى الشعب المصري, اعرف تاريخ بلدك, لا تعتمد على كتب العسكر, بل ابحث واقرأ لكي تعلم أن التاريخ في الكثير من المواقف يعيد نفسه, اعلم أين كانت مصر وكيف أصبحت وكيف تخرج من مأزقها الحالي, دولة المماليك في خلال تقريبًا 3 قرون فعلت الكثير من أجل مصر بالرغم أنهم لم يكونوا مصريين, ودولة العسكر التي أشاعت أنها أزالت ملكًا غير مصري يقول حظرتنا وأفندم وتشكرات, فعلت الكثير من أجل العسكر وأعوانهم في 63 سنة.

كلمة أخيرة للعسكر, ستسقطون قريبًا وستكون نهايتكم أصعب وأبشع من نهاية المماليك على يد محمد علي باشا, ستسقطون وستبقى مصر حرة وقوية, ستسقطون وسنقتص منكم على كل ما فعلتموه في مصر, ستسقط دولتكم وتبقى دولتنا, دولة الحق والعدل والحرية, ستسقط دولتكم وتبقى دولتنا, دولة العلم والخير والعمل.. يسقط يسقط حكم العسكر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد