منذ فترة خصصت الكثير من الوقت لمراجعة عدد من وثائق فترة الستينات الناصرية، مثل محاضر مجلس الوزراء المصري في ذلك الوقت، وكذا محاضر اجتماعات اللجنة العليا للاتحاد الاشتراكي المصري (التنظيم السياسي الوحيد وقتها)، وتصادف ذلك مع مشاهدتي لحديث الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في مؤتمر شباب العالم الذى يقيمه النظام المصري ولا أعلم الهدف الحقيقي منه، اللهم إلا الدعاية للنظام المصري، وبعد مشاهدتي لتلك التصريحات، قررت أن أضع تصريحات وحديث رئيسي مصر في الستينات (الناصرية) واليوم في الألفية الجديدة (السيساوية)، ربما يتبين القارئ الفرق في التفكير والرؤى بين النظامين (الناصري، والسيساوى). أي أننى اليوم مجرد عارض لأقوال الرئيسين المصريين، ولن أتدخل إلا بملاحظات محدودة.

لا يتوفر نص بديل تلقائي.

كيف يتحدث الرئيس؟

وكان أهم ما قاله الرئيس ولفت نظري:

تعليق: في رأيي أن عدم اهتمام الرئيس بالصعود الخرافي لسلعة مثل البطاطس (13جنيه للكيلو) تدل على عدم إدراك الرئيس لأهمية بعض السلع بالنسبة للفقراء ومحدودي الدخل (الذين أصبحوا اليوم معدومى الدخل)، وتلك السلع مثل (البطاطس، والفول، والعدس، والطماطم، والزيت، والجبنة القريش) هي الطعام الأساسي والرئيسي للفقراء والمطحونين الذين يعانون في عصر الرئيس السيسي معاناة لم يسبق لها مثيل. والغريب أن العلم يجافي منطق الرئيس السيسي، فحسب نظرية ماسلو والمعروفة بمثلث ماسلو فإن الاحتياجات تبدأ بالحاجات الفسيولوجية (مثل التنفس والطعام والشراب والجنس)، تليها الحاجة إلى الأمان، فالحاجات الاجتماعية. (أي أن الطعام ومنها البطاطس حتى فى العلم لدى الإنسان أهم من الدولة!)

  • وأضاف السيسي، خلال فعاليات اليوم الثالث لمنتدى شباب العالم، «خلوا بالكم من بلادكم البلاد بتتبني بالمعاناة والأسية»، مؤكدًا أن معايير الدكتوراه في كلية هارفرد تعتمد على التجرد، وأكد أنه يجب أن نكمل التحدي للنهاية ونحل القضية بجدية ويجب على الحكومة بمساعدتنا كلنا أن نجد حلا لتوفير التمويل الكافي لإنشاء 250 ألف فصل. وذلك سيجعلنا لا نعطى العلاوة الدورية للموظفين في تلك السنة.

تعليق: لعل أهم ما يأخذه المواطن المصري البسيط على النظام الحالي وسياساته أن نسبة توزيع الأعباء من أجل ما يسمى بناء البلد ليست عادلة، ولا حتى متوازنة فالفقراء المعدمون الواقعون بين سندان الفقر ومطرقة العوز، هم اليوم الذين يتحملون كافة الأعباء، في حين أن الأغنياء المتخمين بثرواتهم لا نرى لهم أي مشاركة تُذكر في عملية البناء المزعوم! ولعل الرئيس يجد من يهمس بأذنه بما قاله الزعيم مكرم عبيد في أواخر الأربعينات من القرن الماضى عندما قال: «آنالأوان أن نحرر المواطن المصري من استغلال المصري».

ولعل ذلك الموضوع بحاجة إلى وقفة، فتلك الطبقة الغنية منذ نشأتها وهي تتميز بالجشع، وتلك الطبقة هي من تعاونت مع كل المحتلين لمصر (من جيوش السلطان سليم العثماني وحتى جيوش الملكة فيكتوريا الانجليزية!)، وتلك الطبقة هى من قاومت كل جهود الاستقلال والإصلاح في مصر (من مصطفى كامل لقاسم أمين لأحمد لطفى السيد لجمال عبدالناصر)، وتلك الطبقة مُناصر قوى لكل سلطة فى مصر(لأن المصالح وليست المبادىء هى التى تحركها وتوجهها (من النظام الملكى للجمهورى ومن عبدالناصر الاشتراكى للسادات الانفتاحى لمبارك والسيسى المنتمين للبيراليةالجديدة فى الاقتصاد وبينهم مرسى الاخوانى)، وتلك الطبقة بجشعها وطمعها واستئثارها بموارد الوطن هى من تدفع الفقراء وهم الأغلبية الى الثورة، ولعل ذلك ما حذر منه أحد غلاة اليمين المصرى واحد رموز تلك الطبقة وهو رئيس الوزراء المصرى الأسبق “إسماعيل صدقى باشا” والذى لُقب برئيس وزراء الحديد والنار فى العهد الملكى (والذى قال فيه شاعر النيل حافظ إبراهيم”ودعا عليك الله فى محرابه.. الشيخ والقسيس والحاخام) حين وقف فى مجلس الشيوخ المصرى عام 1946 قائلاً:

“إننا حكومة بيضاء لشعب أحمر”!، يقصد أن الحكام من النبلاء والمحكومين من الشيوعيين!

  • كما قال الرئيس عبد الفتاح السيسي، إن التوك توك سبب مشكلة كبيرة جدًا في مصر، حيث إنه ساعد على عدم ممارسة الشباب للرياضة، ما أدى إلى زيادة أوزانهم في سن الـ30، ما اعتبره خطرا كبيرا على صحة الشباب.وانتقد “السيسي” -خلال كلمته بجلسة “كيف نبني قادة المستقبل”، توافر مواصلات ببعض الجامعات، لأنها منعت الطلاب من ممارسة رياضة السير على الأقدام وارتياد المواصلات لسهولتها.


تعليق: حسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء المصري فإن 68% من الطلبة المصريين يعانون من القزمية (القُصر) نتيجة سوء التغذية!، والسؤال هو: من أين تأتى زيادة الأوزان التي يتحدث عنها الرئيس في ظل سوء التغذية نتيجة الفقر المدقع الذى يعيش فيه غالبية الشعب المصري اليوم؟!

كيف تحدث الزعيم؟

في اجتماع مجلس الوزراء سنة 1969(أي في أوج حرب الاستنزاف) وحسب محضر مجلس الوزراء وقتها، قال الزعيم “جمال عبد الناصر” وقد لاحظ أن أحد الوزراء يحاول أن يتفلسف فقال له ولبقية زملاءه : ” دعوكم من الشعارات كلها، حتى لا تتوهوا في تلافيفها وحتى لا تمتلئ آذانكم منها بالطنين، فتنسوا ما يجب أن يحدث بعدها.

خذوا الرجل العادي البسيط… هو النواة في المجتمع… وهو الوحدة الأولى…

واستدرك : ” ارموا كل الشعارات من الشباك… وافتحوا الباب للإنسان… للرجل العادي.

كيف يفكر هذا الرجل… وماذا يريد؟.

الفكرة الأولى : عندما يستيقظ في الصباح، فأول ما يفكر فيه ماذا سيأكل اليوم هو وأولاده؟.

الفكرة الثانية : بعد ذلك، هي كيف سيصل إلى عمله، وكيف يصل أولاده إلى مدارسهم؟.

الفكرة الثالثة : كيف يكون مظهرهم… هو في عمله، وهم في مدارسهم، وهل عليهم من الملابس ما هو كاف ولائق من ناحية المنفعة العملية… ومن ناحية الكرامة الإنسانية؟.

الفكرة الرابعة : ماذا لو مرض أحدهم… هل الدواء متاح، أو هو عزير؟.

الفكرة الخامسة : بعد العودة إلى البيت، هل هناك شاغل مهما كان بسيطاً، يجمع الأسرة معاً على متعة من أي نوع ترفيهي أو ثقافي… مثل ذلك هو إحساس الآدمي بآدميته.

هذه هي احتياجات الرجل العادي، تذكروها، وانسوا كل ما ترددون من شعارات “.

ثم استطرد قائلاً:

” قبل أيام سألت، وسأل بعضكم، هل يُعقل أن ندفع عشرات الملايين من الجنيهات في استيراد كل هذه الكميات من الشاي؟.

وراجعت نفسى بسرعة، وقلت: – من هم الذين يشربون الشاي؟.

الذى يشرب الشاي ويجد فيه متعته، هو الرجل العادي البسيط.

هل يُعقل أن نحرمه من ذلك ؟.

إن حياته مليئة بالحرمان، فهل نجئ إلى كوب الشاي التي يخلو معها إلى نفسه، ويضع ساقاً على ساق وهو يشربها ثم نجعلها صعبة عليه؟.

لقد شطبت هذا الموضوع من ذهني، وأطلب منكم أن تشطبوه أنتم الآخرون”.

واقعة أخرى

في بداية الستينات كانت الثورة المصرية تواصل الصعود على درجات السُلم، وإن بدا أثر الجهد على الخُطىَ. وكان هناك اختلاف اجتهادات على قمة السُلطة حول هذه النقطة بالذات: مواصلة الصعود وبأي سرعة، أو التوقف على بعض درجات السلم، أو نزول بعضها لالتقاط الأنفاس.

كانت وزارة السيد على صبري (1962 – 1965) قد أشرفت بنجاح يستحق التقدير على تنفيذ خطة التنمية الأولى، وكانت عملية التصنيع التي أدارها الدكتور “عزيز صدقي”، وبناء السد العالي الذى أدار عملية بناءه المهندس “صدقي سليمان” هما أبرز ملامح هذه الخطة، ولكن هذا الاندفاع إلى التنمية أحدث بالطبع أثاره التضخمية.

ورأى الزعيم “جمال عبد الناصر” أن هذا الاندفاع يحتاج إلى جهد في التدعيم ليسد الثغرات التي تركها وراءه، وهكذا كلف السيد “زكريا محيى الدين” (وهو يُعد الشخص الثالث في الدولة بعد عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، وكان الرجل ذوى اتجاه يميني، ويميل أكثر لاقتصاد السوق) بتشكيل وزارة جديدة في سبتمبر 1965 .

وسافر بعدها عبد الناصر في زيارة رسمية ليوغسلافيا (تيتو). وقامت الحكومة بعد سفره برفع سعر كيلو الأرز، مما أحدث غضباً شعبياً عارماً. ولحسن الحظ أن تقارير السفير الأمريكي في القاهرة “لوشيوس باتل” عن الواقعة حاضرة وموجودة. وتسجل تقارير مرفوع من السفارة الأمريكية في القاهرة لوزارة الخارجية الأمريكية ما يالى:

“حكومة محيى الدين الجديدة قامت برفع سعر الأرز وهو الطعام المفضل لدى المصريين، والشارع غاضب، ولا يُعرف إن كان ناصر وافق على هذا الاجراء قبل سفره. ولكن المصريين البسطاء ليس لديهم آمل إلا في ناصر، وهم يراهنون على أن ناصر فور عودته سينحاز لهم ضد حكومة محيى الدين ويلغى قرار صديقه. إننى لا أعرف من أين يستمد المصريون البسطاء تلك الثقة في ناصر؟”.

ويأتي تقرير ثاني:

” المصريين لا زالوا غاضبين من قيام حكومة محيى الدين برفع أسعار بعض السلع الأساسية مثل الأرز، وقد طلبت الحكومة من الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب تبرير الزيادة، وتنشيط استعمال البدائل مثل المكرونة، ولكن ذلك لم يقضى على تذمر المصريين. ولا زال المصريين يأملون في عبد الناصر!”(علامة التعجب في أصل التقرير).

ويأتي تقرير ثالث:

“نشر الأهرام(جريدة الأهرام وكان يراس تحريرها وقتها الأستاذ محمد حسنين هيكل) أن ناصر سيعود من سفره غداً، والناس بدأوا يكثفوا تذمرهم وغضبهم ورفضهم لقرارات حكومة محيى الدين في تجمعاتهم وخصوصاً في القهاوى، لأنهم يعلمون بأن ما يقولوه يصل لناصر. إننى لا أعلم كيف سيفعلها ناصر وينتصر للبسطاء ضد صديقه وزميلة ورئيس حكومته الذى عينه محيى الدين؟”.

ويعود عبد الناصر، ويمُر فور عودته على مكتبه ليرى إن كان هناك أي تقارير هامة تحتاج إلى توجيه، ويطلع على تقرير قياس الرأي العام، ويعرف أن الجماهير غير قابلة بقرار رفع الأسعار، ولفت نظره واقعة في تقرير وهى:

“أن الحكومة طلبت من الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب تبرير الزيادة، وتنشيط استعمال البدائل مثل المكرونة، وأن الناس في المدن السواحلية اعترضوا على ذلك الحل، لأن أغلبية أكلهم سمك، والسمك لا يُأكل مع المكرونة”. وكان تعليق احد المسئولين في الاتحاد الاشتراكي المقربين من الحكومة ” ازاى السمك ميتكلش مع مكرونة؟ إذا كان السمك نفسه مكرونة”!

وطلب عبد الناصر عقد اجتماع عاجل لمجلس الوزراء ثاني يوم وصوله.

و ظهر اختلاف الاجتهادات في الاجتماع بعد الشهر الأول من وزارة زكريا محيى الدين، و كانت تلك ظاهرة صحية في معظم الأحوال.

كان هناك اجتهاد من رئيس الوزراء زكريا محيى الدين مؤداه:

” أن الظروف تقتضى بعض الانكماش، وإن تلك أيضاً نصيحة من صندوق النقد والبنك الدولي”، و أضاف محيى الدين ” بأن الفلاح المصري قبل ثورة يوليو عاش بجلباب واحد، ولكنه بعد الثورة أصبح يعيش بجلبابين وثلاثة، وليست هناك مشكلة أن يعود للجلباب الواحد مرة أخرى لسنة أو سنتين بضرورة التنمية”.

واستمع الرئيس عبد الناصر لجميع الحاضرين من الوزراء و للسيد على صبري رئيس الوزراء السابق وأمين الاتحاد الاشتراكي، وفى نهاية الاجتماع عقب عبد الناصر على الجميع قائلاً:

” إننا نأخذ بتجربة اشتراكية، وقد نواجه بعض المشاكل، ولكننا لا نستطيع إزاء هذه المشاكل أن نجئ بقمة الرأسمالية العالمية ممثلة في الصندوق والبنك الدولي ونطلُب منها المشورة في حل تجربة نمو اشتراكي.

ثم خاطب عبد الناصر زكريا محيى الدين:”يا زكريا لو مشينا وراء نصائح البنك والصندوق الناس موش هتلاقى تأكل، ولو كنا هنمشى وراء نصايحهم كان لزمتها ايه كل المواجهات السابقة معاهم؟”

وأضاف عبد الناصر:

” إننى أسلم أن الاقتصاد في الفترة السابقة كان زائد السخونة بسبب الاسراع في عمليات التنفيذ، ونحن الان نحتاج إلى عملية تدعيم للخطوط قد تفرض علينا إعادة نظر في بعض مشروعات الخطة الجديدة، و لكن هناك اشياء لا تقبل إعادة النظر في رأيي و أهمها إصلاح واستزراع الأراضي الجديدة لكى تُستعمل مياه السد العالي، وإلا تحول هذا السد إلى هرم جديد وليس أكثر!”

ويكمل عبد الناصر: ” ثم أننا لا بد وأن نركز على الصناعات الثقيلة، وإلا زاد علينا عبء الاستيراد، فضلاً عن اهدار امكانيات وموارد يمكن استغلالها”.

و يضيف ناصر: ” أنا على استعداد لأن أقبل مضاعفة الدخل في اثنى عشر سنة بدلاً من عشر سنوات. وأستطيع أيضاً أن أقبل اعطاء سنة من السُلطة المطلقة للمنفذين في كل المجالات. وأستطيع أن أقبل وجهة نظر الدكتور القيسونى عن وجود ظواهر تضخمية (بنسبة 8% سنة 1966) لا بد من امتصاصها، ولكن امتصاصها لا يمكن أن يتم كله في عام واحد لأنه سوف يجعل الحياة مستحيلة على الناس”.

ثم قال عبد الناصر موجهاً حديثه للدكتور (عبد المنعم القيسونى) :

” إننى الاحظ أن الدكتور لبيب شقير (وزير التخطيط) يأخذ اتجاهاً متطرفاً في القبول بالتضخم مادام ظهوره نتيجة لأعباء التنمية و الانتاج وليس نتيجة اسراف أو استهلاك، ثم أجدك بدورك تتخذ موقفاً متطرفاً على الناحية الأخرى، وأنا أخشى من المواقف المتطرفة مهماً كان اتجاهها لأنه بهذه الطريقة يمكن أن تضيع الحقيقة”.

وكان قرار عبد الناصر النهائي في موضوع الزيادات: إلغاء قرار الزيادة، وأكمل : “نقف على درجات السلم نعم، ولكن لا ننزل على السلم درجة”.

ويعاود السفير الأمريكي باتل الكتابة للخارجية الأمريكية قائلاً :

” لقد ألغى ناصر قرارات حكومة محيى الدين، وربح البسطاء رهانهم، لقد أثبت ناصر أنه ملاكهم الحارس”.

انتهيتُ من المقال، وتركتُ قلمي وأغمضتُ عيني وسرحتُ بخاطري، وتذكرت حينها ذلك المشهد الذى حدثنا عنه شكسبير في رائعته “يوليوس قيصر” حينما اراد مارك أنتونى أن يرثى قيصر فى خطبته الشهيرة فاستهلها قائلاً:

” يا شعب روما.. اذا كانت لدى أي منكم بقية من دموع، فليذرفها الان!”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد