(أعلم مسبقًا أن الكثيرين سيصفونني بسوء النية على طول الخط، أو أننى أنظر دائمًا إلى نصف الكوب الفارغ، ولا بأس بالطبع من بعض الاتهامات بالتخوين والعمالة والانتماء لجماعة الإخوان المسلمين. جميع أنواع السباب والشتائم مرحب بها طوال الوقت).

 

في العشر سنوات الأخيرة لم تشهد مصر عملًا فنيًا – إن جاز إطلاق لقب عمل فني على هذا الأوبريت – بمثل هذا الانحطاط أو التردي، حتى الأعمال الفنية الهابطة التي ظهرت على الساحة إبان خلع مرسي وأحداث 30 يونيو بقصد رفع الروح المعنوية والوطنية، لم تكن بمثل هذا التردي والسفه، فلو أراد الإخوان النيل من مصر وسمعتها، لما وصلوا في أشد شطحات خيالهم الشرير إلى تلك العبقرية في الفشل الذريع، بالرغم أنني لم أشك للحظة في نية صانعي الأوبريت إياه.

 

مبدئيًا، فإن هذا العمل أقل ما يوصف به أنه مثير للشفقة؛ فهو يؤكد نظرية أن “فلوسهم زي الرز”، باستهداف السائح الخليجي خاصة دونًا عن غيره، وقد تبارى الإعلام لأسابيع في محاولة دحض تلك الفكرة.

أوبريت “مصر قريبة” يعتمد تحديدًا على “الإنكار” كحيلة نفسية دفاعية Defense mechanisms تميز عدم النضوج الفكري Immaturity، فالأوبريت يعد السياح الخليجيين بـمصر خيالية لا توجد في الواقع، مصر “يوتوبية” مثالية إلى أقصى درجة، غير موجودة إلا في ذهن مخرج الأوبريت، وهذا يندرج فعليًا تحت مسمى النصب، عندما يأتي السياح ليبحثوا عن أنغام التي ترتدي “جوبًا” فوق الركبة على كورنيش النيل فلا يجدونها، أو عن مطار القاهرة الدولي المنظم الذي تنهي فيه إجراءاتك بسهولة ويسر مع ضحكة ترحيب جميلة من ضابط بمثل وسامة آسر ياسين فلا يجدونه. وهذا النصب فعليًا سوف يؤدي إلى نتائج عكس المرجوة منه.

وأكدت الناقدة السينمائية ماجدة خير الله نفس المعنى قائلة: “في الترويج للسياحة، ممكن تجمل الواقع بعض الشيء. لكن بلاش تكذب بفجر، عشان ده يجيب نتيجة عكسية، يعني لو واحدة سائحة فكرت تتمشى لوحدها على كوبري قصر النيل بملابس مثل اللي كانت لبساها أنغام، هتلاقى نفسها بتتشلح من كل من هب ودب، خليك صريح عشان الناس تحترمك ع الأقل ـ يعني تفهم السائح إنه هيتقلب ويتنصب عليه و يتهزأ ويتحرش بيه وبمراته وبناته، وإنه لو فكر يشتكي ويروح القسم، هينتهك عرضه، وده أقل واجب! الصراحة مفيش أحلى منها”.

 

دولة تحتوي على ثلث آثار العالم – مثلما تقول الأسطورة – تنتج أوبريت دعائيًا لدعم السياحة في مصر، فيتغافل الأوبريت عن كل معالم مصر السياحية والأثرية والمساجد والكنائس والمعابد والمتاحف والشواطئ، فقط يركز بامتياز على توصيل رسالة مفاداها “أننا كمصريين على استعداد لفعل أي شيء مقابل ريالاتكم ودنانيركم ودراهمكم”.

فها هو لطفي لبيب يمكن أن يصبح سائقًا ببساطة مقابل المال، راسمًا على وجهه نظرة “الفار وقع في المصيدة”، والتي يبدو أنه لم يستطع التخلي عنها بعد دوره في فيلم “عسل أسود”، أو سامح حسين يمكن أن يصبح عربجي حنطور – مع كامل احترامي لأصحاب تلك المهنة – بينما ترتسم على وجهه نظرة السعادة بالحصول على زبون خليجي يكفي بقشيشه شر الليلة بل وليالي الأسبوع القادم بأكمله، وأروى جودة التي يمكن أن تتمايل وترقص في الشارع مقابل ابتسامة ونظرة رضا خليجية، أو غادة عادل التي يمكن أن تصبح بمنتهى السهولة بائعة هوى تمشي الهوينى على كورنيش النيل، تنظر إلى الخليجي نفس نظرة عاهرات شارع جامعة الدول العربية الذين يحملقون إلى الـ BMW الفارهة التي تقف لينتقي صاحبها ذو الغترة ما شاء من البضاعة المنتشرة على جانبي الطريق، نظرة غادة عادل توصل رسالة ضمنية للسائح الخليجي تقول: “هنشخلعك وهاندلعك مادمت هاتدفع”، أعتقد أنه كان من الأفضل تغيير كلمات الأوبريت كي تصبح “وأنت ماشي في مصر شايف 1000 مومس بتناديك”.

 

الحقيقة المرة أن نظرة الإخوة الخلايجة لمصر قبل الثورة كانت مثلما رسمها الأوبريت حرفيًا، مصر ليست أكثر من مكان رخيص للسياحة الجنسية، وبعد الثورة بدأت تلك النظرة تتغير، وبدأت تلك الظاهرة في الاندثار شيئًا فشيئًا، وبدأ العرب والخلايجة في الاتجاه صوب أماكن أخرى بحثًا عن السياحة الجنسية، إلا أن هذا الأوبريت يرسل رسالة لكل العرب مفادها “نحن لازلنا على نفس الصورة القديمة التي في أذهانكم، إننا على استعداد لتلبية رغباتكم مهما كانت – حتى الدنيئة منها – مقابل الريالات والدينارات، فنحن عبيد إحسانكم ونحن قوادون بامتياز، وبناتنا للعرض والطلب” بإصرار غير عادي للعودة للمُربع صفر.

ويكرس باقي الكليب لفكرة انحطاط الشعب المصري عامة، فها هو محمد لطفي أصبح بلطجيًا، أو أحمد رزق نصابًا بتاع تلات ورقات، بينما محمد هنيدي وشريف منير عواطلية يملؤون فراغهم بلعب الطاولة على المشاريب، بينما يقف ماجد المصري بجوار رفيقته في الكليب كندا علوش عشان “يعاكس الرايحة والجاية”، ويظهر صبري عبد المنعم في صورة مصور متجول رث الثياب يحمل كاميرا بدائية بسيطة يبحث بها عن أي سبوبة، وصلاح عبدالله بائع لزج من باعة الحسين ببضاعتهم الرخيصة الصينية الصنع، إلى جانب الصياد الفقير الذي يعطف عليه الخليجي على كورنيش النيل، أو المبخراتي أو بائع العرقسوس الذي يعتمد على البقشيش كأسلوب حياة.

 

لوهلة اعتقدت أن مخرج الكليب عبقري، فهو يعلم جيدًا أن تلك الأمور السياحية التافهة من آثار ومساجد وكنائس ومعابد وشواطئ ومتاحف ليست هي ما يجذب السائح الخليجي، بل تجذبه الشخلعة والدلع وكافتيريات وكازينوهات وكباريهات شارع الهرم وغيرها، لكني تراجعت عندما فكرت مليًا في سذاجة تفكير هذا المخرج، وكيف اعتقد أن السياحة الخليجية يمكن أن تتدفق على مصر من كل صوب وجانب بمجرد أن يرى الخليجي سمير غانم ودلال عبد العزيز في الحنطور، ومحمد منير في المطار، وماجد المصري بجانب كندا علوش يأكلون من عربة الحلبسة، أو لأن عزت أبو عوف يجلس بانتظارهم في القهوة، وتنفرج أساريره بمجرد رؤية الدشداشة والغترة قادمة من بعد العقلية التي صنعت هذا الأوبريت المثير للشفقة، هي نفس العقلية التي لا تزال تنظر للخليجي على أنه بنك أموال متحرك، يجب “تقليبه” من كل “دينار” و”ريال” و”درهم” قبل أن يعود إلى بلاده مرة أخرى.

 

عزيزي السائح، أرجوك لا تصدق أنغام وهي ترتدي “جوبًا قصيرًا” على كورنيش النيل، تلك مجرد أوهام غير موجودة في الواقع، فلو حاول السائح – أيا كانت جنسيته – اصطحاب زوجته أو ابنته أو رفيقته إلى كورنيش النيل، فأقل شيء أن يعود بها إلى الفندق حاملًا في توأم بسبب التحرش الجنسي الذى يمكن أن تتعرض له أي أنثى على كورنيش النيل الذي كان يومًا ما عظيمًا. وقبل أن تكذبني وتتهمني بالمبالغة، أدعوك أن تمارس التجربة بنفسك، بعد أن تكون أمنت على عذرية زوجتك بمبلغ من ستة أصفار.

 

ولا تحاول أن تبحث عن نزهة نيلية في أي من الفلوكات المنتشرة على جانبي النهر الذي كان يومًا ما عظيمًا، تلك الفلوكة التي كانت في عهد مضى موطن العشاق والرومانسيين والشعراء، صارت اليوم الموطن الرئيسي “للشقط”، ومعرضًا مفتوحًا للبضاعة الجنسية الرخيصة مع إمكانية التوصيل Delivery حتى باب المنزل، ودولابًا متنقلًا للمخدرات بأنواعها.

 

الشيء الوحيد الذي لن أحذرك منه هو تذوق الحلبسة وخطر الإصابة بفيروس سي، فـمصر تمتلك الجهاز الوحيد في العالم القادر على علاج الفيروس، ويسعدنا أن تجربه عندنا مجانًا.

مصر باتت أشبه بأرملة لديها 7000 سنة حضارة وأهرامات وتبحث عن خليجي جاد. أشياء كثيرة تغاضيت عن الحديث عنها من باب الستر.

عزيزي السائح، مصر قريبة.. من الجحيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد