تمر أمامنا كل يوم أخبار مؤلمة وذكريات عصيبة، نرى ألمًا يلم بأُسر وأهالي المعتقلين، يزداد يومًا بعد يوم. وهو ألم نستطيع دعوتهم للصبر عليه في حالة وجود مشروع تتضافر فيه الجهود وتعمل لأجله الأيدي – فلسطين نموذجًا – لكن في حالة فقدان التصور فأولى الأولويات – في وضعنا الحالي – هي حفظ أعمار المعتقلين وتحريرهم من الظلم الشديد الذي يعانونه، عن طريق مصالحة واضحة البنود من خلال من يستطيعون التأثير على النظام المصري، إلى أن يأذن الله بأمر آخر (قيادة أخرى أو مشروع آخر مختلف كليًا).

الفكرة الإسلامية ومكانها من العالم

يخبرنا أساتذة التاريخ والسياسة أن من أراد فهم السياق المحلي، فعليه بفهم السياق الإقليمي، ومن أراد فهم السياق الإقليمي فعليه بفهم السياق الدولي، فكلها دوائر متداخلة لا تنفك بحال عن بعضها البعض، ومن يجزئها إلى أحداث منفصلة فهو مخطئ يتعامل بسذاجة في مواطن الجد. والخطأ هنا ليس خطأ عاديًا؛ فليس في الناس معصوم، لكنه متعلق بالدماء والأرواح والأعمار، فمن يستطيع أن يتحمل ثمن هذا الخطأ؟ والثمن المدفوع ليس مصريًا فقط، وإنما محليًا أيضًا، ولا نبالغ إن قلنا: عالميًا.

ففي السياق الدولي ترصد التحليلات العديد من عوامل التغير، أهمها انتشار الفكر القومي الشعبوي من جديد، والذي يترافق مع انتقال موازن القوى تدريجيًا من الغرب إلى الشرق، متمثلة في روسيا والصين وحلفائهما، ويبدو أن حربًا ضروسًا – من المستبعد أن تكون حربًا عسكرية؛ لتوازن القوة العسكرية بين الشرق والغرب، ولأن القوى الغربية مرتعشة اليد بخصوص قرارات الحرب العسكرية المتكافئة منذ كارثة الحرب العالمية، يتوقع الخبراء أن تكون حربًا تنافسية تجارية أو حربًا في العلاقات والنفوذ، أو حربًا في التطور التكنولوجي – توشك على الاشتعال، فما موقع ممثلي الفكرة الإسلامية بينهما؟

يتضح هنا أن الفكرة الإسلامية وممثليها غير مستفيدين من النزاع العالمي بأي شكل، فكل الأطراف له تاريخ حافل بالصراع مع ممثلي الفكرة الإسلامية؛ فهو إما إما حاربهم في الماضي، وإما يحاربهم بشدة في الحاضر، وإما يتوعدهم ويهددهم في المستقبل، فهل من التعقل أن يظن ممثلو الفكرة أن انتقال موازن القوى بشارة أمل؟ خاصة بعد فشلهم الذريع في حل صراعات داخلية مع أطراف ضعيفة، فكيف بالصراع العالمي؟

ولربما قال قائل: إن المسلمين الأوائل في كل انتصاراتهم كانوا قلة مستضعفة، وانتصروا بالرغم من ذلك، فهذا وعد الله، ولا يخلف الله الميعاد.

وأقول لصاحب هذا الصوت: من المقبول أن لا يخاف المسلمون من خصمهم، حتى وإن كان أقوى منهم، فانتصار المسلمين، بالرغم من ضعفهم، أمر حاضر بقوة في التاريخ الإسلامي، وفي كتاب الله، لكن ليس مقبولًا الإلقاء بالموارد القليلة إلى ميدان المواجهة بدون وجود تصور لطريقة الانتصار ووسائله، أو حتى طريقة للفرار تجهيزًا لكرة أخرى. ففي حالة الضعف ينبغي توافر تصور لكيفية تعويض الضعف بالأخذ من عوامل قوة أخرى لا يملكها الخصم، وبذلك يكون الضعيف في موقف قوة، بالرغم من أن الشكل الخارجي قد يظهره بمظهر الضعيف. وهذا ما حدث في ثورة يناير من قبل، أن مثلت الحشود مصدرًا غير مألوف للقوة (بالذات في مصر) استطاع الإطاحة – ولو ظاهريا – بالنظام، واستطاع كسر هيبته في العقول.

القوة ونصيب الفكرة الإسلامية منها

ليس العالم بجمعية خيرية يقودها محسنون، وليس أيضًا مكانًا مليئًا بالشر والمؤامرات الكونية على ممثلي الفكرة الإسلامية، كلتا النظرتين تطرف بشع وظلم مجحف. فالعالم مكان تنافسي معقد للغاية، ونجاح أي طرف يعتمد على محصلة ما يمتلكه من أنواع القوى التي سنفصل في ذكرها، وعدم امتلاك طرف ما لأي نوع من القوى، أو امتلاكه لجزء غير كاف يؤدي به إلى الفشل. وفي هذه الحالة يعد الصمود استنزافًا لا شجاعة… استنزاف حتى نفاد القوى التي يملكها الطرف الأضعف.

إذا ما قمنا بعرض أنواع القوى، فسنجدها في الغالب تندرج تحت ثلاثة تصنيفات: قوة عسكرية أو القوة الصلبة (العتاد والإنفاق والمحصلة العلمية)، القوة الاقتصادية (مدى ما تملكه من الموارد)، قوة النفوذ أو القوة الناعمة (قوة الدبلوماسية والإعلام والجماهير)، فماذا يوجد لدى ممثلي الفكرة الإسلامية الآن من هذه القوى؟ بالرغم من أن في لب الفكرة صراع مع القوى التي ترفضها ولا تسمح لها إلا بنطاق محدد سلفًا من الحرية، كيف سيدافعون عن أنفسهم إذا هاجمهم خصومهم؟ وهم لا يملكون سوى القوة الجماهيرية والاقتصادية والقليل من العلاقات الدولية الجيدة. وبمرور الأيام يتناقص رصيدهم من هذه القوى وتزداد روابطهم ضعفًا ووهنًا، وهذا ما يظهر بشكل واضح في التطورات الأخيرة.

فصلاح الكون وما يحتويه بُني على سنن دقيقة لا تحابي أحدًا .. ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءا يُجز به … ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا .. والسوء هنا قد يكون دينيًا أو دنيويًا فالآية تحتمل كلا المعنيين، يأخذ بهذه السنن البَر والفاجر أو المسلم والكافر فتوصله إلى حيث تقتضي أسبابه. وهذا لا يتعارض مع الإيمان في شيء، فلله معجزات وكرامات يهبها من يشاء، لكن لم نسمع عن معجزات أتت لشخص ينتظر قدومها دون تقديم أثمانها من الأسباب، والأسباب ليست دائمًا التضحيات والآلام الشديدة، وإنما هي فقط تقديم الفعل المناسب في الوقت والمكان المناسب. فهذا ثمن يجب دفعه، ثم إن أتت المعجزات، فإن قدومها دومًا ما يكون بعد استنفاد كل الأسباب المتاحة، وبعد التخطيط الجيد والتصور الواضح واستنفاد الطاقة .. وفيما فعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في الهجرة خير عبرة ومثال.

كما أن الله يهب المعجزات بدون مقدمات معلومة، فينبغي أن يكون الشغل الشاغل نحو عالم الأسباب والعمل المكين فيه، مع اعتماد القلب على خالق الأسباب والإيمان بأنه سبحانه قادر على التدخل متى شاء كيفما شاء. كما أننا إذا نظرنا بروية إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: اعقلها وتوكل. نلحظ منه أن الأسباب تسبق التوكل، بل يسعنا القول هنا إنها ركن التوكل الأول يليه قول: توكلت على الله، أما مجرد القول وتحريك اللسان، دون تقديم دلائل التوكل من الأسباب، فيسمى تواكلًا.

التركيبة الاجتماعية

أما إذا كان لدى من يديرون المشهد بقايا أمل في أجيال مختلفة فنقول لهم: إن الأجيال الثورية معظمها قد بدأ حياته العملية، وجميعنا يعلم أثقال الحياة العملية في بداياتها، والأجيال الجديدة التي بدأت حياتها الجامعية مؤخرًا لا تعرف الثورة إلا في شاشات التلفاز والأخبار، فلا يعول عليها في إيجاد الحل الجذري أو التصور المكمل؛ لأنها لم تشارك في الساحة أصلًا، ولا تعرف طبيعة الصراع وتعقيداته.

هذا هو الحال في الغالب، وإلا فهناك رجال لم تشغلهم الحياة العملية ومتطلباتها عن إحقاق دورهم في الأرض، وهناك صغار يطل من عيونهم خير لا يعلم مداه إلا الله، لكنهم قليل، وليس جيدًا أن نترك المعتقلين يعانون انتظارًا لأمر محتمل لا نعلمه.

كما أن الكفر بالشعارات البراقة أصبح سمة ظاهرة في أوساط الشباب؛ لأن الشعارات وحدها تزكي العاطفة وتلهبها، فإن لم تجد فعلًا حقيقيًا على الأرض تفرغ فيه هذه العاطفة؛ انقلبت إلى انزواء وألم، وتحول صاحبها إلى أدنى درجات الجمود واليأس، بعد أن كان في أعلى درجات الحياة والحركة.

هذه الشعارات مثل:

– «يا نجيب حقهم يا نموت زيهم» كلمة جميلة جدًا، ملهبة للحماسة دون أدنى شك، لكنها لا تقول شيئًا عن طريقة الإتيان بحقهم! فيجب أن يلازمها تصور مفصل لماهية الإتيان بحقهم ومراحله وخطواته، وإلا فقد ينتحر أحد الأشخاص بحجة أنه لم يستطع الإتيان بحقهم… «فمات زيهم».

– «دولة الباطل ساعة» أثبتت الأيام أيضًا أنها ساعة طويلة، امتدت في سوريا لسبع سنوات من الثورة، وتدخلت فيها معظم دول العالم تقريبًا، ثم انتهى الأمر بتآمر داعميها ضدها وتمييعهم لقضيتها وكسرهم لشوكتها. فدولة الباطل إذا واجهناها بحق مرتعش لا يملك التصور، فنواميس الكون تقول إنها ستدوم لأكثر من تلك الساعة. وليس امتلاك الحق المجرد سببا للنصر على أية حال. (لا يتطرق المقال للوضع السوري، لكن أيضًا يعاني ثوار سوريا من أحد أعراض فقد التصور فيما يتعلق بدولة ما بعد الاسد، وفيما يتعلق بالتعامل مع المجتمع الدولي المتقلب).

– «الحق ينتصر في النهاية» وهي صحيحة بكل تأكيد، لكن أليس تسريع انتصار الحق واجبًا أصيلًا؟ ومن قال إن النهاية قد لا تكون بعد ألف عام! فليست لدينا نقطة محددة نعرف منها النهاية، وإنما لدينا كما ذكرنا سلفًا أسباب ونواميس، لدينا معطيات ونتائج، وهكذا يدار المشهد.

وغيرها من الشعارات.

وقد يقول قائل: لكن التنازل عن الحق ذنب عظيم، والتخلي عن المبادئ والثوابت – التي لا يعلم أحد ماهيتها حتى الآن – جرم كبير.

وأنصح صديقي هذا أن يعود إلى الماضي بعين فاحصة، فالجيش نفسه قدم مصالحة من نوع ما مع الشعب الغاضب، وتنازل عن بعض الأمور في أوقات معينة لكي يستطيع الضرب بخطة أذكى وقوة أكبر فيما بعد، وقد كان له ما أراد بذكاء غير متوقع.

فعودة المعتقلين إلى الحياة الطبيعية الآن خير ألف مرة من تركهم هكذا دونما أي سعي في أي اتجاه، اللهم إلا المتاجرة بهم وإصدار البيانات باسمهم، ولو سئلوا عن رأيهم؛ لردوا بما لا يسر أي شخص على الساحة.

كما أن النظر إلى الأفعال دون النظر في عواقبها قصر نظر يؤدي لعواقب وخيمة. فما هو الأنسب لشخص جريح: الانسحاب والراحة لكي يضمد جروحه؟ أم الصمود الضعيف الذي يستنزف المزيد من قوته كل يوم؟ حتى يقضى عليه؟

نهاية، يعلم الله أنها ليست محاولة للتثبيط من أحد، ولا محاولة للتقليل من عمل أحد، لكنها محاولة للاقتراب من حل لوضع لا ينبغي أن يستمر هكذا، وأن نحاول التنقيب عن وضع جديد غير هذا الوضع المزري، ولا نعتاد عليه مهما طال بنا الزمن. وسواءٌ اتفقنا أم اختلفنا سويًا، فكل ما أطلبه منك يا صديقي أن يكون هاجس الحل هو ما يشغلك، فربما كان بين أيدينا من دون أن ندري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد