ضجة كبيرة تلك التي أثارها مقطع مصور بثه اليوتيوبر المصري عبدالله الشريف في برنامجه على يوتيوب، والذي أظهر مشاهد غير إنسانية لضابط صغير في الجيش المصري، يمثل بجثة أحد أهالي سيناء بعد مقتله ثم يحرق جسده قبل دفنه في منطقة صحراوية شمال شرقي مصر. وفي مشهد موازي تظهر عربات الجيش الإيطالي وهي تصطف في طابور طويل داخل مدينة برجامو شمال شرقي ميلانو، محملة بجثث المئات الذين راحوا ضحية فيروس كورونا القاتل في مشهد مؤثر.

 

مشهد مؤثر

الجيش والشعب إيد واحدة، ومن منا لم يعل صوته بها ولكن الدوام لله وحده، فقد جرت مياه كثيرة تحت جسر الثقة بين الشعب والجيش، فبات الأخير الآن يقطع أصابع الشعب المصري بعد مقتله ثم يحرقها ويمثل بها ويستمتع أفراده بتوثيق تلك اللحظات بالصوت والصورة.

ليست المرة الأولى التي يصدمنا فيها جنود أو قيادات عسكرية مصرية، في شهر نيسان (أبريل) من عام 2017 أذاعت قناة مكملين الفضائية تسجيلًا بالصوت والصورة عرف إعلاميًا بـ«تسريب سيناء» يظهر مجموعة من الجنود برفقة بعض المدنيين، وهم يرتكبون جريمة القتل من المسافة صفر في حق بعض المدنيين العزل، تبين بعد ذلك أنهم من أبناء محافظة شمال سيناء ووثقت منظمة هيومان رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية تلك الجريمة وطالبتا الولايات المتحدة بوقف المعونات العسكرية المقدمة سنويًا للجيش المصري.

 

ماذا عن الفيروس العسكري الذي كشفه عبدالله الشريف وكيف سيتم مواجهته؟ وكم حالة داخل المؤسسة العسكرية المصرية مصابة بهذا الفيروس القاتل الذي لا ينفعه مصل ولا يجدي معه أي لقاح؟

يقول القائل: إن عبد الله الشريف قد أخطأ، فهذا ليس بوقت المكايدة السياسية ومعارضة النظام، فالوطن بل العالم بأسره في حالة حرب مع وباء كورونا الذي يحصد الأرواح من أقصى الأرض إلى أدناها دون هوادة، وكان يتوجب عليه عدم إذاعة هذا الفيديو المروع كي لا يشتت انتباه الدولة في محاولاتها الحثيثة السيطرة على فيروس كورونا، وإن اعتمدنا هذا المفهوم فستعلن بريطانيا وإيطاليا وألمانيا والصين والولايات المتحدة ومعهم أكثر من 114 دولة تحارب الكورونا أن هناك «موسمًا للتخفيضات على العقوبات» وفرصة لا تعوض لارتكاب الجريمة، فمن أراد السرقة فليفعل ومن أراد قتلًا فليقتل، ومن أراد نهبًا فلينهب، فهذا ليس وقت الحساب أو العقاب، وإنما وقت محاربة كورونا ولا شيء آخر.

لا أدري في الحقيقية عن أي منطق يتحدث هؤلاء، فما شاهدناه جريمة يعاقب عليها القانون المدني والعسكري، وهي انتهاك جسيم لكافة المواثيق الدولية واتفاقات حقوق الإنسان، فالأسرى لا يتم معاملتهم هكذا وقتلى الحرب لا يتم التمثيل بهم ولو كانوا من جيوش الأعداء، فكيف بأبناء وطنك وبني جلدتك؟!

 

الفيروس العسكري

وزارة الصحة المصرية تقول إن أرقام الإصابات بفيروس كورونا في ارتفاع مستمر وقد قاربت الثلاثمائة إصابة وسبع حالات وفاة، وقد اتخذت الدولة المصرية حزمة من الإجراءات الصحيحة في الأسبوع الماضي لمواجهة تفشي كورونا والحد من انتشاره، وأتمنى أن توفق تلك الجهود سريعًا في احتواء هذا القاتل الفيروسي ولكن ماذا بعد كورونا وماذا بعد أن يمن الله على مصر والبشرية بزوال هذا الوباء ويكشف عنها البلاء؟ ماذا عن الفيروس العسكري الذي كشفه عبدالله الشريف وكيف سيتم مواجهته؟ وكم حالة داخل المؤسسة العسكرية المصرية مصابة بهذا الفيروس القاتل الذي لا ينفعه مصل ولا يجدي معه أي لقاح؟ فيروس عسكري قاتل أفسد العقلية العسكرية للمقاتل المصري فبات عدوه صديقًا وبات صديقه عدوًّا، هذا الفيروس العسكري الذي دمر المنظومة الأخلاقية للعسكري المصري بات وباء يتغذى على الكراهية التي زرعها قيادات الجيش في صغار جنوده.

هذا لا ينفي أبدًا أن هناك إرهابًا حقيقيًا في سيناء، وأن هناك مجرمين في صورة بشر لا يشبعون من دماء الأبرياء عسكريين كانوا أو مدنيين ويجب دعم الجيش المصري في مواجهتهم، ولكن في إطار يحدده القانون والدستور، لا الهمجية وشريعة الغاب.

الجيش المصري سيكون له دور كبير في أزمة مواجهة كورونا لا شك، حاله كحال جيوش عربية وأجنبية كثيرة لجأت إليها الأنظمة، وستلجأ في الأسابيع المقبلة لمساعدة أجهزة الدولة الأخرى في المواجهة وتجهيز مستشفيات ميدانية وإمداد الأسواق بما ستحتاجه من مواد غذائية وطبية.

ولكن فيروسًا قاتلًا انتشر داخل الجيش المصري منذ كشوف العذرية وأحداث ماسبيرو ومواجهات العباسية ومجازر محمد محمود ومجلس الوزراء ثم الانقلاب العسكري ومذابح رابعة والنهضة وما بعدها وصولًا لما نعيشه الآن، حول الثقة في الجيش إلى شك والأمن إلى خوف والهتاف الشهير من الجيش والشعب إيد واحدة إلى الجيش بيقطع إيد الشعب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد